النفط والغاز والطاقة

أ.د.محمود محمد داغر: النفط بعيداً عن الجيوبولتك

بعيداً عن الجيوبولتك وتحليلاته المؤيدة أو المهاجمة حسب رؤى مستخدميه ، فإن تحليل السوق النفطي من خلال مستويات الاسعار والانتاج والاحتياطيات والاستراتيجيات المتقابلة التي يستخدمها الاقتصاديون في تحليل احتكار القلة Oligopoly، تعد مدخلاً علمياً وواقعياً لاستكشاف وتحليل مايجري الان وما ستؤول اليه الامور .
لاشك ان دخول النفط الصخري وبعض البدائل الاخرى بقوة الى السوق النفطي ( 4 م ب ي) كان كافياً لارتفاع مرونة الطلب على نفط اوبك وتقليل قوته الاحتكارية المفترضة ، ولاأدَل على ذلك من انخفاض حصته السوقية الى ما يقارب ((%30 من اجمالي الطلب العالمي الذي يصل الى مايقارب (93م ب ي) حيث ان اوبك بقيت ولمدة طويلة تساهم (30-29م ب ي ) .
إن إ رخاء منحنى الطلب لنفط اوبك تحقق بقوة بسبب أن اكبر دولة مستهلكة للنفط ( الولايات المتحدة ) هي مصدر غالبية أنتاج الصخري ، وقد تمكنت من زيادة حصتها تدريجياً بفعل ارتفاع الأسعار خلال السنوات السابقة ، مما اتاح لتقنية التكسير والانتاج النفطي الافقي ذات التكلفة المرتفعة ان تتوسع ( انظر الشكل البياني للسنوات قبل 2015) .
أذن استراتيجية منتجو النفط الصخري المتمثلة بقضم الحصص السوقية مستغلة ارتفاع الأسعار للسنوات قبل الربع الاخير من عام 2014 ، لم تقابلها ستراتيجية الحفاظ على الحصة السوقية من قبل اوبك وبعض الدول المنتجة الكبرى مثل روسيا ،التي لاتعرف عن السوق سوى التصدير بأكبر ما يمكن وزيادة الايرادات متناسية ان الايراد الكلي هو حاصل ضرب السعر بالكمية وليس احدهما .والمتابعة البيانية والجدولية لصادراتها تثبت ذلك بدلالة تأثر اقتصادها الغني بالموارد بأي صدمة قادمة من سوق الطاقة وكأن حالها لايختلف عن اقتصاديات الصدمات والريع .
إن يقظة أوبك المتأخرة مطلع 2015 بستراتيجية الحفاظ على الحصة كان لها ما يبررها في هذا النمط الجديد من الازمة ومنذ عقد الثمانيات من القرن الماضي :-
– أن حصة اوبك ما يقارب ( (%30وبالتالي لاتمثل قوة قادرة على التأثير في الاسعارلوحدها بفاعلية عند خفض الانتاج ، بعد الارتفاع في مرونة الطلب على نفطها .
– لايمكن الطلب من اوبك خفض حصتها والانتقال الى ستراتيجية التأثيربالسعرعبر التخلي عن الحصة، في سوق يشهد تنامي ضخ البدائل حتى نهاية (2014) .
– أن دخول النفط البديل بهذه القوة كان ايذاناً بالانتقال من التفاهمات غير المعلنة بين اوبــك وخارجهـــا (Collusive) في سوق النفط الاحتكاري، الى حالة اللاتفاهم No collusive)) وحدوث هذه التداعيات في الاسعار .
أذن نحن ازاء منتج نفطي يمتلك ما يقارب ثلث حصة السوق وما يقارب اكثر من ثلثي الاحتياطي العالمي، فضلاً عن طاقات انتاجية عالية محتملة عليه تحمل وزر انخفاض الاسعار لوحده. بالمقابل هنالك طرف سبب الازمة ويرتكز على القضم عبر السعر المرتفع وتغطية التكلفة ، بل والاكثر استغلاله حاجة بعض المنتجين الكبار الى ايرادات كبيرة ودائماً ،للانفاق اللامنضبط متناسين تقلب ونفاذية مورد النفط . لذلك يعد تميز السوق النفطي بنمط الارتباط وردود الافعال بين المنتجين، اخذة مداها بوضوح موصلة الى حرب اسعار .
ولابديل فعال عبر ستراتيجية خفض انتاج اوبك، لان ارتفاع السعر المحتمل وقتياً نتيجة هذا القرار قد يقلل من انسحابات وزوال منتجي النفط الصخري المستمر خلال 2015( كما في الشكل) وبالتالي التخلي عن حصة سوقية مقابل استمرار توسع الاخرين .
ان الحفاظ على الحصةهي الاستراتيجية المتاحة، تساندها ادخارات وصناديق تغطي انخفاض الايراد بانتظار :
– تدني كبير في عرض النفط البديل .
– تفاهمات سواء معلنة او غير معلنة لتهدئة السوق .
يثار تساؤل من قبل المتعكزين على الجيوبولتك لوحده في التحليل، لماذا لم ينخفض العرض وترتفع الاسعار في وقت يمارس الجميع زيادة الضخ وتقديم الخصومات ؟
الاجابة تكمن بالتحليل الاقتصادي السابق ،ومضمونه ان المتسبب في الازمة هي شركات انتاج النفط الصخري، تستغل اقتصاديات الانتاج في الامد القصير وارتفاع التكلفة الثابتة في الانتاج النفطي التي تحول دون سرعة الاغلاق، في الاستمرار بالانتاج مع هذا المستوى المنخفض من الاسعار إذ لاشك أن هنالك :-
– توقف كامل للمشاريع الجديدة لانتاج النفط الصخري .
– انخفاض كبير في اسهم المشروعات القائمة وضعف معنوي في التمويل للتوسعات الجديدة.وتؤكد التقارير حدوث انخفاض فعلي في الاستثمار بالنفط والغاز عالميا عام 2015 بمقدار 22% لتصل الى 595 مليار دولار فقط ويتوقع لها الانخفاض الى 522 مليار عام 2016.
– الانسحاب التدريجي عند الوصول دون التكلفة الحدية للمنتجين الصغار ،فضلاًعن أن انخفاض ابراج الحفر اسبوعياً كما يعلن عنه دليل على ذلك .
– كما ان الارتفاع الكبير في سعر صرف الدولار ازاء العملات الاخرى يؤثر بخفض سعر البرميل المقوم بالدولار.وفي تقرير حديث لمورغان ستانلي يشير بان ارتفاع الدولار 5% يدفع سعر البرميل مابين 10%-25%، اي بما يقارب 8 دولار.
– كذلك يعد تباطؤ الاقتصاد الصيني المستورد المهم لنفط الاوبك وانخفاض عملته تؤثر في اطالة امد تدني الاسعار.
– وهنالك بحث علمي يشير الى ان التخمةGlut في المعروض كانت مسؤلة عن خفض سعر البرميل الى اقل من 60 دولار وعزز ارتفاع الدولار هذا التدني .
مما يتطلب الانتظار لمدة اطول وتحمل أثار خلل سياسة الاعتماد على مورد ريعي ناضب ومتقلب ، وأثار ضياع فرص تلو اخرى لبناء وتنويع اقتصاد حقيقي، بعيداً عن المشاريع السياسية التي اضعفت الكثيرين .
Graph Shale oil production in USA
(*) استاذ علم الاقتصاد في جامعة بغداد
حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. 12 كانون الثاني 2016

Comments (1)

  1. Avatar

    موضوع جوهري حيث فعلاً يتوجب علينا ايجاد بدائل أخرى مستقرة في ظل انخفاض اسعار النفط
    تحياتي لكم أستاذنا الفاضل

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: