قطاع التربية والتعليم العالي

د . عبد علي عوض: الطلبة المبتعثون … وأسـعار أطاريح الدكتوراة … إحدى صوَر إنهيار التعليم العالي!

أمس كنتُ أتحدث عن طريق سـكايـبي مع صديق عزيز عليّ مقيم في مدينة كييف، وكألعادة مثل غيرنا من العراقيين جرى نقاشـنا حول أوضاع العراق وذكرى مرور سنة على سقوط الموصل والفساد المسـتشـري في جميع مفاصل الدولة، ثمَّ إنتقل حديثنا حول واقع التعليم العالي في العراق  ووضعية وسلوكيات طلبة الدكتوراة العراقيين الدارسين في جامعة كييف ومعاهدها، وقد صرّحَ لي بأمور تبيّن كيف أنّ أولئك الطلبة يستخفون ويستهترون بالعلم، إذ جعلوه سلعة رخيصة من خلال دفع المبالغ النقدية للمشرفين على رسائل الدكتوراة الذين يقومون شخصياً بكتابة الأطاريح نيابةً عن طلبتهم! … بدأ حديثه عن لقائه بأحد طلبة الدكتوراة العراقيين في كييف وسأله عن أحواله الدراسية وهل أنَّ هنالك صعوبات تواجهه لانجاز الأطروحة، فكان جواب طالب الدكتوراة مصحوباً بسخرية كألتالي: إتفقتُ مع المشرف على الرسالة أنْ أدفع له مبلغ (10000-عشرة آلاف دولار) لانجاز الأطروحة بحيث كلما ينجزَ فصلاً أدفع له جزءً من المبلغ … أُصيبَ صديقي بالدهشة وقال للطالب – إنه مبلغ كبير، فأجابه دكتور المستقبل – بالعكس حيث أنّ جميع المشرفين يتقاضون مبلغ 12000 دولار (أروع بزنس!)، ثمّ إستغرَبَ الصديق موجهاً السؤال التالي: لماذا لاتكتب أنتَ الأطروحة؟ فردَّ عليه الطالب معترفاً بأنه ضعيف باللغة الروسية ولم يكن جاداً بدراستها (شيء عجيب – ماذا كان يفعل خلال السنتين المنصرمتَين وكيف أنجزَ رسالة الماجستير… من الواضح بنفس الأسلوب!)… ثم تلاه بسؤال آخر: كيف ستقف أمام المجلس العلمي لمناقشة الاطروحة؟.. أجابه الطالب بأنه إتفق مع المشرف على تقديم مبلغ معيّن (رشوة) لكل عضو في المجلس. هذا يعني إجراء مناقشة شكلية! … إلى هنا إنتهت المهزلة السوداء.

هنا يجب التأكيد على مسألة مهمة ألا وهي إنّ إسم الدولة والجامعة والمعهد وحدها ليست مقياساً لتفوّق وكفاءة الطالب علمياً بمجرد حصوله على شهادة الدكتوراة، بَل نشاطه العلمي ومتابعاته في مجال مستجدات البحوث العلمية هي التي تثبت ذلك.

من خلال الصورة القاتمة أعلاه نستشف أنّ هنالك أسباب أدّت إلى إستخفاف وغياب إلتزام الطالب تجاه الاثراء العلمي لخدمة بلده ومنها:

1-تأكد الطالب من حصوله على العمل بعد عودته إلى البلد لكونه مبتعث الدولة، فلن تكون هنالك أية مشاكل.

2- المخصصات المالية الشهرية العالية (2000 دولار) لكل طالب، وهذا المبلغ يعادل الراتب الشهري لوكيل وزير في الحكومة الأوكراينية! … لذا كان من المفترض ألاّ تتجاوز المخصصات الشهرية أكثر من 500 دولار كحد أعلى، لأنَّ مستوى الأسعار في أوكرانيا منخفض جداً.

3- إسكان الطلبة في شقق سكنية ألتي تحولّت بدورها إلى أمكنة للهو … كان من الأفضل إسكانهم في الاقسام الداخلية ألتي يقطنها الطلبة الأوكرانيون، وهذا الاجراء له مردودات إجابية من ناحيتي رفع المستوى العلمي للطلبة العراقيين وتقوية مستواهم اللغوي من خلال إحتكاكهم بزملائهم الأوكراينيين.

4- غياب المتابعة للواقع الدراسي للطلبة من قبل الملحقية الثقافية في كييف ألتي تمَّ إغلاقها (وهو خير ما فعلته الوزارة).

إنَّ آخِر ما أريد التأكيد عليه هو ضرورة القيام بعملية فلترة لأولئك العائدين بشهادات الدكتوراة عن طريق إجراء إختبار عملي لهم في مجالي الاختصاص العلمي واللغة ألتي درس بواسطتها إختصاصه، حيث أنّ اللغة تمثل شريان التحصيل العلمي، ومَن يفشل في الاختبار يتوجب عليه دفع وإعادة جميع النفقات المالية ألتي أنفقتها عليه الدولة، ويتم طرده من الوسط العلمي… بهذا الاجراء يمكن إيقاف التدهور والحفاظ على الحد الأدنى من المستوى العلمي.

(*) باحث اقتصادي عراقي

الاراء الواردة في كل المواد المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة التحرير وانما وجهة نظر كاتبها وهو الذي يتحمل المسؤولية العملية والقانونية لوحده

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: