السياسة النقديةالموازنة العامةملف البنك المركزي العراقي

موفق حسن محمود أضواء على المادة (50) من قانون الموازنة العامة لعام 2015

Download PDF

نشر الدكتور علي مرزا على موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين في 1 شباط 2015 بحثا قيما نافذا عالج فيه التبعات المحتملة لتطبيق المادة (50) من قانون الموازنة العامة لعام 2015 المثيرة للجدل والمتعلقة بفرض سقف مبيعات الدولار اليومية من قبل البنك المركزي  ثم خلص الى جملة مقترحات لمعالجة تلك  التبعات وسأؤجز البحث ليطلع عليه من لم يطلع لانتقل بعد ذلك الى مقترحاته لمعالجة التبعات المحتملة .

   واول ما اشار اليه الدكتور علي هو ان تقييد مبيعات الدولار بمبلغ معين هو امر يتناقض مع مبدأ استقلالية البنك المركزي التي ضمنتها له المادة (2) من قانونه رقم  ( 56)  لسنة 2004  ويتناقض مع مسوؤليته عن ادارة الاحتياطيات من العملات الاجنبية ( المادة 27  من القانون ) الا ان دراسته تتمحوروتتركز  اساسا على التبعات الاقتصادية والمالية والنقدية  فيرى ان تحديد سقف للمبيعات سيطلق اشارة الى عدم التزام السياستين المالية والنقدية بالاستقرار النقدي وبالتالي عدم الحفاظ على مستوى مستقر للاسعار وهي السياسة التي داب البنك المركزي على اتباعها لسنوات طويلة منذ 2003 اذ انها تشكل حجر الزاوية في مهامه . وليس من شك ان من شأن فرض السقف هذا توسع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق للدولار والذي ستكون محصلته تنامي السوق الموازية للعملة  الامر الذي سينتقل حتما الى اسعار المستوردات وبالتالي  موجة تضخمية حادة في الاسعار وسيقتصر مجال استخدام سعر الصرف الرسمي على المعاملات والاسواق الحكومية فيما سيتعامل القطاعان العائلي والخاص بالسعر السائد في السوق الموازي . والنتيجة الحتمية لنظام السعرين هذا هو تقييد قدرة البنك المركزي على إنجاز احد اهم اهدافه  كما سبق القول في ظرف يتميز بمحدودية فعالية ادوات السياسة النقدية  إذ كان اشباع الطلب على العملة الاجنبية هو الوسيلة المعول عليها للحفاظ على استقرار سعر الصرف وبالتالي استقرار الاسعار .

   ويضيف الدكتور علي  ان التقيد بسقف المبيعات سيعطي الفرصة للعديد من المستوردين وبعض الوسطاء الماليين كالمصارف وشركات التحويل المالي  المشترية للدولار للتصرف بهذه المشتريات مقابل مستندات للاستيراد اثبتت الوقائع سهولة اتاحتها اصيلة كانت او  “مفتعلة ” حسب تعبيره وبالتالي اتاحة الفرصة  لأستغلال الحالة وتحقيق ارباح  باعلى من الهامش الذي حدده في حينه البنك المركزي  ، كما انه يذكر بما حصل قي اعقاب انسحاب الجيش الامريكي في اواخر عام 2011 اذ ادت زيادة الطلب على الدولار دون عرض يوازيه الى اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق بلغت اكثر من 8% كما حصل قي نيسان / ابريل 2012 مع العلم انه لم يكن حينئذ ثمة سقف لمبيعات الدولار فكيف سيكون الحال مع السقف .

   ومع كل التداعيات المحتملة  فان الباحث يؤيد ان من غير الممكن اطلاق بيع العملة الاجنبية بدون مراقبة رصيد احتياطيات  هذه العملات  لدى المركزي واحتمال تدهور مستواه ومن ثم تعريض الموقع الاقتصادي

للعراق اي قابليته على الوفاء بالتزاماته الخارجية  للخطر ويقرر ضرورة العمل على تأمين  الحفاظ على

حد ادنى من العملات الاجنبية وتأمين اكبر قدر ممكن من الاستقرار في سعر الصرف وفي اسعار السلع والخدمات .

   اما كيف الوصول الى ذلك فيرى :

(أ‌)   تجنب فرض سقف على  المبيعات مع اعلان المركزي استعداده لاشباع الطلب على الدولار بقدر التزام الطلب بحاجات اساسية يجري تحديدها بمهنية عالية وبشكل دوري حسب الحاجة وعلى ان يراعى في تحديد مبلغ البيع اليومي مستوى رصيد الاحتياط

(ب‌)               مراقبة المصارف المشترية للدولار لتأمين التزامها بتمويل الاستيرادات باشراك الجهات الرقابية المعنية في وزارة التجارة والاجهزة الرقابية الاخرى

(ج)  العناية بتحسين البنية المؤسسية لتوزيع الحصة التموينية

( د) تكوين فرق سياسة اقتصادية تابعة لمجلس الوزراء من خبراء من وزارات المالية والتجارة والتقل والنفط والبنك المركزي تنسق عملها لمراقبةالاسواق وتوجهات الطلب والعرض على السلع والخدمات وعلى الدولار وحالة المخزون من السلع الاساسية وتقترح الحلول الكفوءة لفك الاختناقات ومكافحة الفساد اينما وجد .

 ويرى د.علي أنه إذا اصبح من غير الممكن ملافاة استنزاف الاحتياطي بالرغم من كل محاولات التمويل الاضافي والسياسات المقترحة للترشيد والمراقبة… الخ أي نزوله عند حد حرج لايمكن النزول تحته ، يصبح اللجوء لتخفيض سعر الصرف ، مع اتباع سياسة مالية متشددة أقل ضررا من فرض قيود غير اقتصادية كالسقف على مبيعات الدولار في مزاد العملة ، على سبيل المثال

ويمكن إعتبار ثلاث مداخلات مفصلة مثلت استجابات د.علي لملاحظات أثارها بعض الخبراء الاقتصاديين على دراسته جزءا مكملا لدراسته . ولقد نشرت جميعا في حقول التعليقات الواقعة تحت الدراسة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين . ولقد تعرض فيها د.علي الى جملة من التفاصيل والقضايا الاضافية التي تتعلق بما يدعى مزاد العملة وآلية سعر الصرف وعلاقة تخفيض سعر الصرف بتمويل عجز الميزانية وكذلك المسائل المتعلقة بدستورية فرض سقف على مبيعات  الدولار . كما تناول امكانية تفاعل وتقوية التبعات السلبية التضخمية لفرض السقف على مبيعات المزاد مع ما رشح في الاعلام عن استعداد البنك المركزي لإقراض الحكومة بطريقة غير مباشرة … الخ من القضايا .

ساكتفي بهذا القدر من دراسة الدكتور علي لكي اقول ان الدكتور علي قد شخص تبعات فرض سقف على مبيعات الدولار تشخيصا شاملا وافيا لا مزيد عليه فللسقف آثاره العكسية  على استقرارسعر صرف الدينار ومن ثم صعوبة الحفاظ على مستوى مستقر للاسعار وهي المهمة الرئسيسة للبنك المركزي  فضلا عن تداعيات اخرى  ولعلنا سنشهد ثنائية  إن لم نقل تعددية لاسعار صرف الدينار باسواق موازية للسوق الرسمي .

وما من شك اولا ان ازدواجية اوتعددية اسعار الصرف سيحرم البنك المركزي من اداة هي الاهم من بين ادواته للحفاظ على الاستقرار النقدي في ظل ضعف الادوات التقليدية الاخرى للسياسة النقدية كالاحتياطي القانوني للودائع Legal Reserve Requirement  وعمليات السوق المفتوحة Open Market Operations  وادوات اخرى متاحة للبنوك المركزية في الاسواق المتقدمة لا ظل لها في السوق العراقية.

وما من شك ثانية ان الخشية من استمرار استنزاف رصيد الاحتياطيات من العملات الاجنبية قد حملت اللجنة المالية  لمجلس النواب على اللجوء الى وضع سقف على مبيعات الدولار . ولكن لابد من القول ان التجارب قد  برهنت على ان وضع قيود كمية على اي متغير هو امر غير مجد و لن يقود الا الى فساد واختراقات هنا اوهناك ولعل ابلغ دليل على ما اقول هو برنامج الاستيراد الكمي الذي عمل به في فترات سابقة والفساد الذي رافق إجازات الاستيراد آنئذ .

ولابد لي  ثانية من القول ان من العسير الاحتفاظ برصيد الاحتياطيات من العملات الاجنبية والذهب دون مساس من جهة والحفاظ على الاستقرار النقدي أي استقرار سعر الصرف الدينارمن جهة ثانية اي انه ليس بالامكان تحقيق هدفين متعارضين في آن واحد Conflict of Targets  وعلى صاحب القرار ان يحدد ما يريد فإذا قرر ان الاولوية هي لاستقرار سعر الصرف فعليه ان يتفهم التبعات على رصيد الاحتياطيات من العملات الاجنبية والذهب اما اذا اختار الحفاظ على الاحتياطيات فعليه ان يغض الطرف عن استقرار سعر الصرف والتبعات الناجمة عنه وعليه ان يتحمل  المسؤولية ، اقول هذا لكي لا تتكررمحنة  التهم التي وجهت للبنك المركزي في الامس القريب بأنه اهدر اموال الامة  واحرق البلايين من دولاراتها متناسيا الاستقرار النقدي الذي انجزته السلطة النقدية طوال سنوات ، التهم التي راح ضحيتها نخبة من خيرة مسؤولي البنك المركزي . وإذ اقول هذا فلا اعني ترك الامور على الغارب بل ان  بالامكان وضع ضوابط وحدود هنا وهناك Checks and balances   إذ ليس من المعقول اهمال احد الهدفين لصالح الاخر بل يمكن السعي لتحقيق اكبر قدرممكن من الاستقرار النقدي ومراقبة رصيد الاحتياطيات من العملات الاجنبية لحصر الضرر بادنى ما يمكن واذا تطلب الامر تخفيضا لسعر الدينار بعد كل الجهد لتجنب ذلك  فليكن كما اشار الى ذلك الدكتورعلي مرزا في دراسته القيمة  .

ان تحديد سقف لمبيعات الدولار ب (75)  مليون دولار يوميا يعني بين 19-20 مليار سنويا مقابل معدل سنوي يتراوح حول  (50 ) مليار سنويا كما في عام 2014 اي اعلى قليلا من ثلث المعدل السنوي . ولا شك ان الراي السائد لدى من حدد السقف  ان ما يذهب من نافذة الدولار لاستيرادات القطاع الخاص من السلع والخدمات لا يمثل الا نسبة ضئيلة جدا من اجمالي مبيعات البنك المركزي قد لا يتجاوز مجموعها 10-12 مليار دولار ، وهنا لا يسعني الا ان اتفق مع هذا الرأي واستندت في هذا الى ملاحظاتي الشخصية والى مدولاتي مع عدد من الزملاء المصرفيين للطريقة التي تسير بها الامور في معظم المصارف فيما يتعلق بحوالات الدولار ونوعية ومصداقية  الوثائق التي تقدم الى البنك المركزي بهذا الشأن .

ولغرض إبراز التباين بين الحقيقة والاحصائيات الرسمية وجدت ان من المفيد ان اورد هنا جدولا  بقيمة استيرادات العراق السلعية  ببلايين الدولارات CIF  للسنوات 2011- 2013 مستقاة من النشرات الاحصائية السنوية للبنك المركزي لسنتي 2011 و2013 وهي آخر ما توفر لدينا .

جدول رقم (1)  استيرادات العراق السلعية  CIF  ببلايين الدولارات (2011-2013 )

السنة

اجمالي الواردات السلعية

حكومي وقطاع عام

قطاع خاص

2011

47.8

12.9

34.9

2012

59.0

21.4

37.6

2013

58.8

21.6

37.2

المصدر: النشرة الاحصائية السنوية للبنك المركزي العراقي للسنوات 2011 – 2013

 أعود الى مقترحات الدكتور علي ” لتسوية مناسبة  ” كما دعاها هو في دراسته وساتناولها  فقرة بعد

 اخرى كما جاءت مع إدراكي لمستويات الفساد الوظيفي في اجهزة الدولة عموما الامر الذي قد يقلل من نسبة  نجاح هذه المقترحات الا ان هذا التحفظ ينطبق على اية تشريعات او انظمة او تعليمات تصدرها اجهزة الدولة طالما كان التنفيذ هو بيد البشر  :-

في الفقرة (أ)  يدعوا د.علي  الى تجنب فرض سقف على مبيعات الدولار، لا بل الى اعلان المركزي استعداده لاشباع  الطلب طالما كان هذا مرتبطا  بحاجات  اساسية يجري تحديدها بمهنية عالية  .

لا يسعني هنا الا ان اؤيد ما ذهب اليه د.علي بل ارى ضرورة  العودة الى تعليمات التحويل الخارجي التي يصدرها البنك المركزي وتضع شروطا وضوابط  للاستجابة لطلبات الحوالات المشروعة ولكن بشرط ان تكون هذه العودة لاجل محدد  تنتهي عند زوال مبرراتها  فالعراق في حالة حرب والحفاظ على وحدة البلاد وسلامتها تتقدم على ما سواها.

وفي الفقرة (ب) يدعوا الباحث الى تجنب تخفيض سعر صرف الدينار الا اذا اصبح ذلك امرا لا مفر منه . وإذ اتفق معه على ضرورة تجنب التخفيض الرسمي فأني ارى ان ذلك  سيكون امرا واقعا De-facto   بل ارى ان نقبل تخفيضا مدروسا للدينار وعلى اسس إقتصادية سليمة  يقربه من سعره التعادلي بدلا من ترك الفرصة للمضاربين واصحاب النفوذ للاثراء غير الشرعي بل ارى ان من شأن هذا التخفيض ان يجعل الاستيرادات اعلى كلفة عما كانت عليه على امل ان يؤدي هذا الى تحسين الميزة التنافسية للمنتجات المحلية وان كانت بمستوى جودة ادنى .

تتمحور الفقرة (ج) على مراقبة المصارف المستلمة للدولار والتزامها بتمويل الاستيرادات المبينة في الوثائق ، ولابد لي ان ابين هنا ان المصارف ، بموجب  الاعراف الدولية للاعتمادات المستندية UCP  600،لا تتعامل بالبضائع بل بالمستندات المقدمة كما تبدوا في ظاهرها سليمة ، اما ماذا تحوي الصناديق والحاويات فليست من شأن المصارف في شيء، ولا يجوز تحميلها مسوؤلية التحقق من البضاعة المستوردة فهذه مسؤولية دوائر الكمارك، التي تقع عليها مسؤولية فحص محتويات الصناديق والحاويات ومطابقتها لوصف البضاعة وكمياتها وفقا لمستندات الشحن والقوائم التجارية.

ولما كان من المتعذر محاسبة المصارف عن البضائع التي تغطيها الاعتمادات المستندية وما تحويه الصناديق ، فأني ادعو هنا الى إخضاع البضائع للتفتيش في موانئ  التصدير ومطاراتها في دول المنشأ وهذه ليست بدعة ، والعياذ بالله من البدع  ، فهي ممارسة معروفة وشائعة وهناك العديد من الشركات التي تتولى فحص البضاعة قبل الشحن وتصدر شهادة بمطابقتها  للوصف الظاهر في الاعتماد المستندي وسيترتب هنا على دوائر الكمارك بذل جهود اكبر لمعالجة الثغرات التي ترافق أعمال تدقيق محتويات الصناديق والحاويات ومطابقتها مع مستندات الشحن والقوائم التجارية المرفقة. ولكي يكون المقترح عمليا فلا بد من تحديد حد ادنى لمبلغ الاعتماد الذي يخضع لشرط الفحص فليكن هذا الحد مئة الف دولار او اكثر على سبيل المثال  .

وثمة مسوؤلية اخرى نطلبها وبقوة من المصارف المشتغلة بالاعتمادات المستندية للقطاع الخاص وهي ان تبذل جهدا مسؤولا لفحص مصداقية القائمة الاولية Pro-forma Invoice  اي طبيعة  وكمية  البضاعة المراد استيرادها  ومصداقية المستورد ويمكن ان يتحقق هذا باسلوب “الاقناع  الادبي “الذي يمكن للبنك المركزي ان يمارسه على المصارف  بما لديه من وسائل واساليب يعرفها خبراؤه .

وفي الفقرة ( هاء ) يدعوا د.علي الى تكوين فرق سياسة اقتصادية من خبراء مهنيين وممثلين عن الوزارات المعنية تراقب الاسواق وتوجهات الطلب وحالة المخزون من السلع وهنا سيكون على  الدوائر العناية الفائقة باختيار من يستعصي على الفساد لهذا الغرض وهي مهمة شاقة بدون شك .

ومرة ثانية ارى انه لابد لنا من قبول انخفاض او تخفيض  محسوب لسعر صرف الدينار ولابد من قبول نسبة مقبولة للتضخم من جهة والعمل من جهة ثانية  على تخفيف الاثار السلبية الناجمة عن انخفاض القوة الشرائية لذوي الدخل المحدود والفقراء عامة وهنا اتفق مع الدكتور علي بدعوته في الفقرة (د) الى العناية بتحسين البنية المؤسسية واللوجستية لتوزيع الحصة التموينية وادارتها والقضاء على ما فيها من فساد .

(* ) خبير مصرفي يعمل حالياً كمستشار لمصرف الاقليم التجاري للاستثمار والتمويل

حقوق النشر محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس وأعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر

21 شباط 2014

http://iraqieconomists.net/ar

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: