احداث وتقارير اقتصاديةالرئيسية

شبكة الاقتصاديين العراقيين تنعي رحيل الاقتصادي العراقي وخبير النفط الدولي الدكتور فاضل الجلبي

قبل بضعة ايام فقدنا أحد العقول الاقتصادية النيرة والذي افتخر العراق به كخبير نفطي دولي بعد معاناة طويلة من المرض. نعزي أنفسنا ونعزي عائلته ومحبيه بهذا المصاب الجلل ونسأل الباري عزّ وجل ان يتغمده بواسع رحمته ويدخله فسيح جناته ويلهم ذويه بالصبر والسلوان.

يعد الدكتور فاضل الجلبي من الرعيل الثاني في بناء الدولة العراقية، فهو من مواليد عام 1929 في مدينة الكاظمية ونشأ في احضان عائلة شيعية متفتحة تنحدر من الطبقة الوسطى المتعلمة، والتي كانت وبالرغم من تهميشها الاقتصادي والسياسي الحاملة الاجتماعية لمشروع الحداثة في العراق. أكمل دراسته الثانوية في الاعدادية المركزية، الفرع العلمي. وفي عام 1947 انتسب الى كلية الحقوق في بغداد لدراسة القانون والاقتصاد في القسم المسائي، حيث كان يعمل في النهار كموظف صغير في وزارة الاقتصاد لضمان لقمة العيش. وخلال هذه الفترة كان مثابراً على تعلم اللغتين الفرنسية والانكليزية بجانب اهتماماته الثقافية بالشعر والموسيقى وتعلُمْ العزف على آلة الجلو في معهد الفنون الجميلة. وبعد تخرجه من كلية الحقوق في عام 1951 ترفع في وظيفته في وزارة الاقتصاد ثم سافر في عام 1956 للدراسة الى فرنسا، حيث حصل على التأهيل لدراسة الدكتوراه في الاقتصاد في عام 1958، لكنه قرر التوقف عن اكمال الدراسة والعودة الى العراق للمساهمة في بناء الجمهورية الفتية التي انبثقت عن ثورة 14 تموز 1958.

كان مندفعاً لبناء العراق وعمل مجدداً في وزارة الاقتصاد وساهم في ابرام اتفاقيات دولية عديدة للتعاون الاقتصادي. وفي عام 1960 عاد مجدداً الى باريس لإكمال دراسته، وحصل على شهادة الدكتوراه في عام 1962 متخصصاً في اقتصاديات النفط العراقي. ثم عاد في 2 شباط 1963 مجددا الى العراق لمواصلة عطائه للوطن. وبعد ايام قليلة من وصوله الى بغداد، حدث انقلاب شباط1963  واعتقل في الامن العامة ثم في سجن بغداد رقم واحد، لكونه كان محسوباً على التقدميين اليسارين. وبالرغم من إطلاق سراحه بعد توسط شخصيات مؤثرة بقي مجمداً في وظيفته آنذاك في وزارة الاقتصاد، مما حدا به للبحث عن فرصة عمل. اتصل بمنظمة الامم المتحدة للتجارة والتنمية التي عينته، ومن دون تأخير أو تردد، وبعد الاطلاع على تحصيله العلمي كخبير اقتصادي في مقرها في جنيف. ويذكر الدكتور فاضل الجلبي في الحلقة الثالثة من سيرة حياته المسجلة من قبل قناة الشرقية والموثقة على موقع يوتيوب انه استلم في عام1968  رسالة من عبد اللطيف الشواف يعرض عليه العودة الى بغداد لإشغال منصب المدير العام لشؤون النفط في وزارة النفط. وبعد بعض التردد، اتخذ القرار لصالح الوطن والقبول بالعرض بالرغم من كون الراتب الجديد لم يزد عن ربع راتبه القديم.

بدأ عمله في وزارة النفط كمدير عام قبيل انقلابي 17 و30 تموز 1968 وكان مسؤولاً عن العلاقات مع الشركات النفطية وعن ملف منظمة الاوبك. فكر في ترك العراق مرّة اخرى ولكنه استمر في عمله بعد انقلاب البكر/صدام حسين في 30 تموز، والذي جاء بخطاب جديد يتودد لليساريين واعداً بالمصالحة الوطنية. لعب دوراً مهماً في التحضير لقرار تأميم شركات النفط الاجنبية العاملة في العراق وابرام اتفاق التعاون الإستراتيجي مع الاتحاد السوفيتي وعين في عام1973  وكيلا لوزير النفط الاسبق تايه عبد الكريم. وبشهادة الكثيرين ممن عملوا معه في وزارة النفط لعب الدكتور فاضل الجلبي دوراً اساسياً في تطوير وزارة النفط وفي عملية بناء الكوادر العلمية والادارية التي عملت بنجاح في صناعة النفط العراقية، حيث كان يشرف على العلاقات مع شركات النفط من جهة وعلى ابتعاث الطلبة المؤهلين للدراسة في بريطانيا وفق ضوابط الكفاءة العلمية، وبعيداً عن المحسوبية ونظام الواسطات الذي كان ولايزال سائداً في العراق. وقد كان من اول من اهتموا بتعزيز الكفاءات الاقتصادية العراقية ضمن وزارة النفط من خلال تخصيص عدد من المقاعد في بعثاتها لهذا الصنف من المعارف العلمية. وقد أرسل عددا غير قليل من الاقتصاديين الذين صاروا من كفاءات العراق المعروفة في الاقتصاد بعد حصولهم على الدكتوراه من الجامعات البريطانية الرصينة وعادوا للعمل في وزارة النفط الا ان اغلبهم اضطر فيما بعد لمغادرة العراق في اواخر السبعينيات واوائل الثمانينيات بعد تنامي العوامل الطاردة للعقول العراقية. ترك وزارة النفط بسبب تنسيبه الى منظمة الاقطار العربية لتصدير النفط (اوابك) في الكويت في عام 1976 ثم انظم في عام 1978 الى منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) في فينا بمنصب وكيل الامين العام والذي شغله لفترة 9 اعوام بما في ذلك 3 اعوام منها تبوء خلالها منصب الامين العام بالوكالة، عمق خلالها خبراته الفنية والادارية وحاز على اعتراف وتقدير عربي ودولي واسع النطاق تمثل بتكليفه من قبل وزير النفط السعودي السابق أحمد زكي يماني بمنصب المدير التنفيذي لمركز دراسات الطاقة الدولي في لندن بعد مغادرته منظمة الاوبك.

للدكتور فاضل الجلبي العديد من الكتابات والانجازات العلمية باللغة الانكليزية نذكر أهمها :

  • OPEC and the international oil industry: a changing structure, 1980
  • The world oil price collapse of 1986: causes and implications for the future of OPEC, 1986
  • ‘OPEC and the Present Structural Limitations on its Oil Price Control’, OPEC Review (Paris), Summer 1988
  • OPEC at the crossroads, 1989
  • The Gulf War and the emerging oil situation in the world, 1991
  • Oil policies, oil myths: analysis and memoir of an OPEC insider, 2010

ومهما اختلف البعض من الاقتصاديين العراقيين، ومنهم انا شخصياً، مع بعض اطروحاته الفكرية والنظرية بصدد تقييم اتجاهات اسواق النفط الدولية ودور اللاعبين الاساسين فيها من شركات نفطية دولية ودول منتجة ومستهلكة للطاقة، فالتاريخ يشهد له بحسه الوطني الصادق وبعطائه غير المشروط لبناء المؤسسة النفطية للدولة العراقية. ومن دون اي شك سوف يبقى الدكتور فاضل الجلبي رمزاً وطنياً فذاً للعقول العراقية بجانب العديدين ممن سجنوا وابعدوا من وظائفهم وهجروا بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال التصعيد المتعمد للعوامل المُنفّرة والطاردة للعقول وللكفاءات العراقية ودفعها الى الهجرة بحثاً عن الامان وعن الكرامة والحرية والاحترام الذي يستحقونه كعلماء اختصاصين فالبحث عن لقمة العيش ليست هي وحدها ما يحفز العلماء والاختصاصيين في عطائهم .

وسوف يبقى الدكتور فاضل الجلبي أحد رموز العقول العراقية المتميزة التي لم تستطع الاستمرار بالتعايش مع الانظمة السياسية الهوجاء فهجّرت او هاجرت من وطنها العراق بسبب الملاحقات والمضايقات السياسية.  ولم يكن الدكتور الجلبي الوحيد الذي اعتقل إبان انقلاب شباط 1963، حيث شملت حملة الاعتقالات الهوجاء الكثير من العقول العراقية مثل عالم فيزياء الانواء الجوية الدكتور عبد الجبار عبد الله رئيس جامعة بغداد الأسبق والمفكر الاقتصادي الرائد د. محمد سلمان حسن أستاذ علم الاقتصاد في جامعة بغداد، وكذلك الأستاذ الجامعي ووزير الاقتصاد السابق ابراهيم كبة ووزير المالية السابق محمد حديد والكثيرين من الكفاءات العراقية التي تمت محاربتها ودفعها لمغادرة العراق بحثاً عن الحرية والكرامة، نذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر الاستاذ الدكتور مهدي المخزومي عالم الصرف و النحو في اللغة العربية مع مجموعة من زملائه الاساتذة الجامعيين الذين استقبلتهم جامعة الملك سعود في الرياض واستفادت من خبراتهم في تخريج اجيال من الطلبة السعوديين (راجع كتاب رشيد الخيون، عمائم سود في قصر ابن سعود)

تثير هذه الحقائق على الأرض والوقائع التاريخية المذكورة آنفاً عدة أسئلة لدى الكفاءات العراقية، وفي مقدمتها السؤال عن الأسباب الحقيقية التي تكمن خلف محاربة ومطاردة العقول العراقية منذ عام 1963 وحتى يومنا هذا؟ هل هو الصراع بين البداوة الكامنة في مراكز اتخاذ مثل هذه القرارات الجائرة والحضارة كما شخصها أستاذ علم الاجتماع العراقي الرائد الدكتور علي الوردي، والذي عانى شخصيا من المضايقات والترهيب وتحملها كاظماً ورافضاً الهجرة الى الخارج، ولكنه سافر الى ما يسمى في علم النفس “بالهجرة الداخلية”، أي انسحابه الطوعي من التفاعل مع المجتمع ومع المحيط العلمي الأكاديمي؟

كما أنني أود طرح سؤال على حكام العراق الجدد بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والعرقية أو المذهبية: متى نستخلص الدروس من الماضي ونراجع علاقتنا وطريقة تعاملنا مع المفكرين من ذوي العقول البنّاءة، الذين يحتاجهم العراق الجديد أكثر من اي وقت مضى، للمشاركة في إعادة بناء العراق المخرب في جميع أجزائه ومفاصله؟

في غياب تكريم الدولة العراقية للذين ساهموا في وضع لبناتها الاولى، ومنهم الدكتور فاضل الجلبي، فلقد سجّل معهد العراق للطاقة خلال المنتدى الاول للطاقة في كانون الاول 2012، درساً مهماً في هذا الميدان وبادر بتواضع ولكن بنجاح بتعزيز الاعتبار لواحد من أبرز رموز العقول العراقية المعترف بها دولياً. أنظر مقالنا حول التكريم على موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين.

انا لله وانا اليه راجعون

د. بارق شٌبّر، رئيس تحرير شبكة الاقتصاديين العراقيين

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بإعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. 3 كانون الأول / ديسمبر 2019

 

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين.  يسمح بإعادة النشر بشرط الإشارة إلى المصدر.

http://iraqieconomists.net/

لتحميل ملف بي دي أف انقر على الرابط التالي

IEN-Obitoury Fadhil Chalabi

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: