جدل اقتصادي

كاظم حبيب: ملاحظات حول دراسة تحت عنوان: الأزمة السياسية الحالية: رؤيا اقتصادية للدكتور كمال البصري والأستاذ مضر سباهي

وجه الزميل الدكتور كمال البصري رسالة إلى الدكتور مهدي الحافظ رئيس مجلس النواب، باعتباره أكبر الأعضاء سناً ، جاء فيها ما يلي:

سعادة  رئيس السن في مجلس النواب الدكتور مهدي الحافظ المحترم.

والفضلاء من المسؤولين والمعنيين بالشأن العراقي.

م/الازمة السياسية العراقية الحالية: رؤيا اقتصادية

تحية تقدير واحترام

الأزمة السياسية الحالية تستلزم تحليل عواملها بشكل موضوعي وبغياب مثل هذا التحليل سنصل إلى حلول عقيمة لا تخدم احد بل قد تعمق من حدة الصراع السياسي.  المقال المرفق دراسة جدية  بهذا الاتجاه.

في هذا الوقت العصيب نحن بحاجة إلى تبادل الرأي لغرض الوصول إلى فهم مشترك للحلول الممكنة، ويسعدني استلام وجهات نظركم.

مع التقدير والاحترام

د. كمال البصري

وقد تسنى لي  قراءة المادة المحولة لي عبر شبكة الاقتصاديين العراقيين والمكتوبة من قبل الزميلين، كما قرأت مداخلة الزميل الدكتور بارق شبر والزميل الدكتور محمد العضب. وإذ اتفق مع الكثير المهم مما ورد في مداخلتيهما، أود إبداء الملاحظات التالية :((تجدون في نهاية هذه الملاحظات دراسة الأخوين الدكتور كمال البصري والأستاذ مضر سباهي بهدف اطلاع القراء على فحوى الدراسة والملاحظات الموجهة لها).

أولاً: لم يبذل الزميلان الفاضلان الدكتور كمال البصري والأستاذ مضر سباهي الجهد الكافي، كما أرى، في تشخيص العلة أو المشكلة المركزية التي تواجه العراق منذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة حتى الوقت الحاضر، وأعني بذلك ابتعادهما عن تشخيص كون النظام السياسي العراقي القائم هو نظام سياسي طائفي قائم على المحاصصة الطائفية المقيتة في السلطات الثلاث وفي جميع أجهزة الدولة ومؤسساته.

ثانياً: إن مثل هذا النظام السياسي لا يأخذ بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية، بل يعتمد قاعدة مخالفة لحقوق الإنسان وشرعته العالمية، يأخذ بقاعدة الهويات الفرعية القاتلة لوحدة الوطن والشعب. وهذا يعني إن هذا النظام يأخذ بالقاعدة غير الإنسانية وغير الأخلاقية، قاعدة التمييز بين المواطنات والمواطنين على أساس الدين والمذهب، وهي التي تتسبب بالتخلي عن الكفاءات الوطنية لصالح الدين والمذهب على نحو خاص وهي جريمة مباشرة وغير مباشرة بحق الوطن والشعب، سواء أدرك المسؤولون أم لم يدركوا ذلك.

ثالثاً: ومثل هذا النظام الطائفي لا يمكن أن يكون رشيداً ولا تتوفر لديه الأرضية الصالحة للرشادة والعقلانية أصلاً، بل يوفر مستلزمات الاستبداد الفكري والسياسي والتهميش والإقصاء للآخر. إنه نظام الفكر ذو العقيدة الواحدة والرأي الواحد ولا يختلف في ذلك عن كل المتطرفين أياً كانت عقيدتهم دينية أو مذهبية أو علمانية.

رابعاً: ومثل هذا النظام لا يحترم الشعب ولا إرادته ولا مصالحه فحسب، بل ويرتكب الكثير جداً من الأخطاء والحماقات والجرائم التي تقود بالضرورة إلى انعدام الانسجام مع المجتمع المتنوع قومياً ودينياً ومذهبياً ويقود إلى صراعات متنوعة وإلى نزاعات دموية كما يعيشها العراق في المرحلة الراهنة.

وكما اشار الدكتور محمد العضب فأنتما تتشبثان بجزء من النتائج السلبية، وهي كثيرة جداً، ولكنكما لا تسعيان إلى الغوص في أعماق الوضع بالعراق والعوامل التي تسببت في ما يعاني منه الوطن والمجتمع في حين ينصحنا الكاتب الخالد العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، صاحب كتاب “المقدمة” بقوله: إنه “لا يكفي أن تصف موج البحر، وظهور السفن، حين تريد أن تتكلم عن حياة البحر .. لا بد لك أن تفهم ما في القاع.. قاع البحر المليء بالغرائب والتيارات والوحوش… وقاع السفينة حيث يجلس عبيد وملاحون إلى المجاديف أياماً كاملةً، يدفعون بسواعدهم بضائع تحملها السفن، وثروات وركاباً .. وينزفون عرقاً، وتتمزق أجسامهم تحت السياط.. أجل، ينبغي أن تعطيني صورة كاملة، عندما تريد أن تقنعني بأمر من الأمور”.  هكذا يفترض أن يعمل الباحثون الاقتصاديون والاجتماعيون وأن لا يقفوا على وعند سطح الأحداث وليس إلى سبر أعماقها.

خامساً: إن السياسة أيها الأخوة هي الوجه الآخر للاقتصاد. وبما أن السياسة طائفية وتمييزية وسطحية وبائسة، نجد تجليات ذلك وانعكاسه الصارخ على الواقع الاقتصادي السيئ الذي يعاني منه العراق.

تتحدثون عن أعلى مستوى معدل للنمو.تحقق بالعراق! تقولان هذا وأنتما تعرفان جيداً الخلل والتشوه البنيوي الذي يعاني منه الاقتصاد العراقي، إذ أن هذا النمو أيها الأخوة مشوه بكل معنى الكلمة، إذ أننا نعيش في دولة ريعية وحيدة الجانب يشكل النفط الخام النسبة العليا من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من 95 % من صادرات العراق. إن الاقتصاد الريعي (النفط) في دولة نامية، حيث يسود التخلف والجهل والأمية والثقافة الضحلة وغياب التنوير الديني، يحولها إلى دولة مستبدة قاهرة واتكالية ومكشوفة على الخارج وبعيدة كل البعد عن الحياة الحرة والديمقراطية وعن حقوق الإنسان. كتب الدكتور أحمد علوي بصواب في مقال له عن “الاقتصاد الريعي ومعضلة الديمقراطية” ما يلي: “تتناسب العلاقة بين العملية الديمقراطية عكسياً مع ازدياد صادرات النفط، أي أنه كلما ازدادت المداخيل النفطية للدول المنتجة للنفط ، تصاب العملية الديمقراطية بالخلل وتتراجع الحريات السياسية. وهذا على عكس ما يجري في البلدان المتطورة. فاستناداً إلى الأبحاث المختلفة، فإن حال الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات السياسية في البلدان المتطورة تتناسب طردياً مع زيادة الناتج الإجمالي الداخلي ومع دخل الفرد(Huntington 1991).  وعلى خلاف ما يجري في الدول المتطورة، فلا تؤدي الزيادة في مداخيل الدولة أو الدخل الوطني في الدول التابعة والريعية إلى التطور السياسي.” (راجع: د. أحمد علوي، تعريب عادل حبة. “الاقتصاد الريعي ومعضلة الديمقراطية”. الحوار المتمدن-العدد: 3540-2011/11/8). إنها مرتبطة بمستوى الوعي والثقافة ولهذا يمكن القول بإن العلاقة جدلية بين ضعف الوعي الاجتماعي والسياسي  والمستوى الثقافي الواطئ بشكل عام وغياب العملية التنويرية تزداد قدرة الحكام على فرض الاستبداد الشمولي والرؤية ذات الوجهة الواحدة، ويزداد دور وعاظ السلاطين على تشويه الحقائق والدفاع عن الدكتاتورية السافرة.

إن الفئة الحاكمة بالعراق تحولت إلى فئة رثة تعتمد الفساد المالي والإداري كنظام قائم بذاته يسود في كامل سلطات ومفاصل الدولة والحكومة والمجتمع في آن واحد. إنها المعضلة أخي الفاضل دكتور كمال البصري وأخي الفاضل الأستاذ  مضر سباهي.

هذه ملاحظات سريعة وأملي أن تكون مفيدة.

*) باحث وكاتب إقفتصادي وسياسي 12/7/2014 

كل المقالات المنشورة على الموقع لاتعكس وجهة نظر هيئة تحرير شبكة الإقتصاديين العراقيين وانما وجهة نظر كاتبها فقط والذي لوحده يتحمل المسؤولية العلمية والقانونية

Comments (2)

  1. Avatar
    عمار القطب:

    اتمنى من السادة الابتعاد عن النظريات الاقتصادية لقد سقنا جمهورنا الى كوارث هذه النظريات ولم نجد لحد الان ما يناسب وضعنا في العراق
    نحن الان نواجه كارثة انهيار الجهاز المصرفي الخاص والا كيف نفسر انهيار خمسة مصارف اهلية في سنتين ولماذا لم نتسائل عن مودعي هذه المصارف وهم مادة السياسة النقدية لقد افقدنا العراقيين الثقة بقطاعنا المصرفي تماما وهو زلزال يجب علينا الوقوف والتفكير مليا في نتائجه ولاذكر لكم سادتي مثال على اسلوب معالجة المركزي لهذه المحنة ففي جو مشحون اشار وصي مصرف الاقتصاد الى مسؤوليتنا نحن المودعين في عدم القبض على السيد مهند حسام عبيد مالك مصرف الاقتصاد وتركه يهرب من العراق باعتباه هو من سرق ودائعنا انها مسخرة و خاصة اذا اطلع اي خبير مصرفي خارج العراق على سلوك البنك المركزي في سعيه لاستعادة اموال المودعين
    ان افتقاد الجدية والحرفية في اشراف البنك المركزي على المصارف الاهلية هو السبب الاول وفساد المسؤولين عن الرقابة
    اما زيارتي اليوم للبنك المركزي فقد اكدت لي اننا في اجواء فوضوية وعدم قدرتي تخطي موظفي الاستعلامات ومقابلة اي من المسؤولين فهو دليل على خسارتنا كل تعب السنين
    اشكر لكم قرائتكم

  2. Avatar
    د.مجيب حسن محمد:

    احسنت الوصف ، استاذنا الفاضل د.كاظم حبيب ، نعم إن ((إن الفئة الحاكمة بالعراق تحولت إلى فئة رثة تعتمد الفساد المالي والإداري كنظام قائم بذاته يسود في كامل سلطات ومفاصل الدولة والحكومة والمجتمع في آن واحد)). وان هذه الفئة قادرة على(( فرض الاستبداد الشمولي والرؤية ذات الوجهة الواحدة )) ، وهناك من وعاظ السلاطين من يتبنى اطروحاتها ويصفق لها املا في ما ترميه له من بقايا الفتات…

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: