السياسة النقديةملف البنك المركزي العراقي

حاتم جورج حاتم: إشكاليات قيام الموازنة العامة بتحديد سقف للمبيعات اليومية من العملة الاجنبية _ وجهة نظر اقتصادية

 

  1. 1.   مدخل

في عددها المرقم 4352  والصادر في 16 شباط 2015 نشرت مجلة الوقائع العراقية “قانون الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنة المالية 2015،”[1] بعد ان اقره البرلمان العراقي في جلسته المنعقدة في 29  كانون الثاني 2015.[2] وخلافا لقوانين الموازنات العامة الصادرة ما بعد تغير نظام الحكم في 2003، فان اهتمام قانون الموازنة لسنة 2015 لم يقتصر على القضايا المتعلقة والمرتبطة بايرادات ومصروفات الموازنة وبطرق سد العجز وامور الدين العام، بل تعداها ليشمل مبيعات البنك المركزي العراقي من العملة الأحنبية[3] في السوق المحلي. فلقد نص قانون الموازنة الجديد في مادته الـ 50 على ان “يلتزم البنك المركزي بتحديد مبيعاته من العملة الصعبة ( الدولار (في المزاد اليومي بسقف لا يتجاوز 75 مليون دولار يوميا….وباستخدام الأدوات المصرفية الأخرى للحفاظ على قوة الدينار مقابل الدولار.”[4]

ومما يفهم من المناقشات التي دارت خلال فترة اعداد الميزانية فان الغرض الأساسي من هذه المادة هو السيطرة على استخدام العملة الصعبة للحيلولة دون حدوث عجز في ميزان المدفوعات، أو لتأمين تقلص العجز المتوقع في ميزان المدفوعات الى ادنى حد ممكن، تجنبا للإستدانة من الخارج و/أو تحاشيا للسحب من الإحتياطي أوإستدناء لوتيرة استنزافه.

ان هذه الورقة معنية فقط بالإشكاليات التي يثيرها قيام قانون الموازنة العامة للدولة بفرض سقف على المبيعات اليومية من العملة الأجنبية للبنك المركزي العراقي؛ وهي لا تحاول باي شكل من الأشكال طرح اية اعتراضات على الغرض الأساسي من المادة 50.

  1. 2.   مسؤولية البنك المركزي العراقي عن السياسة النقدية

استنادا الى المادة (110) من دستور حمهورية العراق فان رسم السياسة النقدية واصدار العملة وانشاء البنك المركزي يقع ضمن اختصاصات السلطات الإتحادية الحصرية تماما كما هو حال  بالنسبة لـ رسم السياسة المالية ووضع مشروع الموازنة العامة والإستثمارية.[5] وفي المادة (103)، اعتبر دستور حمهورية العراق البنك المركزي العراقي هيئة مستقلة ماليا واداريا مسؤولة امام مجلس النواب على ان ينظم عملها بقانون.[6]

حدد قانون البنك المركزي  في مادته الرابعة جملة من المهام للبنك اولها “صياغة السياسة النقدية وتنفيذها في العراق، بما في ذلك سياسة الصرف الأجنبي”[7] وتتضمن حزمة مهام البنك المحددة في قانونه مسؤولية “حيازة جميع الاحتياطي الرسمي الأجنبي للعراق وأدارته….. فيما عدا رصيد التشغيل الخاص بالحكومة”.[8] ونص ايضا قانون البنك المركزي العراقي في الفقرة (2) من المادة (2) أن “يتمتع البنك المركزي العراقي بالإستقلال فيما يقوم به من مساعي بغية تحقيق اهدافه وتنفيذ مهامه، ويخضع للمسائلة وفقا لما ينص عليه هذا القانون. ولا يتلقى البنك المركزي العراقي اية تعليمات من أي شخص او جهة بما في ذلك الجهات الحكومية  إلا فيما ورد فيه نص يقضي بغير ذلك في هذا القانون…..ولن يقوم أي شخص أو جهة بالتدخل في نشاط البنك المركزي العراقي.”[9]

  1. 3.    إشكاليات ما نصت عليه المادة (50) لقانون الموازنة العامة لسنة 2015

ان هذه الورقة غير معنية بمناقشة دستورية المادة (50). فهذا الأمر متروك للمحكمة الإتحادية أو أي كيان مؤسسي آخر عائد للسلطة التشريعية او للسلطة القضائية مختص بتدقيق درجة تطابق او تعارض القوانين مع احكام الدستور، نصا وروحا. ان هذه المقالة معنية حصرا بتوضيح مدلولات المادة 50 وتبعاتها على السياسة النقدية وعلى أدوات وآليات إدارة الإقتصاد العراقي من خلال مناقشة المسائل الثلاث التالية:

  • تبعات المادة 50 على السياسة نقدية.
  • بدائل للمادة (50)/أي للأداة النقدية في السياسة المالية لسنة 2015.
  • استقلالية البنك المركزي وإدارة الإقتصاد العراقي

3.1          تبعات المادة 50 على السياسة النقدية

ومن الواضح من الفقرة السابقة ان المادة (50) خرقت الفقرة (2) للمادة (2) من قانون البنك المركزي، اي انها خرقت استقلالية البنك المركزي في اختيار المسارات التي تمكنه من تحقيق اهدافه وتنفيذ مهامه. فلقد قامت هذه المادة بسحب من البنك المركزي احدى الأركان المهمة للسياسة النقدية التي اعتبرها قانونه كاحدى مهامه الأساسية. ان المادة 50 لقانون الموازنة ادخلت معلما جديدا يفرض على البنك المركزي عند نقطة معينة (سقف المبيعات اليومية من الدولار) الإنتقال من سياسة نقدية الى أخرى.  فلقد كانت المحافظة على استقرار سعر صرف السوق للدينار العراقي (بمعنى السماح لسعر الصرف بالتذبذب ضمن حدود ضيقة نسبيا) احدى الأركان الأساسية للسياسة النقدية للبنك المركزي العراقي منذ عام 2010 وحتى صدور قانون الموازنة الجديد.[10] وكان البنك المركزي خلال هذه الفترة يعمل على توفير كميات من العملة الصعبة الى السوق المحلي  تؤمن المحافظة على استقرار سعر صرف السوق (اي تأمين عرض من العملة الصعبة عالي المرونة تجاه  مستوى معين لسعر صرف السوق). ولتحقيق ذلك كان البنك المركزي يقوم من خلال مزاداته الأسبوعية بمقايضة عملة أجنبية/دولار لقاء دينار عراقي. ونظرا لضخامة كميات العملة الصعبة/الدولار المباعة من قبل البنك المركزي اصبح مسار عرض النقد يخضع الى حد كبير الى ضرورات المحافضة على استقرار سعر صرف السوق للدينار العراقي.[11] يستنتج من ذلك ان سياسة المحافظة على استقرار سعر صرف السوق جعلت من سعر الصرف احد المحددات المهمة لعرض النقد كما افضت الى تحييد مهم لأثر الإنفاق الحكومي على عرض النقد.[12]

ان المادة 50 تسمح للبنك المركزي العراقي الإستمرار باتباع السياسة الموضحة في الفقرة السابقة الى ان تصل مبيعاته اليومية من العملة الصعبة الى السقف الذي حددته المادة 50 والبالغ قدره 75 مليون دولار. إلا ان هذه المادة تفرض على البنك المركزي في نفس الوقت التخلي عن هذه السياسة بكل عناصرها الأساسية عند الوصول الى هذا السقف، والإنتقال الى سياسة نقدية جديدة يتمثل احد مرتكزاتها الأساسية بعرض للعملة الأجنبية/الدولار في السوق المحلي غير مرن تجاه سعر صرف السوق بشكل تام تقريبا عند هذا السقف.[13]  بتعبير آخر، فبما ان البنك المركزي في العراق يعد المصدر الأساسي للعملة الأجنبية/الدولار في السوق المحلي فان عرض العملة الأجنبية/الدولار في السوق المحلي  يصبح ثابتا تقريبا عند الكمية المحددة في المادة 50 للمبيعات اليومية من هذه العملة بغض النظر عن سعر صرف السوق. ويعني هذا الأمر في نهاية المطاف ان سعر صرف السوق يصبح عند هذه الكمية معوما ويتحدد بشكل رئيسي وفق تحركات الطلب.[14] ان وصول المبيعات اليومية للدولار الى السقف المحدد لا يؤشر فقط التخلي التام  للسلطات النقدية عن محاولة الحفاظ على استقرار سعر صرف السوق، بل يعلن في الوقت نفسه عن امتناع السلطات النقدية حتى عن محاولة التأثير على حركة سعر الصرف هذا وترك تحديده كليا لتأثيرات الطلب. ومن الواضح ان سعر صرف السوق للدينار العراقي يصبح حينئذ عرضة للتذبذب، ولربما بشكل حاد في بعض الأحيان، تبعا لتغيرات الطلب. ومن المهم التأكيد ان التخلي عن سياسة استقرار سعر الصرف يحول دون تمكن المعتمدين على السلع المستوردة وبشكل خاص في الإنشطة الإنتاجية والإستثمارية من اجراء حسابات اقتصادية مستندة إلى تقديرات موثوقة للعوائد والكلف مما يفاقم من درجة اللايقين ويعزز من سطوة الإرباك على القرارات الإقتصادية.

ان للمادة 50 مدلولات مهمة اخرى على السياسة النقدية. ان توقف البنك المركزي عن بيع العملة الأجنبية/الدولار عند السقف المحدد يؤشر ايضا تحول البنك المركزي نحو سياسة نقدية جديدة لا دور فيها لسعر الصرف في تحديد مسار العرض النقدي. ان توقف البنك المركزي عن بيع المزيد من العملة الصعبة عند سقف المبيعات المحدد لا يعني فقط انفكاك إرتباط عرض النقد بسعر الصرف، بل يفرض في ذات الوقت على البنك المركزي  التوقف عن توظيف عمليات السوق المفتوح في العملة الأجنبية (اي بيع وشراء العملة الأجنبية في السوق المحلي من خلال نافذة المزاد او نوافذ اخرى) للتأثير عل مسار العرض النقدي، على الرغم من الكفاءة العالية لهذه العمليات في تغيير مسار عرض النقد بسرعة ومرونة؛ كما ويجد البنك المركزي نفسه ايضا مطالبا باللجوء الى ادوات أخرى بديلة تمكنه من تغيير العرض النقدي بنفس السرعة والمرونة سواء كان الغرض من وراء هذا التغيير  تحييد أثر الإنفاق الحكومي على العرض النقدي أو أي غرض آخر يرتئيه ضروريا لأداء مهامه وإنجاز اهدافه (على سبيل المثال بما يخدم سياسته تجاه الإئتمان واسعار الفائدة). ولكن باعتقاد معد هذه الورقة ان الأدوات الأخرى المتاحة للبنك المركزي التي تضمن تغيير عرض النقد بمرونة عالية واستجابة سريعة لا تزال محدودة.[15] ويشكل هذا الوضع احد التحديات الهامة والجدية التي تواجه البنك المركزي عند تنفيذ اي سياسة نقدية تستبعد عمليات السوق المفتوح في العملة الصعبة من قائمة ادواتها.

يتضح مما سبق ان الموازنة العامة فرضت على البنك المركزي من خلال المادة 50 ان يتبع بشكل متتالي سياستين نقديتين مختلفتين تركز الأولى على استقرار سعر الصرف بينما يتعوم سعر الصرف وفق الثانية؛ ويتم الإنتقال من الأولى الى الثانية عند الوصول الى سقف مبيعات للدولار قدره 75 مليون دولار.

واستنادا الى استقراء البيانات التاريخية، فان طلب السوق المحلي اليومي على الدولار في سنة 2015 سيتجاوز على الأرجح السقف الذي حددته المادة 50، وذلك ان لم ينخفض الإنفاق الفعلي للموازنة العامة عن التخصيصات بنسبة معتبرة.[16] وان لم يحدث مثل هذا الهبوط في الإنفاق الفعلي فان البنك المركزي سيجد نفسه مضطرا على اتباع السياسة النقدية الجديدة. فلقد بلغ المعدل اليومي لمبيعات البنك المركزي من الدولار الأمريكي في السنتين 2012 و2103 (133.3) و(145.8) مليون دولار على التوالي اي ما يقابل (1.78) و(1.94) ضعف السقف المحدد من قبل المادة (50) على التوالي في الوقت الذي بلغ فيه الإنفاق الحكومي الفعلي للسنتين 2012 و2013 (105139.6) مليار دينار في سنة 2012 و(106873.0) مليار دينار في سنة  2013   (الجدول رقم 1) أي ما نسبته (88.0%) و(89.5%) على التوالي من اجمالي تخصيصات الإنفاق لسنة 2015 والبالغ قدرها (119462.4) مليار دينار.[17]

3.2          بدائل للمادة (50)/أي للأداة النقدية في السياسة المالية لسنة 2015.

مما لا شك فيه ان الوضع الإقتصادي الذي فرضه التدهور الحاد في سعر النفط في الأسواق العالمية  وما يرتبط به من هبوط  في الإيرادات النفطية وحصيلة البلد من العملة الصعبة يستوجب اتباع سياسات واتخاذ اجراءات من شأنها تخفيض تدفق العملة الصعبة الى الخارج. وفي ظل الظروف الإقتصادية الراهنة للعراق فان سلامة هذا المبدأ لا غبار عليها كما ان اهميته لا اختلاف عليها. ولكن الذي يثير التساؤل هو اختيار الموازنة العامة للدولة تحديد سقف لمتغير (مبيعات العملة الصعبة) يقع خارج المجال الطبيعي للسياسة المالية اولا، ولا يقع ضمن اختصاصات وزارة المالية ثانيا؛ وتجنب وضع سقوف لمتغيرات تنتمي الى المجال الحيوي للسياسة المالية وواقعة ضمن نطاق عمل وزارة المالية لتحقيق نفس الغرض. أن المادة 50 هي بمثابة زرع أداة نقدية في السياسة المالية.

الجدول رقم (1)

مبيعات البنك المركزي من العملة الأجنبية، الإستيرادات الحكومية و المجموع العام لنفقات الموازنة العامة للدولة  للسنتين 2012 و2013

السنة*

المجموع العام للنفقات الفعلية للموازنة العامة للدولة

الاستيرادات الحكومية

 (سيف)

مبيعات البنك المركزي من
العملة الاجنبية في المزاد

المبيعات اليومية للبنك المركزي من
العملة الاجنبية في المزاد

مليون دينار

مليون دولار

مليون دولار امريكي

مليون دولار امريكي

2003

1982548

6525.80

293

0.80

2004

32117491

12405.70

6008

16.46

2005

26375175

16295.20

10463

28.67

2006

38806679

11175

30.62

2007

39031232

15980

43.78

2008

59403375

25869

70.87

2009

52567025

11935.40

33992

93.13

2010

70134201

11241.50

36171

99.10

2011

78757665

12925.50

39798

109.04

2012

105139576

21431.30

48649

133.28

2013

106873027

21556.20

53231

145.84

* البنك المركزي العراقي. “النشرة الاحصائية السنوية” للسنوات2003- 2013 متوفرة على الموقع الألكترونيhttp://www.cbi.iq/index.php?pid=Statistics&lang=ar

ان قانون الموازنة العامة لسنة 2015 فرض من خلال المادة 50 قيدا على المؤسسة المسؤولة عن رسم وتنفيذ السياسة النقدية للبلد (البنك المركزي) ولم يفرض قيدا مشابها على الموازنة ذاتها او على المؤسسة المسؤولة عن السياسة المالية وعن اعداد الموازنة ومتابعة تنفيذها (وزارة المالية). من المتفق عليه انه بالإمكان تخفيض استخدام العملة الصعبة من خلال التحكم بما يعرض منها في السوق المحلي (وهذا ما تحاوله المادة 50).  ولكن من المتفق عليه ايضا انه بالإمكان تحقيق ذلك من خلال التأثير على جانب الطلب على هذه العملة.  ان الإنفاق الحكومي  في الإقتصاد العراقي يعد المسؤول الأكبر عن تحديد الطلب المحلي الكلي على السلع المعروضة في السوق المحلي، المنتج منها محليا والمستورد.[18] هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى فان جزءا مهما من الإنفاق الحكومي هو بالأساس طلب على سلع مستوردة، يتم إشباع جزء منه من خلال الإستيراد المباشر لإجهزة الدولة (والذي يفترض ان تمويله يتم بشكل مباشر من صندوق تنمية العراق)؛ ويجري اشباع الجزء الآخر بشكل غير مباشر من السوق المحلي (اي من خلال استيرادات القطاع الخاص والتي يفترض بانه يتم تمويل جلها او كلها من قبل البنك المركزي بواسطة نافذة بيع العملية الجنبية اي مزاد العملة) وبناء على ذلك فان الموازنة قادرة على التأثير وبشكل فعال على جانب الطلب على العملة الصعبة من خلال التحكم بالإنفاق الحكومي و/او بمكوناته السلعية. استنادا الى  هذا الإطار التحليلي، فان التخفيض الفعلي للإنفاق الحكومي سيقود حتما الى تخفيض الطلب الكلي على السلع والخدمات المختلفة، المستوردة منها والمنتجة محليا، وبالتالي الى تقليص الإحتياجات الى العملة الصعبة للأغراض الإستيرادية. كما وتستطيع الموازنة من التأثير على الطلب الإستيرادي وبالتالي على الطلب على العملة الصعبة للأغراض الإستيرادية بشكل مباشر من خلال وضع سقوف واطئة نسبيا للمستلزمات السلعية بشكل عام والمستورد منها بشكل خاص والعمل على تأمين الإلتزام بهذه السقوف من خلال احكام الإجراءات والضوابط الترشيدية المستدنية للهدر والتبذير.

كان بإمكان الموازنة العامة لسنة 2015 المساهمة بشكل فعال في تحجيم الطلب على العملة الصعبة من  خلال ادواتها الذاتية التقليدية العائدة الى المجال الحيوي للسياسة المالية، ودون الحاجة الى الإمتداد او القفز الى المجال الطبيعي للسياسة النقدية وسحب أو تعطيل لإي من أدوات هذه السياسة والتي يعتمدها  البنك المركزي في أداء مهامه وتحقيق اهدافه. فبالإستناد الى البيانات التاريخية فأنه من المستبعد ان تقترن تخصيصات النفقات لموازنة 2015، والبالغ قدرها (119462.4) مليار دينار، بتخفيض للطلب على العملة الصعبة دون السقف المحدد في المادة  50  لمبيعات البنك المركزي اليومية من هذه العملة. فعلى الرغم من ادعاءات التقشف، فان تخصيصات النفقات لموازنة 2015 لا تزال أعلى من الإنفاق الفعلي لسنة 2013 بـ (11.8%) والإنفاق الفعلي لسنة 2012 بـ (13.6%). إلا ان ما تناقلته وتتناقله وسائل اعلام[19] ووثقته تقارير دولية[20] عن الفساد والهدر والتبذير في القطاع الحكومي/الإدارة العامة تدعو الى الإعتقاد انه كان بالإمكان الضغط بدرجة اكبر على التخصيصات الإنفاقية لموازنة 2015  دون الإخلال بالأهداف المرغوبة لمخرجات الإنفاق الحكومي كما ونوعا وذلك من خلال تحسين الإجراءات والضوابط المرسخة للترشيد واللاجمة للهدر في الإنفاق. كما كان باستطاعة الموازنة ان تحدد تخصيصات ادنى لمستلزماتها السلعية والتي تتحول نسبة مهمة منها الى مشتريات لسلع يستوردها القطاع التجاري الوطني وبالتالي الى طلب على العملة الصعبة. وكان من الممكن ايضا ان تضع الموازنة سقفا للإستيرادات المباشرة للقطاع الحكومي يقل بنسبة معتبرة عن مستواها في سنة  2013  والبالغ  (21.6) مليار دولار اي ما يعادل متوسط يومي قدره (59.1) مليون دولار.

إذا اقرينا بان قوانين العرض والطلب هي قوانين موضوعية، فانه من غير الممكن حل مشكلة تقييد المعروض من العملة الصعبة قياسا بالطلب عليها دون تعريض سعر صرف الدينار في السوق المحلي لتدهور كبير، سواء ان تم هذا التقييد من خلال تحديد سقف لمبيعات البنك المركزي اليومية أو من خلال تحديد نظام آخر لتقنين العرض من العملة الصعبة، وسواء ان قامت بهذا التحديد وزارة المالية أو ان تحمل مسؤوليته البنك المركزي العراقي. ان التصدي لهذه المسألة  بشكل متكامل يتطلب مراجعة جميع فقرات ميزان المدفوعات؛ وان يتم في ضوء ذلك اعداد موازنة للعملة الأجنبية مبنية عل توقعات واقعية لمصادر العرض وتقديرات رصينة وموثوقة لتخصيصات الإستخدامات موزعة/مفصلة وفق فقرات ميزان المدفوعات مبنية على الإلتزام بتلبية الأساسيات والضروريات وتأجيل الإستجابة لغير ذلك قدر الإمكان واختيار حزمة متسقة من السياسات  والإجراءات المناسبة (وعلى وجه الخصوص المالية والنقدية) التي تدفع باتجاه عدم تجاوز التخصيصات لكل فقرة.

    3.3 استقلالية البنك المركزي وإدارة الإقتصاد العراقي

تعتمد كل من السياسة النقدية والسياسة المالية اطار عمل يختلف عن الآخر بالمتغيرات التي يعنى بها  وبالأدوات التي يوظفها لتحقيق نفس الأهداف الإقتصادية الوطنية. توظف السياسة المالية الإنفاق الحكومي والإيرادات الحكومية بما فيها النظم الضريبية للتأثير على النشاط الإقتصادي بما يساهم في تحقيق الأهداف الإقتصادية الوطنية. وتوظف السياسة النقدية العرض النقدي وتدفقات العملة الصعبة واسعار الفائدة واسعار الصرف  للتأثير على النشاط الإقتصادي بما يساعد على تحقيق الأهداف الوطنية ذاتها. ولكل من هاتين السياستين بناء مؤسسي خاص بها ( وزارة المالية بالنسبة للسياسة المالية والبنك المركزي بالنسبة للسياسة النقدية) يتولى رسم السياسة وتنفيذها ومتابعة وتقييم نتائجها، تتراكم فيه الذاكرة المؤسسية وتتطور فيه الخبرات المهنية. إن الإستقلالية لكل منهما امر ضروري لضمان قيام كل منهما بتوظيف المعرفة المؤسسية والخبرات المهنية لصياغة السياسات المناسبة لمعالجة المشاكل وتحقيق الأهداف وفق قراءة وتحليل للواقع مستقل ومنسجم مع اطاره المفاهيمي والتحليلي والأدوات المتاحة له في مجاله. إلآ إن الإستقلال لا يعني باية حال من الأحوال إلغاء التنسيق والتعاون والإتفاق على تقسيم العمل وبما يؤمن صياغة سياسات نقدية ومالية فعالة ومناسبة تركز كل واحدة منهما على جوانب المشكلة التي تحظى ادواتها بميزة نسبية في التصدي لها ومعالجتها، وبما يضمن اسناد الواحدة للأخرى وذلك للتوصل في نهاية المطاف الى حزمة من السياسات متكاملة ومتعاضدة. ان المادة 50 خرقت استقلالية البنك المركزي وأخضعت سياسته النقدية لمصلحة التهاون في الإلتزام باجراءات وضوابط كفيلة بتضييق مساحة الفساد والهدر في قطاع الإدارة العامة للدولة الى الحدود الدنيا، وحدّت من حريته في التحكم في سياسته النقدية ودفعها بالإتجاه الذي يسمح له باداء مهامه بفعالية وكفاءة.

تعتمد الكثير من الدول في إدارة اقتصادها على لجنة اقتصادية عليا[21] يكون كل من البنك المركزي ووزارة المالية من اعضاءها الأساسيين. ومن المهام الأساسية لهذه اللجنة اقرار حزمة سياسات متسقة ومتعاضدة تؤمن تحقق الأهداف وفق الآفاق الزمنية المحددة بأقل قدر ممكن من الإختلالات والإختناقات. وضمن هذا الإطار التنظيمي فانه من الخطأ جدا ان يفهم من مبدأ استقلالية البنك المركزي بانه لا يعني اكثر من الإمتناع عن الإقراض. ان الإمتناع عن إقراض الموازنة العامة مبدأ  اخذت الأصوات المهنية المهمة والمؤثرة  عالميا تتعالى بشدة ضده بالرغم من الدعم والترويج الذي يحظى به من قبل مؤسسات اجماع واشنطن (مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي). ان استقلالية البنك المركزي يجب ان تفهم اولا وآخرا بانها تعبر عن المبدأ القاضي بامتناع البنك عن القبول بفرض سياسات أو اجراءات نقدية عليه وعن المطالبة بضرورة اعتباره قطبا مستقلا في اي من الكيانات المؤسسية  المسؤولة عن ادارة الإقتصاد الوطني  وعن اقرار حزمة السياسات المتكاملة  التي توصله الى الأهداف الإقتصادية الوطنية المقرة دون تأخير غير مبرر وبادنى قدر ممكن من الإختناقات والتي تسمح له التصدي للأزمات الطارئة بفعالية ومرونة.

(*) باحث وكاتب إقتصادي عراقي

(**) يرغب معد هذه الورقة الإعراب عن عميق امتنانه لهيئة تحرير شبكة الإقتصاديين العراقيين ولكل من الدكتور نبيل النواب والدكتور كامل مهدي على الملاحظات التي تفضلوا بها على مسودة هذه الورقة، كما ويود في ذات الوقت التأكيد على كامل مسؤوليته عن كل ما تتضمنه الورقة في صيغتها الحالية من نواقص وأخطاء

حقوق النشر محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. عمان 11/6/2015

http://iraqieconomists.net/ar/

الهوامش


[1]  السلطة القضائية الإتحادية لجمهورية العراق. “قانون الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنة المالية 2015،” الوقائع العراقية العدد 4352، 29 ربيع الثاني/16 شباط 2015م، ص31

[2]  Arabic. News. “البرلمان العراقي يقر الموازنة العامة بقيمة 99 مليار دولار لعام 2015 ” 30-01 -2015 | متوفرة على الموقع الألكتروني

http://arabic.news.cn/economy/2015-01/30/c_133957165.htm

[3] استخدمت المادة 50 للموازنة العامة مصطلح “العملة الصعبة”، كما وتستخدم النشرة الإحصائية للبنك المركزي العراقي في جداولها مصطلح “العملة الأجنبية”  للدلالة على نفس المتغير. ويبدو ان هاتين الوثيقتين الرسميتين تستخدمان هذان المصطلحان كمترادفين. وعلى الرغم من ان مفهوم العملة الأجنبية هو اوسع من مفهوم العملة الصعبة إلا انهما سيستخدمان في هذه الورقة ايضا كمترادفين تماما مثلما تتعامل معهما الوثائق الرسمية المشار اليها.

[4]  السلطة القضائية الإتحادية لجمهورية العراق. “قانون الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنة المالية 2015،” مصدر سابق، ص31.

[5]  دستور جمهورية العراق الوقائع العراقية | رقم العدد:4012 | تاريخ:28/12/، 2005 ، ص 15

[6]  دستور جمهورية العراق الوقائع العراقية | رقم العدد:4012 | تاريخ:28/12/، 2005 ، ص 14-15

متوفر على الموقع الإلكتروني http://www.iraqld.iq/LoadLawBook.aspx?SP=FREE&SC=290320063592085&Year=2005&PageNum=1

[7]. السلطة القضائية الإتحادية لجمهورية العراق “قانون الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنة المالية 2015،” الوقائع العراقية العدد 4352، 29 ربيع الثاني/16 شباط 2015م، ص 9

[8]  المصدر السابق، ص 9.

[9]  المصدر السابق، ص 9.

[10]  حاتم، حاتم جورج. “السياسة النقدية في العراق: أهدافها، معالمها الأساسية وآليات اشتغالها، ودورها الفعلي في حركة الإقتصاد العراقي,” شبكة الإقتصاديين العراقيين، 27 نيسان 215, ص10-11. متوفرة على الموقع الألكتروني التالي

http://iraqieconomists.net/ar/2015/04/27/

[11]  المصدر السابق، ص 15.

 المصدر السابق، ص 14-17[12]

[13]  وذلك لأن البنك المركزي يعتبر المجهز/المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية في السوق المحلي. ولو كان هذا البنك المصدر الوحيد لأصبع عرض النقد الأجنبي غير مرن بشكل كامل تجاه سعر الصرف,

[14]  وفق التحليل اعلاه فان منحنى عرض الدولار في السوق المحلي يتخذ شكل مقارب لحرف  L  معكوسة تقع نقطة التحول فيه عند كمية عرض يومي قدرها  75 مليون دولار.

[15]  حاتم، حاتم جورج. “السياسة النقدية في العراق: أهدافها، معالمها الأساسية وآليات اشتغالها، ودورها الفعلي في حركة الإقتصاد العراقي،” مصدر سابق، ص 24.

[16] اشار مؤخرا السيد رئيس الوزراء  ، الدكتور حيدر العبادي، في مقابلة تلفزيونية له بان الدولة تصرف حاليا نصف الموازنة المقرة  فقط.

صوت العراق، ” العبادي: لا أموال لدينا ولا سلاح.. وملتزمون بالاتفاق النفطي مع كوردستان 100% .” صوت العراق، 31 ايار 2015. الخبر متوفر على الموقع الألكتروني

http://www.sotaliraq.com/mobile-news.php?id=203794#axzz3bnmPyhmt

[17]  السلطة القضائية الإتحادية لجمهورية العراق. “قانون الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنة المالية 2015″، مصدر سابق، ص 3.

[18] راجع على سبيل المثال لا الحصر:  حاتم، حاتم جورج.  “دور سعر الصرف في تحديد المستوى العام للاسعار وإشكالية السياسة النقدية في العراق،” بحوث إقتصادية عربية، السنة التاسعة عشر، العددان 59-60، صيف-خريف 2013 ، ص 95.

[19]  راجع على سبيل المثال لا الحصر: عيدان، قيس. “رائحة فسـاد وهــدر بالمال العام! .. الأثاث في الدوائر الحكومية ورغبات المسؤولين” جريدة المدى،العدد(3350) – الاربعاء 2015/04/2. متوفرة على الموقع الألكتروني

http://www.almadapaper.net/ar/news/486808/

[20]راجع على سبيل المثال لا الحصر

Pring, Coralie. “Iraq: Overview of corruption and anti-corruption,” Transparency International,  20 March 2015,accessible at http://www.transparency.org/files/content/corruptionqas/Country_profile_Iraq_2015.pdf

[21]  توجد في مجلس الوزراء لجنة اقتصادية وزارية برئاسة نائب رئيس الوزراء روز شاويشس وتظم العديد من الوزارات بجانب البنك المركزي ووزارة المالية. للاسف لاتتوفر أي معلومات رسمية منشورة على موقع الامانة العامة لمجلس الوزراء عن نشاط واجتماعات هذه اللجنة وانما معلومات شخصية فقط.

لتنزيل نسخة سهلة الطباعة كملف بي دي أف انقر هنا

Comments (1)

  1. Avatar
    محمد سعيد العضب:

    دراسه قيمه لايسعني ان ادخل في متون ابعادها ,حيث انني ليس متخصص في شوؤن المال والنقد . مع ذلك انتاببتي حيره في كيفيه توصل المشرع الي تحديد مبلغ 75مليون وليس 70 او 80 مليون دولار اوغيرها من الارقام , كسقف مبيعات العمله الاجنبيه من قبل البنك المركزي وبموجب الماده 50 من قانون الموازنه العامه لعا 2015.
    هل اختير هذا الرقم بموجب دراسات وتحليلات احصائيه لحركه عرض وطلب العمله الاجنبيه خلال سنوات ماضيه او دراسات اسقاطات او تنبؤات مستقبيليه ؟ام انه رقم عشوائي اختير وعلي نمط ساد في انظمه التدخل الحكومي لاشباع رغبات ومصالح بعض النخب في موقع القرار او لاثبات ذاتها في المعرفه والتمكن من حل الصعاب … ومن دون البحث الدقيق عن ابعاده , والتي حاول باحثنا المتمكن القاء بعض الجوانب حولها وشكرا

اترك رداً على غير معروف إلغاء الرد

%d مدونون معجبون بهذه: