أوراق في الاقتصاد الساسيالرئيسيةالصفحة الأولى

مراجعة كتاب: روبرت إي. بونر: أول دولة منبوذة: ‏كيف هددت “الكونفدرالية” المؤيدة ‏للعبودية العالم

مقدمة هيئة التحرير:‏

يكتسب العرض المترجم لهذا الكتاب أهمية استثنائية كونه يتيح قراءة تاريخ “الكونفدرالية ‏الأمريكية” في مرآة الحالة الفلسطينية من منظور اقتصاد سياسي، تتجلى من خلاله حقيقة أن ‏الهيمنة السياسية ليست مجرد ممارسات أمنية عابرة، بل هي بنية اقتصادية شمولية تُعاد هندستها ‏بصياغات قانونية، ومؤسسية، وديموغرافية استيطانية. فعندما تهيمن الآيديولوجيا الإقصائية ‏العنصرية على الفضاء العام وتتحول إلى عقيدة دولة، تصبح قادرة على قسر الأسواق، واحتكار ‏الموارد، وتطويع العلاقات الدولية لخدمة غاياتها، تماماً كما حوّلت حياة الفلسطينيين إلى معاناة ‏وجودية يومية‎.‎

يستنتج مراجع الكتاب أن الكونفدرالية انتهت إلى دولة منبوذة‎—‎وهو المصير ذاته الذي يتهدد ‏إسرائيل اليوم—لأن مشروعها السياسي قام بنيوياً على تجريد جماعة بشرية من إنسانيتها، ‏واختزالها إلى مجرد ركن في معادلة إنتاجية نفعية. وبهذا المنظور، غدا اقتصاد الكونفدرالية ‏مأزقاً يقوّض شرعيتها الدولية، ولم يعد مجرد انعكاس لأزمتها السياسية‎.‎

وفي المقابل، تُثبت التجربة الفلسطينية أن الاحتلال الإسرائيلي يعيد إنتاج هذا المنطق الكولونيالي ‏الاستيطاني بأدوات أكثر حداثة إذ يتحول الاستيطان غير الشرعي في الضفة الغربية إلى آلية ‏نزع ملكية ممنهجة تسلب الفلسطينيين أرضهم. وبموجب ذلك، توظَّف الجغرافيا كأداة اقتصادية ‏لقمع الأسواق، وتقييد الحركة، وتعطيل الاستثمار، وتفتيت القدرة الإنتاجية. وتُدار هذه المنظومة ‏عبر شبكة قانونية وعسكرية ومالية متكاملة، مما يفضي إلى تحويل الاقتصاد الفلسطيني إلى كيان ‏مقيد، ومجزأ، ومحكوم بالتبعية والعجز عن النمو‎.‎

وقد بلغ هذا المنطق مداه الإبادي في قطاع غزة منذ عام 2023، حيث تجاوز الحصار الطويل ‏مداه ليتحول إلى تدمير بنيوي شامل استهدف الأحياء، والمستشفيات، والمصانع، والبنى التحتية، ‏وترافق مع تهجير قسري واسع ونسب قتل غير مسبوقة. أدى هذا السلوك إلى سحق البنية ‏الاقتصادية للقطاع بالكامل، وتحويله إلى اقتصاد إغاثي هش يعتمد كلياً على المساعدات، وهو ما ‏يمثل الصيغة الأكثر تطرفاً لنزع الآدمية عبر وضع السكان في حالة انكشاف اقتصادي وجودي ‏دائم، وتحويل الاقتصاد من وسيلة للتنمية إلى أداة لترسيخ السحق والإخضاع‎.‎

ورغم الفارق القانوني المتمثل في أن إسرائيل دولة معترف بها دولياً وليست كياناً انفصالياً ‏كالكونفدرالية، فإن إصرارها على الاحتلال والاستيطان والحصار يضع سياساتها تحت طائلة ‏مقاومة قانونية واقتصادية عالمية متصاعدة. ويتجسد ذلك في الفتاوى القانونية لمحكمة العدل ‏الدولية وتقارير الأمم المتحدة و(الأونكتاد) والمنظمات الإنسانية، والتي تتحدى التواطؤ الغربي ‏وتصم الممارسات الإسرائيلية بـالهيمنة البنيوية القمعية. هذا التحول يفسر تنامي العزلة والنبذ ‏المتدرج الذي—وإن لم يعزل الدولة كلياً—يضع ممارساتها في الأراضي المحتلة تحت طائلة ‏المساءلة الدولية، ويثبت أن القوة الاقتصادية عندما تُسخّر لتكريس الفصل العنصري تتحول إلى ‏عامل تآكل للشرعية بدلاً من أن تكون رافعة لها—كما حصل للكونفيدرالية.‏

ولأن الاقتصاد ليس حيادياً، بل يصبح جزءاً من الصراع حين يُستخدم لتكريس عدم المساواة، فإن ‏قراءة عرض هذا الكتاب في موقع الشبكة تتيح فهماً أعمق لكيفية تفاعل الآيديولوجيا والقوة ‏الاقتصادية والشرعية الدولية، وللحدود التي تواجهها الدول حين تُحوّل السيطرة إلى بنية قمعية ‏دائمة، وللكلفة المتراكمة التي يفرضها الاحتلال على الاقتصاد الفلسطيني وعلى مكانة إسرائيل ‏في النظام الدولي، وتُظهر أن تحليل الاقتصاد السياسي للاحتلال ليس ترفاً معرفياً، بل هو ‏ضرورة استراتيجية لفهم جوهر الصراع وحدود القوة الغاشمة عندما تسعى لإبادة الهوية ‏الإنسانية لشعب بأكمله.‏

هيئة التحرير

لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:

Confederacy-Pariah State -Revised-IEN

الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية

التعليق هنا

%d مدونون معجبون بهذه: