دراسات اجتماعية وثقافية

د. إبراهيم الحيدري: بمناسبة مرور مائة عام على ولادته – على الوردي والتغيّر الإجتماعي في العراق

   يُعتبر التغيّر الاجتماعي من أهم المواضيع في علم الاجتماع الحديث، الذي يقترن بالتغيّرات والتحوّلات البنيوية التي تحدث في جميع المجتمعات. فالتغيّر هو سنة الحياة وهو قانون طبيعي وإجتماعي يتحكم في جميع أجه وعناصر الحياة المادية والمعنوية حسب الزمان والمكان، على الرغم من ان العناصر المادية لأية حضارة هي أسرع في درجة التغيّر من العناصر المعنوية، وخاصة على المستوى الشخصي والثقافي الاجتماعي، حيث لا يوجد شيء ثابت ومستقر، فكل مجتمع يتغيّر ويتبدل من شكل الى آخر حتى المجتمعات القديمة والبدائية والتقليدية فقد تغيّرت وتطورت ولو بدرجات نسبية. وعملية التغيّر تشمل مجمل التغيّرات والتحوّلات والتبدلات البنيوية التي تحدث في المجتمع والعلاقات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والثقافية، وذلك بسبب عوامل عديدة تتراكم حتى يصل المجتمع الى درجة من التجّمع الحضاري الذي يعمل على هدم ما هو قديم، وبناء جديدٍ مكانه عن طريق نمو الإمكانات والطاقات والقدرات العلمية والتقنية في داخله، لأن كل نظام اجتماعي يحمل في داخله بذور تغيّره.

   ويشهد المجتمع العراقي المعاصر تغيّرات بنيوية واسعة النطاق منذ دخول عناصر الحضارة والمدنية الغربية اليه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وما صاحبها من تحوّلات إجتماعية وإقتصادية وسياسية وثقافية، غيّرت من نظرتنا الى الكون والوجود والحياة والنظم الإجتماعية.

   وتُعتبر فرضية على الوردي، (1913-1995)، في التغيّر والتناشز الإجتماعي من الدراسات الإجتماعية القيّمة التي تبحث في سياقات التغيّر والتحوّل الإجتماعي في العراق، فهي بالتالي ستساعد في فهم تأثيراته ونتائجه على الثقافة والمجتمع وعلى شخصية الفرد العراقي، على الرغم من ان التغيّر الحضاري يؤثر بصورة أسرع في العناصر المادية منه في العناصر المعنوية، وخاصة في القيم والعادات والتقاليد، ولكنه لا يغيّر من الطبيعة الانسانية.

   ولمعرفة تأثير التغيّرات والتحوّلات الإجتماعية على المجتمع العراقي ركّز الوردي على أهمية دخول عناصر المدنية والحضارة الغربية الى العراق التي دخلت بعد الإتصال الحضاري مع أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فبعد دخول الإكتشافات والإختراعات الحديثة في مجال الصناعة والمواصلات والإعلام والتربية والتعليم الى العراق تغيّر الكثير من البُنى الإقتصادية والإجتماعية والثقافية فانهارت الحواجز والسدود بين المعقول وغير المعقول، وأصبح كل شيء ممكنا.

   كما حدثت تغيّرات بنيوية هامة منذ دخول القوات البريطانية الى العراق، كالسيارة والطيارة وغيرهما، فسببت تناشزا إجتماعيا ونفسيا عند فئات واسعة من المجتمع العراقي. فالحضارة الغربية الوافدة جلبت معها عناصر مدنية وحضارية عديدة كانت متقدمة علميا وتقنيا، وهو ما اثار دهشة العراقي وجعله مبهورا امامها، وهذا مما فجر تناقضات وصراعات إجتماعية بين مؤيدي الحضارة الغربية “المجددين” وبين الواقفين ضدها ” المحافظين”. وقد إعتبر البعضُ المجددين “كفارا”، في حين إعتبر المجددون المحافظين “رجعيين”. وقد ظهر هذا الصراع في المدن أكثر منه في الريف وبخاصة في التربية والتعليم والوظائف الجديدة وفي الصحافة والاعلام، وشمل وضعية المرأة ومشاكل السفور والحجاب وغيرها. كما ولّد توترا إجتماعيا ونفسيا وسياسيا حادا. ففي الوقت الذي لم يستطع المحافظون مقاومة إغراءات المدنية الغربية، إندفع المجددون وراء إغراءاتها وانجرفوا في تيارها، مما ادى الى نوع من التحلل الديني والاجتماعي وظهور صراع اجتماعي بين الجيل الجديد والجيل القديم.

   يرى الوردي بأن دخول عناصر المدنية الغربية الى العراق مرّ بثلاث مراحل متعاقبة من التغيّر هي:

أولا، مرحلة التغيّر البطيء، التي بدأت منذ منتصف القرن التاسع عشر واستمرت حتى الحرب العالمية الثانية، وتم فيها دخول بعض المخترعات الحديثة، كالبواخر النهرية والتلغراف والفوتوغراف والطباعة وغيرها. وقد ساعدت تلك المخترعات على تكيّف المجتمع معها بمرور الوقت، بحيث لم تحدث تناشزا اجتماعيا حادا او صراعا بين الجيل القديم والجديد. غير ان دخول “الترامواي” زمن مدحت باشا عام 1879 ودخول السيارة لأول مرة في العراق في عام 1908 كان قد أدهش العراقيين كثيرا، فخرجوا يتفرجون وينظرون تحت السيارة ليكتشفوا قوائم الحصان المختفي تحتها، لأنهم لم يستطيعوا أن يتصوروا ان عربة من الممكن ان تسير بدون حصان!

ثانيا، مرحلة التغيّر السريع، التي بدأت بعد الحرب العالمية الأولى واستمرت حتى السبعينات من القرن الماضي وتمت فيها تغيّرات وتحوّلات عميقة الأثر في المجتمع العراقي، حيث ارتبطت بتشكيل الحكم الوطني عام 1920 ودخول العراق تحت الانتداب البريطاني الذي ساعد على دخول مخترعات وصناعات وافكار حديثة وبشكل سريع، مما أحدث تغيّرات بنيوية عميقة ومثيرة وسببت، في ذات الوقت، تناشزا اجتماعيا ونفسيا وإنقساما في المجتمع العراقي.

وثالثا، مراحل التغيّر السريع جدا التي بدأت منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي وارتبطت بتنامي الدولة المركزية الشمولية والتي قادت العراق الى أتون حروب مدمرة وحصار إقتصادي جائر. وهي المرحلة الحاسمة التي لم يستطع الوردي دراستها وتحليلها لأسباب سياسية معروفة.

   لقد ولَد التغيّر الإجتماعي والحضاري توترات وصراعات إجتماعية ونفسية وسياسية حادة، فالحضارة الغربية الوافدة الى العراق كانت متقدمة علميا وتكنولوجيا، ولذلك لم يستطع المجتمع التقليدي تقبلها، مما ولّد صراعا بين مؤيدي الحضارة الغربية وبين الرافضين لها. وقد أطلق الوردي على المؤيدين لها اسم “المجددين” وعلى الرافضين لها اسم “المحافظين”. وقد إعتبر البعضُ المجددين كفارا. غير ان المحافظين لم يستطيعوا مقاومة إغراءات المدنية الحديثة، في حين إندفع المجددون وراء إغراءات المدنية الحديثة، مما أحدث تحللا دينيا واجتماعيا.

   والحال ان من طبيعة التغيّر الإجتماعي أنه لا يؤثر في جميع اجزاء المجتمع على درجة واحدة، فقد يُحدث تغيير سريع في ظواهر اجتماعية وتغيير بطيء في أخرى، وفي الحالتين يؤدي الى ظهور مشاكل وأزمات إجتماعية وتوترات نفسية مختلفة. وقد ظهرت نتائج التناشز الاجتماعي في التناقض بين القيم الاسلامية وبين القيم البدوية، وبين القيم الإسلامية وقيم الحداثة الغربية، وبين نسق التربية الليبرالية الحديثة وبين نسق التربية الاسلامية التقليدية الصارمة، وبين القيم والعادات التقليدية القديمة، وبين القيم الحضرية الجديدة، مثلما ظهرت في الصراع السياسي وفي العلاقات العشائرية والطائفية والتكتلات الحزبية، وفي الدخول في الوظائف الحكومية، وكذلك في تغيّر الأدوار والمكانات الإجتماعية الجديدة، وكذلك بالموقف من المرأة ودخولها في المدارس والوظائف والخدمات، وما افرزه من منازعات بين مؤيدي السفور و الحجاب. كما ظهر التناشز الاجتماعي في توزيع الحقوق والواجبات، وفي الفجوة الواسعة بين الشعب والحكومة، وفي نزعة الجدال الذي ينشب بين الافراد الذي يقوم على العناد والإصرار على الرأي حتى لو كان الشخص مخطئا، وكذلك بالتمشدق بالشعارات الفارغة التي هي طلاء سطحي يخفي وراءه “شخصية زقاقية” لا تكاد تمس أوتارها الحساسة حتى تنتفض وتثور مثل أسد هصور وكأنه شقي من اشقياء بغداد القديمة.

    وقد شهد العراق من جراء التناشز الاجتماعي صراعات وتوترات ومنازعات عنيفة، خصوصا بعد ثورة 14 تموز 1958 التي “نبشت” ما كان مدفونا وخفيا، فسببت سقوط ضحايا كثيرة بسبب الحماس السياسي الزائد. كما ان هذا الصراع الإجتماعي السياسي كان يمثل رد فعل للتناشز بين نسقين متناقضين من القيم الحضارية، بين قيم الحضارة وقيم البداوة، التي ما زالت كامنة في نفوسنا بشكل او آخر حتى اليوم.

   ومع أهمية الأفكار التي جاء بها الوردي، فانه لم يتطرق الى التغيّرات البنيوية الجوهرية التي حدثت في العراق، خلال مرحلة التغيّر السريع جدا، أي مرحلة حكم صدام حسين ودخوله في سلسلة من الحروب والحصار، ومن ثم انهيار البنى التحتية وتشوّه البنى الفوقية، ولم يقدم دراسة سوسيولوجية للتغيرات التي حدثت في العلاقات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والثقافية التي شوّهها النظام السابق، وذلك لأسباب سياسية قاهرة جعلته ينسحب بهدوء خوفا ووجلا وينزوي في صومعته ويتوقف عن الكتابة والنشر لأنه كان يخشى سطوة النظام وبطشه. كما أنه لم يمال النظام السابق، فاستقلاليته الفكرية لا تنسجم مع أي نظام شمولي يقوم على الخوف والقمع.

غير ان الوردي أشار، قَبل أكثر من نصف قرن، الى ان التجارب القاسية التي مرت على العراقيين علمتهم دروسا بليغة، فاذا لم يتعظوا بها اصيبوا بتجارب أمرّ وأقسى منها، وربما حلّت بهم الكوارث، ما يقسرهم على تغيير طريقة تفكيرهم وسلوكهم. وعلى العراقيين أن يتعودا على الحياة الديمقراطية وان يمارسوها ممارسة فعلية بحيث تتيح لهم حرية إبداء الرأي والتفاهم والحوار من دون فرض أي رأي بالقوة على الآخر.

فهل وعى العراقيون ما قاله الوردي قبل أكثر من نصف قرن من الزمن وأخذوا الدروس والعبر من المحن والتجارب المريرة الماضية التي مرت عليهم خلال العقود الأخيرة ؟!

*) باحث سوسيولوجي واكاديمي سابق

لتنزيل المقال بصيغة ملف بي دي أف انقر هنا

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: