قطاع التربية والتعليم العالي

أ. د. محمد الربيعي: ايهما افضل وزارتين او وزارة واحدة للتربية والتعليم العالي؟

حول احتمال دمج وزارتي التربية والتعليم العالي في وزارة واحدة في الحكومة الجديدة

توجد في عدد من الدول المتطورة وزارة واحدة للتعليم الاولي والتعليم الثانوي والتعليم العالي الا ان الجامعات في هذه الدول تمتلك استقلالية اكاديمية وادارة ذاتية ومالية مستقلة. لذا انا اتفق مع دمج الوزارتين اذا منحت الجامعات استقلاليتها كما هو عليه في استراتيجية التربية والتعليم العالي للسنوات 2011 الى 2020 ، والا فالخطوة بدون الاستقلالية ستكون وبالا على التعليم كله بصورة عامة وستصيبه نكسة كبيرة وفوضى عارمة. الخطورة تكمن في تركيز المهمات في سلطة واحدة ذات نفوذ بالغ مما قد يؤدي الى اخطاء بالغة تؤثر بعمق على التعليم الاولي والعالي بنفس الدرجة وذلك لان نظام التعليم العالي يختلف من النواحي الادارية والبيدوغوجية بدرجة كبيرة عن نظام التعليم الاولي والثانوي. كما انه سيصبح من الصعب ايجاد مسؤول عالي ترتبط فيه صفة الكفاءة والخبرة في الحقلين‏. لذا فالسؤال المهم هو من المسؤول الكفء الذي سيقود ويدير عملية الادارة والتحديث‏ في المدارس والجامعات على حد سواء.‏ فعملية تحديث وتطوير التعليم في كل مراحله تحتاج إلي كفاءة وجرأة في التخطيط وقابلية وجدية في التنفيذ‏.‏ المشكلة الكبرى والاساسية في التعليم الثانوي ليست فقط في البنايات والمدرسين وانما ايضا في تخلف جودة التعليم والذي يدفع بافواج من “الاميين” الى الجامعات والتي بدورها نتيجة لتخلف مخرجاتها التعليمية لا تمنحهم تدريبا كافيا وتعيدهم كمدرسين الى وزارة التربية لتستمر الحلقة المفرغة. ولربما يتوجب دراسة تجربة المغرب والكويت حيث تم فصل وزارتي التربية عن التعليم العالي لتصبح وزارتين بوزيرين.. فلماذا ندمج نحن الوزارتين بدون تغير جوهري في ادارة الجامعات والمدارس لكي نعود يوما ما الى فصلهما. الدمج في حالتنا هذه يفتقر الى التبرير الموضوعي لعدم وجود دراسة جدوى اقتصادية وادارية ونحن في غنى عن تجربة قد تكون كلفتها باهضة لمجرد قرار سياسي بحت.

وفي حالة دمج الوزارتين سيصبح ضروريا فصل البحث العلمي والابتكار عن الوزارة الجديدة وذلك بانشاء مؤسسة للبحث العلمي والابتكار مرتبطة بمجلس الوزراء، او بوزارة العلوم والتكنولوجيا في حالة عدم الغاء هذه الوزارة جريا وراء الرغبة بتقليص عدد الوزارات.  وتجربة مصر في هذا المجال غنية حيث تم دمج وزارة البحث العلمي مع وزارة التعليم العالي اكثر من مرة، وايضا انفصلت في العديد من المرات ومع هذا فوضعية البحث العلمي الهزيلة لم تتغير كثيرا وبالرغم من ان الدستور الجديد في مصر وضع 1% كنسبة لتمويل المشروعات الخاصة بالبحث العلمي.

استقلال الجامعة يحمل طابع متعدد الأبعاد. هناك قائمة واسعة الابعاد، ولكن الاتفاق إلى حد كبير على ثلاثة، هي الاستقلالية المؤسساتية، والاستقلال المالي، والاستقلال الأكاديمي. وعلى الرغم من أن فكرة الاستقلالية في الجامعات مقبولة من قبل الدولة ووزارة التعليم العالي والهيئات الاكاديمية للجامعات ويدعو لها ويتمناها كل رؤوساء الجامعات الا انها لم تطرح بصورة مشروع ممكن التحقيق عن طريق التشريع، ويبدو أن الموضوع لا يتعدى رغبات تطرح في كواليس الجامعات والوزارة والبرلمان الا انها سرعان ما تصطدم بجدران النظام الاداري المركزي البيروقراطي والروتيني العراقي. كما ان الشعور العام باحتمالات نشر الفوضى بانتشار اللامركزية الادارية، وعدم الايمان بان الاختلاف والمنافسة يمكنها ان تدفع الجامعات نحو التطور والرقي بصورة افضل من معاملتها من قبل جهة مركزية واحدة وبصورة متساوية كأسنان المشط مما يساهم في ترسيخ الطريقة المركزية في توجيه وادارة الجامعات ومعالجة مشاكلها. هناك مسؤولين داخل الجهاز الاداري للدولة يرغبون في تشغيل الجامعات بحكم تعريفها كدائرة حكومية مثلها مثل “امانة العاصمة” وضمن شروط عمل الاكاديمي كموظف دولة، الا انه في الجانب الآخرعندما ندعو للاستقلالية لا نعني اعتبار الجامعة كشركة تجارية او مؤسسة اهلية.

انها اليوم فرصة ثمينة لكي نحقق استقلالية الجامعات ولكن المشروع يجب ان ينفذ في نفس الوقت الذي تدمج فيه الوزارتين ولا يترك للوزارة الجديدة تنفيذ (او عدم تنفيذ) هذا القرار .

وكاسلوب عملي لبداية الطريق وعلى أساسه يتم الفصل بين مركزية التخطيط والاشراف من قبل الوزارة، واستقلالية الشؤون الادارية والاكاديمية للجامعات. وبحسب هذا الاقتراح تتضمن مسؤوليات الوزارة بالنسبة للجامعات التخطيط، ووضع الاطار العام للسياسات لتطوير التعليم الجامعي واعداد الدراسات التربوية، ومعادلة وتصديق الشهادات وارسال البعثات الدراسية الى خارج العراق والاشراف على المكاتب الثقافية في الخارج، بينما تحكم الجامعات نفسها بنفسها وذلك بتشكيل مجلس أمناء لكل جامعة لغرض الاشراف على ادارة اعمالها، وان تدار الشؤون الادارية والاكاديمية والمالية من قبل مجلس أداري/أكاديمي حسب نظام داخلي خاص بالجامعة. اما المالية والترخيص والمراقبة فيكون مرتبطا بمجلس الوزراء ويحتفظ باستقلالية ذاتية. وتدار هذه الوظائف بالاضافة الى مسؤولية ضمان الجودة والاعتماد من قبل هيئة وطنية عليا او مجلس استشاري يضم ممثلين عن جميع اصحاب المصالح المتعلقة والفئات صاحبة المصلحة والقطاع الخاص وعلماء وخبراء تربويين من داخل وخارج العراق.

إن الالتزام بأسس تربوية حديثة لاصلاح التعليم الاولي والثانوي والعالي سيتطلب تطبيق رؤية استراتيجية جديدة تستهدف النهوض بالتعليم مبنية على تدريب المهارات لسد حاجة السوق‏ والمجتمع في نظامنا التعليمي مهما كانت النفقات المطلوبة له ومهما تغيرت الحكومات وأيا ما كان الوزير المختص بالتعليم‏، ومن شأن هذا المشروع الوطني لتحديث التعليم أن يساهم في دفع عجلة التطور والاستقرار وفي حل مشاكلنا الاجتماعية ويضيف إلي اقتصادنا تراكما عظيما من رأس المال البشري الذي يمثل العمود الفقري لأي تنمية في المجتمع‏. هذا هو رأي لعلي ان اكون قد اصبت فيما فهمته وما كتبته.

*) أستاذ جامعي وخبير في شئون التعليم والتنمية البشرية

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: