النفط والغاز والطاقة

د. حسين علاوي: رؤية للطاقة في العراق: عام 2015 وما بعده

شابت إدارة الموارد الطبيعية والطاقة في العراق سنوات من الأخطاء في السياسة العامة، وواجهتها تحديات أمنية مختلفة ازدادت منذ بداية هجوم دولة العراق والشام الإسلامية (داعش) في حزيران/يونيو عام 2014. ويتوجب الآن على صناع القرار والعلماء في العراق العمل على صياغة استراتيجية متكاملة للطاقة توفر إطاراً واضحاً لزيادة إنتاج النفط، وتطوير الطاقة المتجددة والطاقة النووية والاستفادة من مصادر جديدة للمياه.

هجوم داعش

إن استيلاء داعش على 3 حقول نفطية في صلاح الدين والموصل ووقف الإنتاج في كركوك يُنظر إليه بشكل عام على أنه دمرَّ إجمالي إنتاج النفط في العراق. وهذا الاعتقاد الواسع الانتشار لا يعدو غير مغالطة إذ أن انتاج النفط في الجنوب مستمر في الازدهار خاصة في ظل قيام الحكومة الاتحادية بمنح رخص إضافية للاستخراج والاستكشاف لشركات أجنبية. إن الحقول الجنوبية، والمعروفة باسم “الحقول الخضراء،” تعتبر البوابة الرئيسية إلى الخليج العربي وتمثل بقرة حلوب أبدية للحكومة العراقية.

الإنتاج، والترخيص والاستثمار الأجنبي

مع ازدهار الإنتاج في الجنوب، فإن قطاع النفط والطاقة في العراق هو في وضع جيد نسبياً ولكنه أحادي الجانب ، وبغية تحقيق ثورة حقيقية في قطاع الطاقة، هناك حاجة لاختراقات كبيرة في تكرير النفط، والتصنيع، ومعالجة الغاز الطبيعي، والبتروكيماويات. ويمكن لهذه القطاعات أن تُعيد تشكيل مشهد قطاع الطاقة العراقي، وترفعَ كلاً من الإنتاج والاستثمار الأجنبي. إن تنفيذ مبادرات كهذه يتم من خلال سياسة حكومية موحدة تؤكد على أهمية تطوير الصناعات المتنوعة.

لقد اتخذ العراق سلسلة من التدابير الرامية إلى زيادة إنتاج النفط وجذب الاستثمار الأجنبي. ففي عام 2010، صدر مرسوم حكومي برفع حجم الاحتياطيات النفطية إلى 143 مليار برميل، وزيادة الإنتاج إلى 2 مليون برميل يومياً. ويسعى العراق، بحلول عام 2017، لزيادة الإنتاج إلى 4 ملايين برميل يومياً وزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، فضلاً عن زيادة عدد التراخيص الصادرة للمستثمرين الأجانب. وتشكك وكالة الطاقة الدولية (IEA) بتوقعات العراق الطموحة حيث أن القدرة القصوى للعراق لا يمكن أن تنتج أكثر من 5 إلى 6 ملايين برميل يومياً. ونتيجة لصعوبات الإنتاج الحالية، فإنه من غير الواقعي للعراق تقديم استراتيجيات واضحة وجداول بالأرقام لوكالة الطاقة الدولية. ومع ذلك، يبدو أن المستثمرين والشركات الدولية تسير قُدماً في تعهداتها للحصول على تراخيص التنقيب والحفر اللازمة للمساعدة في زيادة الانتاج. وفي الآونة الأخيرة، ساهمت الشركات الأجنبية التي قامت بالحفر في الرميلة وغرب القرنة، بنسبة 10 في المائة في زيادة الإنتاج النفطي العراقي .

التعليم والتعلم

إن الاستثمار الأجنبي المباشر ليس هو الحل الوحيد لمعالجة اهتمامات وأهداف صناعة الطاقة في العراق. إن الخطوة الأولى لتعزيز قطاع الطاقة هو الاستثمار في رأس المال البشري والبحوث. وينبغي أن تعكس المناهج الدراسية في المدارس المهنية والجامعات الحاجة لتحسين قطاع الطاقة. الجانب الحاسم الآخر في إدارة رأس المال البشري هو الإدارة الحاذقة للموارد البشرية والتوظيف. ويتوفر لدى العراق عدد من الموارد والشركات الدولية مثل شيفرون، أكسون موبيل، وهاليبرتون، برتش بتروليوم ، والتي يمكن أن تلعب دوراً محورياً في تقديم الخبرة التقنية والتعليمية للحكومة الطلبة على حد سواء.

الكهرباء ومحطات الإنتاج

تنتج الشبكة الوطنية العراقية حالياً 9,000 ميغاوات على الرغم من أن الطلب الاستهلاكي هو 17,000. ويؤدي هذا النقص إلى التعتيم وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر خلال ساعات الذروة وأشهر الصيف الحارة.

وتسعى وزارة الكهرباء لزيادة الإنتاج إلى 40,000 ميغاوات بحلول عام 2030 للقضاء تماماً على أزمة الكهرباء. كما أن الحفاظ على الوقود واستخدام الغاز الطبيعي النظيف سيكون نقطة محورية في توفير الكهرباء الآمن والنظيف. وهناك تطور آخر لقطاع الطاقة متمثلاً بشراكة العراق مع شركة سيمنس وشركة جنرال الكتريك لتصنيع توربينات خاصة بتوليد الطاقة ، وتحديث محطات الطاقة المهملة التي عفا عليها الزمن. وللأسف، فإن هذا المشروع هو قيد الانتظار بسبب المخاوف الأمنية المستمرة. ويُعتقد أنه في السنوات القادمة ستوفر البتروكيماويات ما مقداره 1/3 من إجمالي عرض الطاقة العراقي.

الطاقة النووية

إن تطوير التكنولوجيا النووية السلمية سيساعد العراق في إحياء قطاعه الزراعي وجميع جوانب التصنيع. فهذه المحطات النووية حيوية لتسريع عملية إعادة الإعمار، وتقليل الاعتماد على استيراد المواد الأجنبية. بحلول عام 2020 سيصل عدد سكان العراق إلى 44 مليون، ويُتوقع وصول عدد إضافي يُقدر بـحدود 5 ملايين من العمال المهاجرين. ويمكن للتكنولوجيا النووية السلمية أن تساعد في التخفيف من أعباء تزايد عدد السكان على الطلب لقطاع التوليد للكهرباء في العراق .

الطاقة المتجددة

العراق ما زال بعيداً عدة سنوات عن استخدام مصادر الطاقة المتجددة وطاقة الرياح والطاقة الشمسية. يجب تنفيذ هذه المبادرة بالتعاون مع المستثمرين الأجانب إذ أن الحكومة العراقية منشغلة في تطوير الوقود وموارد الطاقة السائلة والصلبة. يجب أن يكون توجه العراق لتطوير الطاقة المتجددة على غرار القانون الأمريكي للاسترداد وإعادة الاستثمار لسنة 2009 (The American Recovery and Reinvestment Act of 2009). هذه الخطة بعيدة المدى ستؤدي إلى زيادة الإيرادات، وإنتاج الطاقة والاستثمارات طويلة الأجل في قطاع الطاقة العراقي.

الانبعاثات الصفرية، والتلوث، والهواء النظيف

تعتبر بغداد واحدة من أكثر المدن تلوثاً في منطقة الشرق الأوسط وأن المزيد من الاستكشاف والاستخراج والحفر قد يزيد من الإضرار بالبيئة. يجب لذلك على المنظمات الدولية والشركات الأجنبية والحكومة العراقية صياغة سياسة للانبعاثات المنخفضة والهواء النقي لضمان استخدام التكتيكات الأكثر صديقة للبيئة فقط في التنقيب على النفط ، كما يجب عليها الالتزام بالبروتوكولات الدولية التي تحمي المواطنين من الغازات الضارة والملوثات.

المخطط العامودي مقابل الأفقي

العراق قادر على انتاج وتصدير البنزين عالي الجودة. وقد أخذ العالم يتحول حالياً نحو مخطط أفقي يقوم على تفضيل تشييد المنشاءات الاستثمارية للمشتقات النفطية أفضل من بيع النفط الخام الى الخارج فقط . وينبغي أيضاً أن تنفذ هذه الاستراتيجية في العراق لأنها سوف تعود بالفائدة على كل العراقيين والمستفيدين من صادرات النفط ، وبالتالي نعمل على زيادة القيمة المضافة للنفط .

إمدادات المياه

لقد أرغم نقص المياه في حوض دجلة والفرات على شرب المياه غير الصحية في بعض الاحيان ، وهناك حاجة إلى إجراءات صارمة لعكس هذا الاتجاه، وتوفير إمدادات مياه آمنة ونظيفة لجميع السكان. وقد اتخذت الحكومة العديد من المبادرات لتطوير البحيرات الاصطناعية، والسدود والقنوات لوضع حد للنقص. إن الاستفادة من إمدادات المياه الجديدة وخلق فائض يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في الإنتاج الزراعي والصادرات ذات الصلة. وينبغي أن ترافق هذه الجهود جهوداً لتطوير المولدات الكهرومائية التي تنتج الطاقة النظيفة والمستدامة.

الحرب على المياه

ركّزت كيان داعش الارهابي على الاستيلاء على السدود والخزانات الرئيسية للضغط على السكان والسلطات المحلية للخضوع لها. إن قطع امدادات المياه عن بغداد يمكن أن يؤدي إلى أزمة إنسانية وكارثة في بلدٍ هو أصلاً متعطش للمياه. ومن أجل تحقيق التقدم، فإن إمدادات المياه ستصبح حتى أكثر أهمية من النفط في العراق. إن المزيد من المكاسب لكيان داعش الارهابي في المناطق المحيطة بالسدود ومنافذ المياه الرئيسية يمكن أن تضغط على السلطات الاتحادية لمواجهة الإرهابيين قرب السدودو من اجل تجنب السيناريو الأسوأ.

الميزانية واستثمارات

يجب على وزارة المالية تقديم موازنة محددة لتطوير البنى التحتية للطاقة في العراق. وستكون هذه الأموال المغذية للموازنة مستمدة مباشرة من عائدات النفط الجديدة . حالياً، تُقدّر قيمة عائدات النفط السنوية بنحو 100-120 مليار دولار بافتراض أن متوسط القيمة السوقية هو 56 دولار لبرميل النفط. وينبغي أن تستند موازنة العراق الاتحادية على نمط جديد من موازنة البرامج والاداء بدلاً من البنود والجداول والرسوم التي تفشل في توفير نظرة واقعية للقُدرات والمُحددات والاداء الاستراتيجية للمالية العامة الاتحادية ، ولو نظرنا الى الولايات المتحدة، كدولة اتحادية ،  قامت بتنفيذ نظام “الموازنة المقابلة” (“counterbalance”) لإدارة الاستثمارات والعوائد ووضع الموازنة ، ويمكن تطبيق نظام مماثل في العراق وبعد ذلك تحويل الاقتصاد من اقتصاد قائم على النفط إلى نموذج دائري ومتنوع ومرن (circular, diverse and flexible model). فالقطاعات والشرائح الجديدة في الاقتصاد ستؤدي إلى المزيد من العائدات التي يمكن ضخها في صناعة الطاقة المزدهرة. وعلاوة على ذلك، فإن تنويع الاقتصاد سيُحسّن العلاقات مع المستثمرين الأجانب، ويساهم في بناء الثقة وتوسيع دورة كل استثمار.

المستقبل: المخططات السياسية والسياسة

تبنى الدكتور حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي الجديد، عدداً من الاستراتيجيات المتعلقة بالطاقة، والصناعة التحويلية، وإمدادات المياه، وبالتالي من المتوقع ان يقوم مجلس الوزراء بتقديم خطة وإطار (platform and framework) واضح لتحقيق إطار استراتيجية الطاقة من 2014-2017. لقد فشلت الجهود المماثلة في الماضي لأن الحكومة والوزراء كانوا غير قادرين على الإدراك الكامل لقوة العراق الاستراتيجية في عهد المالكي الثاني نتيجة للصراع السياسي ، وضعفه، والفرص المتاحة له في تنمية الطاقة. والمسار الحالي لي عهد الدكتور حيدر العبادي سيعمل على زيادة إنتاج النفط واستخدام الموارد في عملية التنمية هو خطوة في الاتجاه الصحيح إلا أنه يستلزم بذل جهود جماعية أكبر ليبدأ الاستكشاف على نطاق واسع. ويجب تنفيذ هذه المهام الرائدة من قبل كل من وزارة النفط الاتحادية والمؤسسات المدنية والعلمية للوزارة ، ولذلك نجد انه من الضروري ان تبنى استراتيجية الطاقة في العراق للاعوام 2015 – 2018 على الاهداف التالية :-

  • زيادة إنتاج النفط اليومي من 2.5 مليون برميل إلى 6-9 مليون برميل.
  • إنشاء المصافي في كل محافظة نفطية .
  • تطوير قطاع الغاز.
  • تنويع الصناعات التحويلية والثقيلة.
  • زيادة فائض الطاقة الوطني.
  • تطوير رأس المال البشري والعمال المزودين بالمعرفة لخدمة الصناعات المتنوعة.
  • تطوير أنظمة دقيقة للإشراف على ادارة قطاع النفط لاستخدامها من قبل وزارة النفط الاتحادية .
  • تحسين شبكات النقل لزيادة الصادرات النفطية .
  • تطوير الغاز، والطاقة المتجددة، والكهرومائية والصناعات المتخصصة بإدارة الموارد
  • زيادة إمدادات المياه من خلال القيام بمبادرات مع كل من دول المنبع (تركيا وإيران).
  • وضع نظام قوي للإدارة الاستراتيجية والإشراف على قطاع الطاقة.
  • إقامة تعاون استراتيجي وتقني مع المجتمع الدولي، أي مع الولايات المتحدة، لحماية وتحسين وتطوير قطاع الطاقة في العراق .

إن الرؤية المرسومة للطاقة في العراق طموحة ومع ذلك فإنها واعدة وجذابة. إن تحقيق طفرة في إمدادات الطاقة والصادرات يمكن أن يُنعش الاقتصاد العراقي الذي تراجع نتيجة للاضطراب السياسي المستمر والتحديات الأمنية مابعد مرحلة كيان داعش الارهابي .

إن توسيع قطاع الطاقة يمكن أن يخلق الآلاف من فرص العمل ويساعد العراق في استعادة مركزه السابق كأكبر منتج ومصدر في أوبك.

(*) خبير الامن الوطني في كلية العلوم السياسية لجامعة النهرين، عضو الهيئة الاستشارية للعلوم السياسية في بيت الحكمة والمدير التنفيذي لمركز اكد للقضايا الإستراتيجية والدراسات المستقبلية

(**) ترجم المقال من اللغة الانكليزية بطلب من شبكة الإقتصاديين العراقيين الاستاذ مصباح كمال.عنوان المقال باللغة الانكليزية:

 Iraq’s Energy Vision: 2015 and Beyond, BY: DR. HUSSEIN ALLAWI, Iraq Monitor
اhttp://iraqimonitor.com/project/iraqs-energy-vision-2015-and-beyond
 

حقوق النشر للترجمة العربية محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس وبأعادة النشر بشرك الاشارة الى المصدر

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: