التجارة الخارجية وموقع العراق في الاقتصاد الدولي

عمار شِنتة الشاهين: تقويم المنظمات العالمية للعراق وتاثيراته على جذب الاستثمار

للعراق اهميتة الاقتصادية على مستوى العالم لاسباب عديدة, كتوفر الثروات الطبيعية, والفرص المتاحة وتنوّعها, وللقدرة البشرية, ولتنوّع نسيجه المجتمعي, ولكنه بالرغم من ذلك لم يجد التقويم المنصف بحقة, وعادة ماتجده في اخر قوائم التقويم من قبل المنظمات العالمية, ويُساوى بالكثير من الدول التي لا ترتقي الى نصف قدراته البشرية, والمادية والتنظيمية. والسؤال المطروح هو ماتاثير تلك التقويمات على إنعاش البنية الاستثمارية في العراق؟ وللاجابة نستعرض نماذج مختارة من التقارير التي تدرس العراق، ونورد تقويماتها للعراق، كما هي ثم نتعرض لها بالتحليل وصولا الى النتائج .

1. تقرير ممارسة انشطة الاعمال (Doing Business Report): يصدره البنك الدولي, ويجمع بيانات مختلفة في 183 بلدا, يقيس سهولة تنفيذ الاعمال في هذه الدول ويقارن بينها من حيث الاجراءات المتبعة للتعامل مع الشركات المحلية, وخاصة الشركات الاصغر حجما طوال مراحل حياتها. ويستند ترتيب البلدان على اساس مجموعة من المؤشرات تقوم بقياس ومقارنة الاجراءات الحكومية المؤثرة على عشرة مجالات في حياة منشأة الاعمال, وهي: بدء النشاط التجاري واستخراج تراخيص البناء, وتوصيل الكهرباء وتسجيل الملكية, والحصول على الائتمان وحماية المستثمرين ودفع الضرائب, والتجارة عبر الحدود, وانفاذ العقود, وتسوية حالة الاعسار, بالاضافة الى القواعد المنظمة لتوظيف العاملين.

وتستخدم البيانات التي يتم جمعها لتحليل النواتج الاقتصادية, ويتابع التقرير الاصلاحات في البيئة الاجرائية المنظمة للاعمال التجارية على مستوى العالم, وتحديد مكان نجاحها واسبابه, وتجمع لتحديث البيانات في النسخة التالية من التقرير.

وطبقا لمؤشرات التقرير, تحتل سنغافورا والصين, ونيوزلاندا, المراتب الثلاثة الاولى في تقارير الاعوام 2011 و2012 , ومن الدول العربية احتلت السعودية المراتب 10 و12 على التوالي للاعوام المذكورة, ودولة الامارات 35 و 33 . بينما احتل العراق المرتبة 159 لعام 2011 و 164 للعام 2012 حيث تراجع ترتيبه خمسة مراتب ولا توجد اية اصلاحات حسب التقرير.

كما وصف التقرير بدء عمل تجاري في العراق بانه مكلف, بسبب زيادة كلفة شهادة حجز الاسم التجاري, وكلفة اتعاب المحامين لاكمال اوراق تسجيل الشركة[1].

2.  مؤشر الفساد ( Corruption Perceptions Index) : يصدر عن منظمة الشفافية العالمية, ويهدف الى تصنيف دول مختارة من العالم بناء على تصور لنسبة الفساد في هذه الدول والذي قد يكون باشكال متعددة, كإستغلال موظفي الدولة والسياسين لمناصبهم لتحقيق مصالح شخصيه, او لهدر المال العام والرشوة, وغير ذلك .

 ويتبع المؤشر نظام التقويم على اساس النقاط, حيث تصنف الدول التي تحصل على اكبر عدد من النقاط لغاية 100 نقطة بانها دول نظيفة جدا من الفساد ((very clean والدول التي تحصل على اقل عدد من النقاط لغاية الصفر فتصنف بانها مرتفعة الفساد (highly corrupt), وبالنسبة لمؤشر الاعوام 2011 و 2012 كانت المراتب الاولى من نصيب الدنمارك وفنلندة, ونيوزلنده, واخر الترتيب حافظت عليه الصومال، اما العراق فترتيبه في القائمة لعام  2011 التي ضمت 182 دولة 175 بجمع 18 نقطة, وضمن قائمة العام 2012 التي ضمت 174 دولة 169 بجمع 18 نقطة, ولايمثل ذلك تقدم للعراق ضمن القائمة عن العام السابق, لكونه حصل على مستوى النقاط ذاته[2].

3. تقرير التنافسية (The Competitiveness Report): وتعتبر التنافسية العامل المحدد للرابحين والخاسرين في البيئة الدولية المعاصرة باعتبارها الاطار الجامع لمختلف الشروط اللازمة لقطف ثمار سياسات التحرير الاقتصادي وفتح الاسواق والاندماج, وهي محور رئيسي لاهتمامات الاجهزة التنفيذية والتشريعية وقادة الدول , كما انها لا ترتبط بامتلاك الموارد الطبيعية او بضآلة تكاليف الايدي العاملة بقدر ارتباطها بالمحتوى المعرفي والتكنولوجي والجودة  وبالسياسات الفاعلة من قبل الحكومات والشركات.

وفيما يلي نعرض مؤشرين رئيسين للتنافسية وكما يلي:

أ‌-         مؤشر التنافسية العالمية[3] : يصدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي, ويعتبر مؤشر مركب يضّم عددا كبيرا من المؤشرات المتنوعة، التي تغطي عوامل اقتصادية وسياسية  ومؤسسية, وتلعب دورا مهما في تحديد مستوى الإنتاجية والإنتعاش الإقتصادي للدول ضمن المؤشر.

ويقسم المؤشر, مراحل التطور لاي اقتصاد الى خمسة مراحل اساسية, المرحلة الاولى, يعتمد الاقتصاد في هذه المرحلة على عوامل الانتاج, من عماله غير مؤهلة, وراس المال المتاح, والموارد الطبيعية, حيث تعتمد الشركات على المنافسة السعرية, وبيع السلع الاولية, فتنخفض الانتاجية مما ينعكس على مستويات الاجور. ثم مرحلة انتقالية و المرحلة االثانية: حيث تتطور فيها عمليات الانتاج لتصبح اكثر كفاءة والإعتناء بجودة المنتج, ليصبح اكثر قدرة على المنافسة الدولية. ثم مرحلة انتقالية ثانية, بعدها, المرحلة الثالثة: التي ينتقل فيها الاقتصاد الى مرحلة القدرة على توليد مستويات مرتفعة من الاجور, مما يعني مستويات معيشة مرتفعة, وفي هذه المرحلة تكون الشركات قادرة على ابتكار منتجات جديدة نتيجة للاهتمام بالبحث والتطوير. وعلى الرغم من اهمية هذا المؤشر فلا نجد العراق من الدول التي شملها التقرير خلال السنوات الماضية .

ب‌-          مؤشر التنافسية العربي[4]: يصدره المعهد العربي للتخطيط في دولة الكويت, وهو مشابهة للتقرير الدولي الا انه يهتم بدراسة الوضع التنافسي للدول العربية وتحليليه, ويتكون ايضا من مؤشر مركب يتكون من مؤشرين رئيسين هما مؤشر التنافسية الكامن الذي يضم مؤشرات فرعية منها قياس راس المال البشري, والتكنولوجيا, والبنية التحتية والتقنية للبلد, والمؤشر الثاني هو مؤشر التنافسية التجاري, ويضم تحته مقاييس منها الاسواق, الانتاجية والتكلفة, وبيئة الاعمال.. الخ.

بعد استعراض هذه المجموعة من المؤشرات, يبدوا واضحا ان نتائجها لاتشجع على تكوين فكرة ايجابية لدى المستثمر الاجنبي عن ممارسة العمل في العراق, فالاستثمارات بابسط مبادئها تعتمد على الارقام والتقويم لبيئة نمو العمل, فكيف تبدء عمل في بلد كل المؤشرات تشير الى كونه غير ملائم لنشاط الاعمال, او انه لم يكن ضمن مؤشرات مهمة كمؤشرات التنافسية لاسباب يمكن ان نعزوها لعدم توفر البيانات, مما يزيد حجم المخاطر، من وجهة نظر المستثمر، ويترك له خيار في حال قرر الدخول الى بيئة الاعمال في العراق الى زيادة التكلفة وهامش الربح لتغطي المخاطر المحتملة, وبالنتيجة يحد ذلك من اقبال الشركات الاجنبية على الاستثمار في العراق.

في اطار هذا العرض والتحليل الموجز من غير الممكن تدقيق البيانات المستعملة في التقارير الدولية والتأكد من دقتها من خلال مقارنتها مع المصادر الاولية للبيانات في العراق وهي الجهات الرسمية وفي مقدمتها الجهاز المركزي للاحصاء في وزارة التخطيط. ولكن يمكننا القول بأن الطريق لايزال طويلاً امام المؤسسات العراقية لتطوير عمليات جمع ومعالجة ونشر البيانات والمؤشرات الإقتصادية على الصعيد المحلي والدولي[5], وبالرغم من اعتقادنا بأن التأثيرات السلبية للتقارير المشار اليها تنحصر على حركة الاستثمار الاجنبي المباشر في العراق مما يعني ضرورة تركيز السياسات الإقتصادية على الاستثمار الداخلي بشقيه العام والخاص، فسوف يستمر الاستثمار الاجنبي المباشر في لعب الدور المكمل في دفع عجلة الإقتصاد نحو التنمية المستدامة من خلال نقل التكنولوجيا المتطورة وتوليد فرص عمل جديدة في العراق. لهذا يحتاج العراق الى حضور اقليمي ودولي من خلال اعلام اقتصادي متخصص, مهمته نقل صورة واضحة عن اقتصاديات العراق, مع الانفتاح على العالم وتوفير جميع البيانات التي تهتم بالاقتصاد والتجارة, وبيئة تنفيذ الاعمال, وتكون متاحة بسهولة وبمصداقية عالية لكسب الثقة. ويمكن لهذا الهدف ان يتحقق, بتوجيه السياسة الاستثمارية لجذب استثمارت في مجال الاعلام الاقتصادي, واستثمارات في الاتصالات الحديثة, حيث لغاية الان لايوجد تحسن واضح في هذا القطاع الحيوي على الرغم من اهميتة لتنشيط الاقتصاد ونمو الاعمال والارتباط الفعال مع العالم, ويجب أن تسير معها على التوازي اصلاحات حقيقية لتحسين بيئى، من أجل تنمية النشاطات التجارية, بما يمكّن العالم ان يشاهد تحسّنها. وبالتاكيد فإن خطوات كهذه سيكون لها تاثير ايجابي على رفع مستوى النشاط الاستثماري في العراق.

*) مهندس مدني وخبير في التدريب على ادارة المشاريع

لتنزيل البحث كملف بي دي أف انقر هنا


[1] The World Bank /Doing business 2012 / Iraq, page 70.

[2] Transparency international/corruption perceptions index  2011 and  2012

[3] the Global competitiveness reports

[4] تقرير التنافسية العربية 2012,2009

[5] انظر الى بحث الدكتور علي مرزا الموسوم ” ملاحظات مختصرة على مصادر البيانات والمعلومات الإقتصادية في العراق”  المنشور على موقع شبكة الإقتصاديين العراقيين.

Comments (1)

  1. فاروق يونس
    فاروق يونس:

    تحول العالم بعد الحرب العالمية الثانية الى استخدام انظمة معلومات قياسية متطورة حيث تطورت المعلومات من استخدام تعريفة بروكسل الى استخدام النظام القياسى الدولى للتجارة ال `SITC
    للتجارة الخارجية المعدل وتم استحداث نظام كمركي موحد وانظمة عديدة للمعلومات الاحصائية على الصعيد الدولى والحديث يطول وخاصة بعد قيام منظمة التجارة العالمية والموسسات الاخرى ومنها ما اشار اليها الباحث
    اما العراق فانه يفتقر الى اهم المعلومات التى تحتاج اليها المنظمات الدولية والمستثمريين المحليين والاجانب مثل احصاءات السكان التى تضم معلومات لا غنى عنها لاى باحث فى اقتصاديات العراق
    العراق بحاجة الى ادخال انظمة المعلومات القياسية المعتمدة فى جميع دول العالم المتقدم وبعكسه سيظل متخلفا عن الركب وستظل المنظمات الدولية عاجزة عن استخلراج الموشرات القياسية مما هو متاح لدينا من معلومات تقديرية ليست مستندة الى اية مسوحات كلية او جزئية
    تنظر بعض الجهات الرسمية العراقية الى نتائج البحوث والمعلومات عن الواقع العراقى نظرة التشكيك بها دون المبادرة الى جلب هذه النظم والموشرات المعتمدة دوليا او اقليميا وادخالها فى التطبيق دون تعديل تماما ثلما فعل الجهاز المركزى للاحصاء بعد تشكيله عام 1979
    من الطبيعى ان وضع العراق فى اخر السلم من قبل المنظمات الدولية سببه وجود فراغات او اصفار اى غياب المعلومات المطلوبة لرفع العراق الى الدرجة التى يستحقها
    المنازعات السياسية تعرقل اجراء الاحصاء السكانى وتخلف دوائر الاحصاء فى الوزارات العراقية والاعتماد على الحدس والتقدير وعدم قدرة الجهاز المركزى للاحصاء كما يبدو على ربط اجهزة الاحصاء الفرعية بدوائره الاحصائية المقابلة لتلك الدوائر اقصد ربطها فنيا وليس اداريا قد ادى الى حصول اختلافات وتفاوتات فى المعلومات الاحصائية بين دائرة واخرى خاصة فى حالة غيات نظم او استمارات موحدة لجمع وعرض المعلومات
    المشكلة كبيرة تحناج الى برنامج وطنى شامل يحمل اهداف واضحة قابلة للقياس والتطبيق والى ميزانية مالية والى تعاون دولى
    لم يعد هناك مجال لاعتماد انظمة معلومات ذات طبيعة محلية مبتسرة كما لا يجوز التباطوء او التاخر فى نشر المعلومات وعلى وزارة التخطيط تنشيط مراكز البحوث وبالاخص ذات العلاقة والاختصاص فى تقديم المعلومات للمستثمرين الاجانب
    والى امام وشكرى الجزيل للباحث المحترم

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: