النفط والغاز والطاقة

عصام الخالصي: التلاعب والتضليل في إدارة شؤون الطاقة في العراق

في تموز العام الماضي أكد رئيس مجلس الوزراء في محاورة تلفزيونية بجدية شكّه في مصداقية المعلومات التي تصله حول أداء منظومة كهرباء العراق من وزارة الكهرباء وما يقدمه له جهازه الاستشاري و خصوصاً نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة من معلومات وارقام “كاذبة” في ذلك المضمار.

ورغم مرور أشهر على تلك المحاورة التلفزونية لم يحصل أي  تبديل أو تعديل، أو حتى توضيح، لما ذكره رئيس الوزراء، ورجعت الامور إلى سابقها وكأن الموضوع كان خلافا عائليا تم تصفيته داخليا. وبقى العراقيون حائرين بما يقدم لهم من أخبار وبيانات حول أداء الحكومة في كافة المجالات. ولعل هذا الخبر بحد ذاته يقيّم مقدار الاعتبار او الاحترام (او غيابهما) الذي تعيره شخصيات الحكومة للرأي العام في العراق.

إن التلاعب بالارقام والتمويه عن الحقائق التي تقدم إلى العراقيين شعباً وحكومةً للتغطية على سوء إدارة قطاع الطاقة في مجالاته المختلفه (والكهرباء جزء منها) هو ما هو متبع وسائد ومستمر منذ 2006 وحتى الان.

في حزيران 2013 أعلنت الحكومة في احتفال رعاه نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة “الاستراتيجية الوطنية المتكاملة للطاقة 2013 – 2030” والتي من المفروض أن تعالج فيها أمورالطاقة (النفط، الغاز، الكهرباء، والمتجددة) للسبعة عشر سنة القادمة. وبعد التمحص ببعض تفاصيل تلك الاستراتيجية يتبين بأن التوقعات للسنين القادمة قد بنيت على بدايات من واقع لاوجود له، وفي بعض الاحيان مختلف حتى عما مسجل بصورة رسمية من قبل وزارات الحكومة نفسها. لذا يمكن التأكيد بأن “الاستراتيحية الوطنية المتكاملة للطاقة” التي أعلنتها الحكومة فيما يتعلق، على سبيل المثال، بموضوع انتاج الغاز الطبيعي في العراق وكميات استغلاله (في الكهرباء وغيره) لايتعدى كثيرا نسج الخيال. وهكذا يستمر التحايل على العراقيين بنفس الأسلوب الذي أكد رئيس الوزراء اتباعه العام الماضي.

من الواضح ان ما يقدم  من خلال العلاقات العامة هو لتحويل الانظار عن القصور الكبير في إدارة شؤون قطاع الطاقة والتعويض بالوعود المزيفة التي تنقصها المهنية والخلفية الصلبة لإمكانية تحقيقها. لكن المؤشرات الدامغة في التشكيك بطبيعة الإدارة الحالية لشؤون الطاقة في العراق تذهب إلى أبعد من ذلك وصولاً إلى نوايا هذه الإدارة. ويتمثل ذلك بما ماذكرته اولم تذكره “الاسترتيجية الوطنية المتكاملة”، وفي المثالين هنا شرح لذلك:

  1. 1.       شرعت حكومة العراق في الفترة بين 2011 و2013 بتنفيذ عقدين لأنبوبين لاستيراد الغاز الطبيعي من ايران بقيمة 720 مليون دولار تقريباً، إضافة إلى سعر الغاز نفسه “حسب الاسعار العالمية”، وذلك لتشغيل محطات الكهرباء العراقية – ليس للمرور- وكانت القرارت في ذلك المضمار نتيجة حتمية للسياسة التي اتبعتها حكومة العراق منذ 2006 عندما اوقفت بصورة كلية اي اتجاه او عمل لتطوير او استغلال الغاز الطبيعي العراقي وصناعات الطاقة الداخلية بصورة عامة. تقدر كميات الغاز الذي سيستورد من ايران أنه يزيد بأكثر من ضعفي ما تجهزه وزارة النفط حاليا لمحطات الكهرباء الحالية في العراق (1,5 مليار قدم مكعب في اليوم مقابل 0,6 مليار قدم مكعب في اليوم لما تجهزه حاليا وزارة النفط).

من المقدّر ان يبدأ تجهيز الغاز الايراني في نهاية 2014 ويستمر إلى خمسة سنوات على أقل تقدير. وعلى الرغم من التأثير الكبير والمباشر الذي يمثله هذا الغاز مهنيا وماديا على أداء قطاع الطاقة في العراق لثلث الفترة القادمة، على أقل تقدير في استراتيجية الحكومة، فأن “الاستراتيجية الوطنية المتكاملة للطاقة 2013 – 2030” لم تُشرإلى ذلك إطلاقا، ولا حتى التنويه عنه.

  1. 2.       تم في عام 2013 تنظيم فعاليات مكثفة لتوجيه الأنظار لنجاحات ستحرزها حكومة العراق في إدارتها لامور الطاقة في المستقبل القريب (متناسين الماضي) في استغلال غاز العراق الطبيعي. وكان من تلك الفعاليات حضور رئيس الوزراء مؤتمر القمة للدول المصدرة للغاز في موسكو وكذلك التفاوض على توقيع مذكرات مع دول اجنبية لتصدير الغاز. وفي نفس السنة أيضاً، قرر مجلس الوزراء تنفيذ منظومة انابيب لتصدير الغاز الطبيعي العراقي بقيمة 449 مليون دولار.

ولكن كل ماذكرته “الاستراتيجية الوطنية المتكاملة للطاقة” التي أعلنت في نفس العام هو “احتمالات” تصدير الغاز ولم يتم تقييم كمياته. ومع التأكيد بأن الغاز العراقي لن يصدر إلى الخارج في السنوات المنظوره القادمة، (وبكل تأكيد ليس في 2015 كما وعد مسؤولو الإدارة) مالم يكن ذلك على حساب الاحتياجات الداخلية للبلد واقتصاده.

وما قد يبرز في الأفق من تساؤل في حال عدم تحقق “الاحتمال” الذي لوّحت له الاستراتيجية، فكيف ستتم إذن معالجة الـ 449 مليون دولار الذي يكون العراق قد صرفها؟

وما قد يدور بخاطر أي عراقي هو: ما الجدوى الاقتصادية التي جناها وسيجنيها العراق من جراء التوقيف الفعلي المتعمد لاستغلال غاز العراق الطبييعي منذ 2006 وحرقه في الهواء، ومن ثم استيراد نفس نوع الغاز من الخارج لتغطية احتياجاته الداخلية؟

وما هو المنطق من الشروع بالتخطيط لتصدير غاز من العراق في نفس الفترة التي يستورد فيها الغاز لسد الاحتياجات الداخلية، مع العلم أن أسعار الاستيراد والتصدير هي نفس الاسعار العالمية، لكن كلف الاستيراد والتصدير (الانابيب وتشغيلها وإدامتها) يتحملها العراق في الحالتين؟

ملحق يتضمن معلومات اضافية عن إستراتجية الطاقة الوطنية باللغة الانكليزية

*) خبير في نظم وقطاع توليد الطاقة الكهربائية

الاراء المطروحة في هذا المقال وفي كل المقالات المنشورة على الموقع لاتعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة الإقتصاديين العراقيين وانما رأي كتابها فقط والذين لوحدهم يتحملون المسؤولية العلمية والقانونية

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: