التجارة الخارجية وموقع العراق في الاقتصاد الدولي

د. حسن الجنابي: العراق والكيمياويات السامة – هل يكفي الانضمام الى اتفاقيات بازل وروتردام واستوكهولم؟

شارك العراق بالدورة الثانية للمؤتمرات المتزامنة للاتفاقيات الدولية الشقيقة الثلاثة، المتعلقة بالكيمياويات والنفايات السامة والملوثات العضوية الثابتة وبروتوكولات التخلص منها ونقلها عبر الحدود، في الفترة 28 نيسان الى 10 ايار 2033 في جنيف، وذلك لمناقشة موضوعة رئيسية لها وهي التآزر (Synergy) بين الاتفاقيات الثلاثة.

تأتي هذه الدورة تنفيذا لقرار سابق لسكرتاريات الاتفاقيات، وعلى اعتبار ان الاتفاقيات تتعاطى مع ميدان موّحد هو الكيمياويات والمخلفات والمبيدات الضارّة والملوّثات العضوية، وفي ضوء مقاربة تنظر في دورة الحياة المتكاملة للمواد الكيمياوية منذ مرحلة تصنيعها او استخراجها، مرورا بمراحل استخدامها، وانتهاءا بالتخلص منها بصورة سليمة وفق المعايير الدولية التي حددتها تلك الاتفاقيات، وذلك لحماية صحة الانسان والبيئة.

فبعد ان كانت مؤتمرات هذه الاتفاقيات تعقد في فترات منفصلة اتفق على عقدها بشكل متزامن بعد ان جرى توحيد الامانات العامة لها بامانة واحدة، علما ان الدورة الاولى للمؤتمرات المتزامنة كانت قد عقدت في بالي الاندونيسية عام 2010 وهذه هي المرة الثانية في جنيف حيث عقدت مؤتمرات اطراف الاتفاقيات الثلاثة بنفس الوقت وبنفس المكان وهي:

  1. المؤتمر الحادي عشر لاتفاقية بازل (1989) الخاصة بالتحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود.

  2. المؤتمر السادس لاتفاقية روتردام (2004) الخاصة باجراء الموافقات المسبقة على بعض الكيمياويات والمبيدات الخطرة في التجارة الدولية.

  3. المؤتمر السادس لاتفاقية استوكهولم (2001) الخاصة بالملوّثات العضوية الثابتة.

تضمنت الدورة الثانية للمؤتمرات المتزامنة هذه اجتماعاً رفيع المستوى لوزراء البيئة (او الزراعة) في الدول الاعضاء لمدة يومين وذلك من 9 الى 10 ايار، وقد جرى الاجتماع على شكل موائد مستديرة عديدة للسادة الوزراء في اليوم الاول، اضافة الى جلسة عامة لمناقشة نتائج اجتماعات الموائد المستديرة ووثائق المؤتمر وتطوير فكرة التآزر على المستويات الوطنية والاقليمية والدولية في اليوم الثاني.

ساهم العراق بشقي هذه الدورة وهما الشق المعني بالمفاوضات الفنية بين وفود الدول الاعضاء، وكذلك الشق الخاص بالاجتماع رفيع المستوى لوزراء البيئة في العالم، حيث قام سفير العراق الدائم لدى منظمة الاغذية والزراعة للامم المتحدة (فاو) بتمثيل العراق نيابة عن السيد وزير البيئة العراقي.

من الجدير ذكره ان العراق كان قد صادق على اتفاقية بازل المعنية بالتحكم بحركة المواد الخطرة والنفايات السامة عبر الحدود وذلك في عام 2011، وتجري الآن الاستعدادات المطلوبة للتصديق على اتفاقية روتردام المعنية بالحصول على الموافقات المسبقة قبل الاتّجار بالمواد الكيمياوية الخطرة والمبيدات بين الدول، وكذلك اتفاقية استوكهولم المعنية بالملوّثات العضوية الثابتة، اي التي لا تتلاشى بعد الاستخدام،  حيث استكملت سلسلة من الاجتماعات بين المؤسسات والوزارات العراقية المعنية لدراسة جدوى الانضمام، ولتذليل المصاعب التي تواجه تنفيذ الاتفاقيتين، وقدرة العراق على تنفيذ التزاماته بهذه الاتفاقيات، وبالطبع اسهامه في حماية البيئة والمجتمع، ومن ثم رفع طلب الانضمام اليهما الى الجهات التشريعية ليأخذ مجراه.

بعض نشاطات الوفد العراقي:

لقد شارك وفد عراقي من وزارتي البيئة والخارجية في المؤتمرات وساهم في نقاش الوثائق المطروحة وغالبا ما تم ذلك نيابة عن المجموعة العربية باعتبار ان العراق يترأس مؤتمر وزراء البيئة العرب.

كما حضر العراق في الاجتماع الرفيع المستوى المخصص لوزراء البيئة في الدول الاطراف في المعاهدات والذي جرى يومي 9 و10 ايار 2013، وساهم في الطاولة المستديرة لبعض الدول العربية الى جانب وزراء البيئة من كل من مصر وليبيا والجزائر وعمان وفلسطين وقطر واليمن (ممثلا بوزيري الزراعة والبيئة) وجرى فيها نقاش مرّكز على قضية التآزر بين الاتفاقيات والاجراءات الوطنية والاقليمية الضرورية للنجاح بها.

وقد ركز الوفد العراقي على ضرورة الاطلاع على التجارب الوطنية للبلدان بهدف الاستفادة المتبادلة وتطوير سياسات منسقة، وتمكين المجتمع المدني ومؤسسات الدولة الاخرى من المراقبة، وكذلك التأكيد على مبدأ التعويض المجزي الناتج عن حوادث نقل النفايات والسموم، ومنع الاتّجار غير المشروع بالمبيدات والكيمياويات الخطرة او تهريبها.

وقد لخصت وقدمت الطاولة المستديرة التي اسهم بها العراق نتائج اجتماعها للمؤتمر كما يلي:

  • الترحيب بالتآزر بين الاتفاقيات الثلاث للمواد الكيمياوية لأنه يسهم بتنفيذ الاتفاقيات بفعالية اكبر.

  • ضرورة توفير الاليات الضرورية لتنمية قدرات الدول النامية وتوفير التكنولوجية اللازمة لها.

  • انشاء جهة وطنية واحدة لتنفيذ الاتفاقيات الثلاث ضمن هيكلية وزارات البيئة.

  • ضرورة توفير ادارة فضلى للمصادر البشرية والمالية المعنية بتنفيذ الاتفاقيات.

  • ضرورة الحصول على الدعم الفني من سكرتارية الاتفاقيات للتخلص من المواد التالفة والنفايات.

  • دعم المؤسسات المدنية في الرقابة على اجراءات ادارة النفايت والسموم وعلنية المعلومات.

  • تشجيع تبادل التجارب والخبرات الوطنية بين الدول الاعضاء.

  • محاربة التجارة غير المشروعة وتهريب المواد السامة والمبيدات.

  • التنسيق بين القطاعات المعنية على المستوى الوطني في كل بلد.

  • وضع السياسات البيئية الذكية لضبط صناعة المواد الكيمياوية على مستوى البلدان.

  • اعطاء اهمية اكبر لقضية المواد الكيمياوية وجعلها من الاولويات في جداول الاجندات التنموية الوطنية.

  • دعم المراكز الاقليمية الموجودة في المنطقة (في الكويت والقاهرة والجزائر) لدفع عملية التآزر بيت الاتفاقيات.

  • تعزيز الشراكة بين المراكز الاقليمية والقطاع الخاص.

  • التوصية بتعويض الخسائر المرتبطة بتهريب النفايات الخطرة باتفاقية بازل.

  • تشجيع الاطراف على المصادقة على قرار الحظر في اتفاقية بازل.

  • انشاء شبكة معلومات حول المواد الكيمياوية والنفايات.

أهمية الاتفاقيات الثلاث للعراق :

ان هذه الاتفاقيات الثلاث، والتي ستلحقها قريبا اتفاقية رابعة حول الزئبق، شديدة الاهمية لبلدنا العراق نظرا للاستخدام الشائع وربما العشوائي للكثير من الكيمياوات، واستيراد واستخدام كميات كبيرة منها في زمن الانغلاق والحروب وبرامج واسرار التصنيع العسكري الذري والبيولوجي والكيمياوي في ظل النظام السابق، ومالحق ذلك من تحطيم قدرات العراق الذاتية نتيجة للحروب والحصار الاقتصادي.

لذلك تبدو الدعوة الى التسريع بانضمام العراق الى اتفاقيتي روتردام واستوكهولم متوافقة مع نزعة العراق الجديد للتصرف كدولة متحضرة تحترم الاتفاقيات والمعايير الدولية. لكن توجد باعتقادي تحديات جدية امامنا وهي متعلقة اساسا بقدرات بلادنا على تنفيذ الاتفاقيات نظرا للحاجة الاكبر للتنسيق بين مؤسسات ووزارات الدولة، والنقص بالتشريعات ،وغياب البيئة الاستثمارية الصالحة والشفافة، وضعف القدرات الفنية والبشرية لدى المؤسسات العراقية بقطاعيها العام والخاص، اضافة الى تعرض البلد الى حروب ادت الى زيادة التخريب عبر الحدود، واستمرار عمليات ارهاب وتآمر في منطقة لم تعرف الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي منذ عقود، وهي مقبلة على المزيد منها.

لاشك فان الحصول على عضوية الاتفاقية الدولية يخضع الى معايير تقتنع بها امانة الاتفاقية ومؤتمراتها، لكنها لاتعني بالضرورة بان العراق يقفز تلقائيا الى مصاف الدول الملتزمة بها نصا وروحا، اذ يعتمد ذلك على عوامل عديدة منها مستوى التطور الاجتماعي والاقتصادي والبنية التشريعية والتكامل الاقتصادي بين المناطق الجغرافية ودرجة التنسيق بين مؤسسات الدولة بما فيها الاجهزة الرقابية والامنية لمنع التهريب والتجارة غير المشروعة وغير ذلك.

وفي غالب الاحيان فان المصادقة على الاتفاقيات الدولية والتقدم لعضويتها هو البداية الحقيقية للالتزام الفعلي بها وتنفيذها، اذ ان الرغبة بدخول اتفاقية دولية تحصل في الكثير من الاحيان قبل توفر الشروط الحقيقية للتنفيذ بدون الدعم الفني الخارجي الذي يساعد الدولة في النهوض بمهامها الجديدة.

من الضروري جدا، وفي اطار عملية التآزر بين الاتفاقيات على المستوى الدولي، ان يكون العراق قادرا على النجاح بالتآزر بين تلك الاتفاقيات على المستوى الوطني، لأن ذلك هو حجر الاساس لاسهامة اقليميا ودوليا في تنفيذ الاتفاقيات، وهنا تبرز الحاجة الماسة لتقوية القدرات العراقية بشريا وماديا وفنيا على تنفيذ التزامات العراق ضمن الاتفاقيات وبغرض الاستجابة لشروط العضوية الملزمة له، خاصة في ظل التباين الواضح في القدرات الوطنية للبلدان المتجاورة من حيث البنى التحتية والتشريعات والتنوع السياسي والاقتصادي.

ولتحقيق النتائج المرجوة من التزام العراق بالاتفاقيات، لابد من توفير كافة مستلزمات النجاح لوزارة البيئة العراقية لتقوم بدورها في حماية صحة المواطنين والبيئة وخاصة الدعم المادي لمشاريعها وتأهيل منتسبيها، وقدرتها في جذب كافة الشركاء الوطنيين تحت سقف واحد وبرنامج تكاملي واحد يضع خدمة البلاد والمجتمع والبيئة كهدف اعلى للجميع.

 *سفير العراق الدائم لدى منظمة الاغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) في روما

 لتنزيل الملف بصيغة بي دي اف انقر هنا

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: