البنية التحتية والخدمات العامة

د. حسن الجنابي: فيضان أم نقص في البنى التحتية؟

غرق أجزاء من بغداد.

الكارثة التي حلت ببغداد نتيجة لهطول الامطار يوم 25 كانون الاول الماضي لم تحدث من قبل بهذه المأساوية من حيث الخسائر والاضرار والمعاناة التي تعرضت لها العاصمة وسكانها فقد كان تأثيرها مدمرا وقاسيا وفاق التوقعات بكثير. فقد مثلت العاصفة المطرية التي ضربت بغداد – وبدون شك – كارثة طبيعية المّت بالعاصمة وسكانها وذلك بسبب شدتها التي امطرت (67) ملم في يوم واحد على مدينة يبلغ معدل هطول الامطار فيها في شهر كانون الاول (30) ملم، فيما يبلغ معدل هطول الامطار سنويا في المدينة (155) ملم.

لعبت حرية الحركة والتعبير والبث المباشر على مدار الساعة عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في تعميق الاحساس بفداحة الكارثة. فالاتصالات تمثل في هذا العصر وسيلة جبارة في التأثير الصادم، المباشر، والآني في ملايين المتلقّين، مشاهدة او سماعا او قراءة، فضلا عن اتاحة الفرصة للتفاعل الحي مع الحدث والتعبير الفوري عن المشاعر من قبل الضحايا او المتلقين على حد سواء.
قوة الصورة في نقل الحقائق

لقد ظهر التأثير الصادم والمؤثر للكاميرا والاتصالات في ابلغ صوره، اثناء المجاعة التي شهدتها اثيوبيا في العام 1984. فبعد ان كانت الكوارث والمصائب والاوبئة والحروب والمجازر والمجاعات والفيضانات تحدث في مناطق مختلفة من العالم ولا يشعر بفداحتها الا القليلون من غير ضحاياها المباشرين؛ صدمت البشرية لأول مرة بالتقارير المصوّرة التي ارسلها محرر البي بي سي الشهير مايكل بيرك عن المجاعة التي ضربت اثيوبيا وذلك في تشرين الاول/ اكتوبر من العام 1984، والتي نتج عنها احساس انساني عارم بالمصير المشترك للبشرية، وخلق حالة تضامنية لم يسبق لها مثيل في التاريخ، وظهر بوضوح آنذاك ان الجفاف والجوع هما من اكثر المخاطر التي تهدد الوجود البشري على الارض.
ومنذ ذلك التاريخ قرّبت وسائل الاتصال والانترنت والاقمار الصناعية اصقاع الارض من بعضها البعض بشكل لم يكن يتخيله حتى الجيل القريب الذي سبق تلك الاختراعات الهائلة. وتقوم اليوم محطات التلفزة والبث بالتأثير المباشر على ملايين البشر وفي تحديد اتجاهات الاحداث بما فيها الاحداث السياسية العاصفة التي نشهد بعض فصولها الآن في منطقتنا، وحيث يتظاهر مئات الآلاف بل ملايين البشر ضد حالة اغتصاب او اعتقال تعسفي او تضامنا مع فتى احرق نفسه احتجاجا وما شاكل ذلك.
كما تظهر، وعلى الفور، شاشات التلفزة وصفحات الفيس بوك ومواقع الانترنت الخاصة والعامة ووسائل الاعلام الاخرى مديات استعداد او كفاءة الدول او المدن او المسؤولين المباشرين في التعاطي مع الكوارث، ومدى تماسك المجتمع وروح التعاون بين المسؤول المنتخب والمجتمع المحلي وغير ذلك، وقد ظهر في فيضان بغداد حجم الهوة في استعدادات المدينة لمثل هذه الكارثة على مستوى المؤسسات وكذلك على مستوى فهم المسؤولين المحليين لواجباتهم.
النظر بعين فاحصة

بودي لفت الانتباه الى نقاط عديدة، باعتباري مواطنا عراقيا مختصا بالموارد المائية وبغض النظر عن وظيفتي الحالية، وساحاول الاختصار كي يمكن نشرها كمقالة صحفية وليس كتقرير فني، ومدركا ان الكارثة بحاجة الى تقييم علمي دقيق ومحايد لمعرفة مواطن الضعف والخلل وعناصر المفاجئة والاجراءات المتخذة وردود الافعال من جميع الاطراف لما فيه من خدمة كبيرة للعاصمة وسكانها، وأقول:

  1. يجب التمييز بين الفيضانات التي شهدتها العاصمة بغداد في ازمنة سابقة عن حالة الفيضان الاخيرة موضوع هذه المقالة. فقد شهدت بغداد في السابق فيضانات خطيرة نتجت عن حالات فيضان شاملة في حوض نهر دجلة كما حصل في اعوام 1946 و1954 و1969 و1988 وغيرها، وقد شملت تلك الفيضانات اجزاء عديدة من العراق بما فيها في الاراضي الواقعة ضمن حوض نهر الفرات ايضا.
  2.  كانت تلك الفيضانات هي السبب الرئيسي في اتخاذ اجراءات فعالة لحماية العاصمة، وتمثلت اهمها بانشاء سدة سامراء واستخدامها لتحويل مياه الفيضان الى منخفض الثرثار. كما شقت قناة الجيش لتحويل مياه الفيضان مباشرة من شمال مدينة بغداد الى نهر ديالى الذي يصب جنوب المدينة. لكن القناة اهملت خلال العشرين عاما الاخيرة واندثرت بعض اجزائها واستخدمت مكبا للانقاض والقمامة لفترة طويلة، وقد شاهدنا وسمعنا اثناء كارثة الفيضان الاخيرة اتهامات لبعض المسؤولين حول رفض فتح المنافذ المؤدية الى القناة لتصريف مياه الامطار، مما يشير الى ان اجراءات مواجهة الفيضان كانت مرتجلة وليست جزءا من خطة لحماية المدينة من الغرق.
  3.  رفعت العاصفة المطرية الاخيرة مناسيب نهر دجلة قليلا ولكنها لم تؤد الى فيضان النهر. مع ذلك فقد كان تأثيرها مدمرا نتيجة لغرق الاحياء والشوارع والمنازل لفترة طويلة بسبب انعدام وجود شبكة مجاري لتصريف مياه الامطار في بعض المناطق المتضررة، او بسبب انغلاق الشبكة ان وجدت، او في الاخطاء التصميمية او التنفيذية في الشبكات الجديدة التي نفذت وغير ذلك، وقد اعلنت امانة العاصمة انها انتهت من سحب المياه المتجمعة يوم 2 كانون الثاني 2013 اي بعد مرور اكثر من اسبوع على العاصفة.
  4.  لقد شهدت بغداد عواصف مطرية مشابهة في السابق حيث بلغ تساقط الامطار (71) ملم في يوم واحد، كما سجلت دائرة الانواء الجوية في السابق هطول (115) ملم في يومين متتاليين في بغداد، ولا يمكن مقارنة الخسائر والاضرار بالارواح والممتلكات انذاك بما حصل يوم 26 كانون الاول لعام 2012. فقد تداولت وسائل الاعلام في الحادثة الاخيرة حالات غرق ووفيات نتيجة لانهيار المنازل، كما اشيعت اخبار عن كهربة البرك المائية والمستنقعات التي تكونت في بعض المناطق نتيجة لهشاشة شبكة الكهرباء الوطنية وكذلك بسبب شبكات الاسلاك الكهربائية المتدلية والمنتشرة للمولدات الكهربائية الخاصة
  5.  ان مدينة بغداد قد توسعت افقيا، ومؤخرا بصورة عشوائية، وزاد عدد سكانها الى مايقرب من (7) ملايين نسمة، فيما بقيت البنى التحتية متهرئة وقديمة ولا تغطي الا نسبة قليلة من مساحة المدينة. ومن المعروف ان الخدمات تضعف وتصبح باهظة الكلفة مع التوسع الافقي للمدينة، فضلا عن الربطات غير القانونية لشبكات المياه والمجاري في المنازل والاحياء الجديدة، وهي في غالبيتها منازل واحياء تفتقد للمواصفات الفنية الحديثة بسبب تفشي الفقر والحرمان وانعدام خدمات الكهرباء وشحة وغلاء مواد البناء وغير ذلك، مما يعرقل الجريان الطبيعي للمياه المتجمعة حتى في حالات العواصف المطرية الاقل شدة.
  6.  لقد انهارت خدمات مدينة بغداد تماما امام حادثة مطرية قد تعتبر معتدلة ولايمكن ان تتسبب، ان حدثت في عاصمة اخرى، سوى بعرقلة لحركة المرور وبعض الاحتقانات لعدة ساعات لا اكثر. كما ظهر عجز مؤسساتها وكوادرها وقلة مواردها وآلياتها بالرغم من الامكانات المالية المعتبرة التي خصصت لامانة العاصمة خلال السنوات التسع الاخيرة، وبحوزتي مسودة وثيقة تشير الى ان ميزانية قسم المجاري في امانة العاصمة في عام 2008 كانت بحدود (200) مليون دولار وعلى افتراض بقاء مستوى التمويل كما كان في عام 2008 تكون تخصيصات مجاري بغداد بحدود مليار دولار حتى عام 2012.
  7.  ن سلسلة الحروب المتتالية والحصار الاقتصادي وموجة الارهاب قد اربكت اولويات المدينة وعرقلت وعقّدت مهمة التخطيط العمراني لها، فتراجعت اهمية البنى التحتية الضرورية امام متطلبات اخرى، وخاصة فيما يخص المنشآت التي تنفذ تحت سطح الارض ومنها شبكات المجاري الضرورية لأية مدينة متحضرة
  8.  ان تنفيذ شبكات المجاري هو نشاط أقل إغراء للمسؤولين المحليين. فبالاضافة الى كونها (اي الشبكات) بالغة الكلفة وتؤدي اثناء التنفيذ الى قطع الطرق وتخريب الشوارع والفضاءات المعتادة والساحات نتيجة الحفريات وتراكم الانقاض لشهور وربما سنوات في وضع مدينة كبغداد حاليا، فإنها تنفذ تحت سطح الارض ولايظهر منها شيئا بعد اكمالها لكي يمكن تسويقه للمواطنين البسطاء على انه اسهامة في تطوير وتحسين جمالية المدينة، كما يحصل عادة مع مشاريع صبغ الارصفة او تبديلها بين الحين والآخر مثلا!
  9.  لاتوجد في العراق شركات تأمين على المنازل والممتلكات يؤمن لديها المواطنون ضد الكوارث والحرائق والسرقات وما شابه ذلك، وبحيث يلجأ لها المتضررون بغرض التعويض ومساعدتهم على اعادة انشطتهم الاقتصادية واقتناء ممتلكات جديدة، مما يعمق ازمة المدينة والمجتمع ويرهق ميزانية الدولة ويؤدي الى افقار السكان والتحاق الاف المواطنين بطوابير العاطلين عن العمل وخاصة اؤلئك الذين فقدوا محلاتهم ودكاكينهم وبضاعتهم وسياراتهم واثاثهم، وهذا ما دفع الحكومة العراقية الى الاعلان عن دفع تعويضات مادية للمتضررين.
  10. لم ينته بعد فصل الامطار في العراق حيث يستمر كالمعتاد الى نهاية شهر آذار، علما ان شهر اذار هو تأريخيا اكثر اشهر السنة مطرا، وبالتالي فمن المحتمل تكرار العواصف المطرية على المدينة مما يضع اعباء كبرى على المدينة والسكان، وبالامكان التخفيف من ذلك والاستعداد الى تقديم المساعدة الفورية للمتضررين.

ملاحظة ختامية

ان تأثير التغيرات المناخية على

انماط الطقس السائدة في العراق غير معروفة لنا ولكننا نشهد بعض مظاهرها السلبية المتمثلة بحالات ارتفاع حاد بدرجات الحرارة، او في العواصف المطرية او امتداد حالات الجفاف وانتشار التصحر وغيرها، مما يستدعي بذل جهد علمي للتعرف على هذه الظاهرة والمساعدة على التكيف مع الظروف المناخية الجديدة. ومن الطريف ذكره ان الحكومة العراقية قد منحت في الصيف الماضي عطلة لمدة ثلاثة ايام بسبب ارتفاع درجات الحراة الى مستويات غير مسبوقة، كما منحت مؤخرا عطلة بسبب هطول الامطار!.

كما اجد لزاما التذكير بأنه من الخطأ الاعتقاد أن العاصفة المطرية الاخيرة هي ايذان بدخول العراق الى حالة الامن المائي، ونهاية عواصف الغبار وتوقف التمدد الصحراوي وتوسع الغطاء الاخضر وغير ذلك. بل هي معطى آخر من المعطيات الهيدرولوجية التي قد تتيح معرفة افضل بشؤون ادارة البلاد وشروطها. كما ترينا ان استمرار الجفاف لمدة طويلة لايلغي الحاجة لبناء البنى التحتية ومنها شبكات مجاري الامطار وغيرها كما قد يعتقد البعض، وان لايمنعنا تكرار العواصف المطرية وارتفاع مناسيب المياه لسنة او اكثر من التفكير والعمل الجاد على مواجهة حالات الجفاف المحتملة وايقاف زحف الصحراء نحو المدن والاراضي الخصبة.

*) خبير في الموارد المائية وسفير العراق لدى منظمة الفاو

 جريدة الصباح  08/1/2013

 http://www.alsabaah.com/ArticleShow.aspx?ID=41970

لتنزيل المقال كملف بي دي أف

 

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: