التجارة الخارجية وموقع العراق في الاقتصاد الدولي

د .مدحت القريشي – السياسة الاقتصادية العراقية في خدمة دول الجوار ؟ ! ( قانون التعرفة الجمركية نموذجا )

د .مدحت القريشي

مقدمة

تسعى معظم دول العالم الى انتهاج مختلف الوسائل لخدمة مصالحها الوطنية، ومن جملة هذه الوسائل هي الدبلوماسية والمصالح الاقتصادية واحياناالقوة العسكرية او التهديد باستخدامهااذا عجزت الوسائل الاخرى عن تحقيق الا هداف المنشودة.  و في العراق فاننا نلاحظ هذه الايام ان حدود العراق الشمالية تقصف باستمرار بذريعةمطاردة العناصر المسلحة التي تعارض او تحارب النظام سواء في تركيا او ايران،وان المياه الواردة عبر دجلة والفرات يتم تقليصها الى ادنى حد من قبل تركيا . كما ان ايران  من جهتها تقوم بتحويل  مجرى الانهر( التي تصب في العراق) الى اراضيها و  تحرم السكان العراقيين  من الاستفادة منها . وتقوم الكويت( وبحسب تقارير  امريكية)بعمليات سحب النفط من الابار العراقية بتقنية متطورة وحفر مائل وبمشاركة امريكية بحسب تلك التقارير . وقد قدرت اقيام النفوط المسحوبة بمليارات الدولارات .كل ذلك يجري ولا نشاهد ردود افعال مناسبة من الجهات العراقية المسؤولة عدا بعض التصريحات الخجولة واحيانا الباهتة والمناشدات والمطالبات التي لا تجدي نفعا، واحيانا التهديد باللجوء الى المنظمات الدولية .

وسوف تركز هذه المقالة على موقف الدولة من قانون التعرفة الجمركية رقم 22 لسنة 2010 كنموذج

لتبيان كيف يتم اخضاع السياسة الاقتصادية المعتمدة في العراق لخدمة دول الجوار وليس لخدمة العراق وشعبه . وسوف نبدأ بنبذة مختصرة عن الوضع الاقتصادي القائم والحاجة الماسة الى استخدام مختلف وسائل الحماية والدعم والتشجيع لتنمية وتطوير الانتاج المحلي من السلع المصنعة والزراعية لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني وتحقيق قدر من التوازن في الهيكل الاقتصادي احادي الجانب والذي يعتمد حاليا على عوائد النفط لتمويل الاستهلاك الجاري والاستيراد بعيدا عن الاستثمار وتوليد الدخل وفرص العمل المنتج .بعد ذلك نتعرض لما حصل من مواقف واجراءات  بخصوص تطبيق قانون التعرفة الجمركية

المذكور اعلاه .

خلفية الاوضاع للصناعة العراقية

من المعلوم للجميع ما الت اليه الصناعه العراقيه منذ بداية الثمانينات ولحد الان من جراء حروب  النظام السابق العبثية وما جرته من حصار شامل وغير مسبوق ، ومن ثم سقوط النظام بكامله على اثر الاحتلال الامريكي للعراق وماتبعه من نهب وسلب ،ومن ثم انفتاح السوق العراقيه على مصراعيها لكل انواع السلع المستورده والرديئه من دون رسوم جمركيه تذكر ومن دون رقابه وفحص الامر الذي قضى على ماتبقى من صناعات محليه تحاول جاهده التقاط انفاسها.

حاجة الصناعه للحماية والدعم.

في ظل مثل هذا الوضع المأساوي القائم فان الحل  هو اللجوء الى الاساليب المختلفه والمناسبه لحماية  وتشجيع الصناعه الوطنيه لفترة محدودة لكي تقف على قدميها وذللك من خلال التاهيل والاستثمار وتقديم مختلف انواع الخدمات الاساسية وحمايتها من المنافسه غير المتكافئه وغير العادله لحين بلوغها المستوى المعقول من التطور والمنافسه ولكي يصار عندها الى تخفيف ومن ثم الغاء وسائل الحمايه والدعم

تاثير الحمايه على الانتاج  المحلي وعلى  الاقتصاد الوطني وعلى المستهلك

طبقا للاطار النظري الاقتصادي للحمايه فان الرسوم الجمركيه والقيود الاداريه التي تنظم عملية الاستيراد للسلع المنافسه للانتاج المحلي بمثابة ضريبة على المنتجات المستورده وذلك تحقيقا لجملة من الاهداف تشمل المالية والتنمويه وربما الصحية والبيئيه الخ وبالتالي فان تاثيرها الفعلي هو ارتفاع اسعار هذه السلع في السوق الداخلي بمقدار الضريبة مما يؤدي بالنهاية الى ارتفاع اسعار السلع المنتجه محليا ايضا الامر الذي يمكن المنتج المحلي من الاستمرار في الانتاج وتصريف منتجاته في السوق الداخلي رغم ارتفاع تكاليف انتاجه واسعاره وهذا ما يشجع علىتوسيع الانتاج المحلي وارتفاع نسب استغلال الطاقات الانتاجيه والتي تنعكس فيما بعد بانخفاض تكاليف الوحده المنتجه وسعرها وهذا ا هو الهدف النهائي والمنفعه المتوقعةمن الحمايه  وهو المبرر الاقتصادي لها . وقد لجأت العديد من الدول المتقدمه في مراحل  تصنيعها

الاولى الى  الوسائل الحمائية مثل المانيا والولايات المتحدة وفرنسا وغيرها قبل ان تصل الى المستوى المتطور الحالي .

الموقف الحالي من قانون التعرفه الجمركيه

ان مجمل الاوضاع الاقتصاديه والسياسيه والامنيه القائمة في العراق  وانعدام  البنيه التحتيه ليست مشجعه لمتطلبات التنميه (كما هو معروف)ومن هنا فلا بد من استخدام مختلف وسائل الدعم والرعايه والمحفزات للانتاج المحلي لكي ينهض من جديد و ينمو ويتطور ويستعيد عافيته السابقه على الاقل .الا انه بدلا من

ذلك تستمر عملية اغراق السوق العراقيه بالسلع الرديئه المختلفه وباسعار زهيده تكاد تمثل حالات الاغراق (Dumping) المعروفه الامر الذي ينعكس سلبا على المنتج المحلي وعلى فرص التنميه والتطور الاقتصادي . ومن هنا تاتي اهمية اللجوء الى التعرفه الجمركيه باسرع وقت ممكن الى جانب وسائل التشجيع المختلفة . واذا ما علمنا بان الدول المتقدمه حتى هذه الايام تلجأ الى استخدام التعرفه الجمركيه ضد بعض السلع المستورده الى اسواقها اذا ما وجدت ان تأثيرها يكون سلبيا على منتجاتها المحليه وعلى فرص العمل والبطاله فكيف بنا في العراق ونحن نعيش اوضاعا استثنائيه في كل شئ .

وفي الوقت الذي تفرض الدول المجاوره للعراق رسوما جمركيه على مستورداتها بنسب تتراوح بين 18 – 20  بالمائةفان العراق لحد هذه اللحظه يفرض فقط نسبة 5  بالمائةعلى السلع الواردة الامر الذي يمنح السلع الاجنبيه الداخله الى العراق ميزه نسبيه او معاملة تفضيليه على السلع المحليه المنافسه داخل السوق العراقي الى جانب انخفاض اسعارها اصلا مما يؤدي الى ازاحة المنتجات المحليه من السوق  . وقد تم اغلاق العديد من المصانع العراقيه وتوقف انتاج العديد من المنتجات الزراعيه لعدم استطاعتها المنافسه في ضوء ارتفاع تكاليف الانتاج والتسويق و ارتفاع مستوى الاجور في العراق للاسباب المعروفه . وحتى السلع التي تتمتع بحمايه طبيعيه لارتفاع تكاليف النقل مثل الطابوق والاسمنت فقد غزت السوق العراقيه

رزم الطابوق الانيقة وباسعار رخيصة نسبيا من ايران، ،وكذلك السمنت المستورد  من مناشىء مختلفة ونوعيات رديئة واثرت سلبا على صناعتي الطابوق والسمنت العراقيتين مما ادى الى اغلاق العديد من مصانع الطابوق من جراء الدعم الذي تقدمه الحكومه الايرانيه  الى المنتجين الايرانيين لتوسيع الانتاج وتنمية الصادرات الى العراق   مما يمكنهم من السيطرة  على السوق العراقي .

ونتيجه للمطالبات في الصحف ووسائل الاعلام والندوات المتخصصه التي  تقام في العراق حول ضروره حماية الانتاج الوطني الصناعي والزراعي ووقف تدفق السلع الرديئه والرخيصه وغير المطابقه للمواصفات صدر اخيرا قانون التعرفه الجمركيه رقم 22 لسنة 2010 والذي فرض رسوما تراوحت بين الصفر وال80%على مجموعة من السلع المستوردة .وعلى سبيل المثال بلغت النسبة5%على الرز والسكر و80%على المشروبات الكحوليةوالمياه المعدنية و15%على السيارات الخ .وقد انبرى الكثيرون بالتعليق وابداء الاراء،فمنهم من ايد القانون (وهم قلة)وهناك العديد ممن هاجم القانون بشدةبذريعة انه سوف يؤدي الى ارتفاع اسعار السلع في السوق المحلية ويلحق الضرر بالمستهلكين وخاصة ذوي الدخل المحدود .

ويبد و ان صوت الاراء المعارضة للقانون والمتمثلة بالمصالح التجارية المحلية والخارجية وبعض السياسيين الذين يحاولون كسب الشارع العراقي كان اكثر تاثيرا مما دفع الحكومة الى تعليق تطبيق القانون الى اجل غير مسمى .وهنا نتساءل اذا كانت الحكومة مقتنعة بالحاجة الى اصدار  القانون فكيف اقدمت على تعليقه بهذه السرعة والسهولة؟! واذا لم تكن مقتنعة بالقانون فلماذا عملت على اصداره ؟ .

ان الاجابة على هذه التساؤلات تتضح من بعض التصريحات التي ادلى بها بعض اعضاء مجلس النواب

وبعض المسؤولين في الحكومة والتي نشرتها جريدة العالم البغدادية في عددها424 الصادر في يوم الاحد 11/9/2011.فقد اكد السيد محما خليل عن التحالف الكردستاني الى الجريدة بان دولا مجاورة ضغطت

على اعضاء مجلس النواب وعلى بعض الوزراء لتجميد قانون التعرفة الجمركية للمحافظة على صادرات  هذه الدول الى العراق  واللافت ان دول الجوار تبرر موقفها الغريب والاناني هذا وعبر بعثاتها الدبلوماسية بان الوضع في بلدانهم لايساعد على عدم تصدير  الخضار الى العراق ، ويبدو ان هذاسببا كافيا في نظرهم

وربما في نظر بعض سياسيينا ومسؤولينا للاستجابة  لمطلبهم,وكأن العراق وجد ليكون بقرة حلوب للدول المجاورة وغير المجاورة . ويتابع النائب المذكور، وهو عضو في اللجنة الاقتصادية لمجلس النواب بالقول بان ما يسهم في دخول المنتجات الى السوق العراقية هي الرشا المتفاقمه في المنافذ الحدوديه والتي ادت الى تخريب الاقتصاد العراقي  والقضاء على المنتجات المحليه تماما .

ويؤكد المصدر اعلاه بان الدول المذكوره  أفشلت تطبيق القانون المذكور، وسبق لها ان أ فشلت  تطبيق قوانين اخرى تم التصويت عليها في مجلس النواب وهي قانون منع الاحتكار وقانون حماية المستهلك وقانون حماية المنتج المحلي وهذا يشير الى ان دول الجوار هذه هي مع الاحتكار في السوق العراقيه ولا تريد حمايه المستهلك العراقي ولا تريد حماية المنتج المحلي  ،لان دول الجوار هذه هي بالاساس مع وجود الاحتكار في السوق العراقية اذا كان  ذلك يصب بمصلحتها وهي غير معنية بمصلحة المستهلك العراقي او حماية المنتج المحلي . ومن الطبيعي ظهور حالات التعارض بين مصالح البلدان المختلفه لكن الثابت ان كل بلد يحاول جاهدا حماية مصالحه ومصالح شعبه . والطامه الكبرى هي ان العديد من السلع الداخله للسوق العراقيه سلع رديئة النوعيه وقسم منها غير صالح للاستهلاك الامر الذي يشير الى تواطؤ بعض التجار العراقيين وبعض مسؤولي الاجهزه المختصه في الجمارك العراقيه من جهه وبعض مصدري السلع من جهه اخرى ، واذا ما علمنا بان  قيم السلع الوارده من تركيا وايران تصل الى نحو 20 مليار دولار سنويا ادركنا مدى الضغط والتاثير الذي تفرضه هذه البلدان من اجل عدم تطبيق قرار التعرفه الجمركيه في العراق . وكما تذكر المستشاره الاقتصاديه في مجلس الوزراء لجريدة العالم فان الجميع كان مع تجميد تطبيق قانون الرسوم الجمركيه لانه ينعكس سلبا على المستهلك وهذا يعكس الحاله الشاذه للوسط الاقتصادي في العراق والتي تعكس انعدام الرؤيا الصحيحه لديه فيما يتعلق بمصالح البلد على حد تعبير المستشاره الاقتصاديه .ويبدو ان البعض لا يدرك بان اية رسوم جمركية تفرض على المستوردات لابد وان تنعكس على اسعار السلع في السوق الداخلي ، فهل هذا يعني ان تقوم الحكومة العراقية بالغاء جميع الرسوم الجمركيه في هذه المرحله الحرجه من تاريخ الاقتصاد العراقي حتى لاترتفع اسعار السلع على المستهلك ؟!

و اخيرا، وبسبب انعدام التنسيق فيما بين الوزارات والمؤسسات الاقتصاديه المختلفه ووجود التعارض والاختلاف في الرؤى والمواقف من القضايا الاقتصاديه فاننا ا نؤكدعلى ضرورة تأسيس مجلس اعلى للشؤون الاقتصادية لكي يتولى مناقشه جميع هذه الامور وا لتوجيه بما فيه مصلحه ا لبلاد العليا وليس مصلحة السياسيين او الاحزاب او الفئات المختلفة .ان الاستمرار على الحاله القائمه من التعارض والاختلاف في وجهات النظر من شانها ان تعمل على افشال السياسات الاقتصاديه للبلد سواء في مجال التجاره والصناعه والماليه والنقديه وغيرها. وغني عن القول ان العضويه بهذا المجلس يجب ان تقتصر على  الاقتصاديين المرموقين والمشهود لهم بالكفاءة والمؤهلين تأهيلا كافيا بعيدا عن المحاصصه والمحسوبيه لان مثل ذلك يفشل اهداف المجلس من الاساس. والملاحظ هذه الايام ان من هب ودب

يحمل لقب مستشار دون ان تكون لديه التجربة والخبرة اللازمة والتأهيل المناسب ولعمري هذا هو سبب التخبط والتعارض اللافت في الاراء والمواقف من الامور الاقتصادية .

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: