د. سمير حسن ليلو*: تأثير هبوط أسعار النفط على الاقتصاد وعلى التنمية المستدامة في العراق

Download PDF المقدمة: تشير العديد من التقارير والدراسات الاقتصادية المتخصصة وكل المراقبين للشأن النفطي إلى أننا في مرحلة تغير تاريخية للأدوار التي تحكم سوق النفط بعد أنهيار أسعارة منذ منتصف […]

Download PDF

المقدمة:
تشير العديد من التقارير والدراسات الاقتصادية المتخصصة وكل المراقبين للشأن النفطي إلى أننا في مرحلة تغير تاريخية للأدوار التي تحكم سوق النفط بعد أنهيار أسعارة منذ منتصف صيف عام (2014) وإلى الآن. إذ هبطت أسعار النفط بكل أنواعها من معدل (100)$/للبرميل (خام برنت) إلى أقل من (40)$/للبرميل أي فقدت أكثر من 60% من قيمتها السابقة. كانت المملكة العربية السعودية- تعاضدها دول الخليج المرتبطة بمجلس التعاون الخليجي- تتحكم في أسعار النفط العالمي من خلال زيادة أو نقصان الطاقة الأنتاجية والتصدير لما تتمتع به من قدرات أنتاجية فائقة (Swing producer). لكن الأمر تغيّر الآن، ففي اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفظ (أوبك) في العاصمة النمساوية في27 نوفمبر (2014) سلمت المسؤوليه إلى قوى السوق لتحديد الاسعار، ولم يلق قرار أوبك الأبقاء على إنتاج (31.700) مليون برميل يومياً دون أي تغيير تأييداً من قبل جميع الأعضاء وعارض القرار بشدة كلا من العراق والجزائر وفنزويلا ونايجيريا بأعتبار أنهما الأكثر تضرراً لأعتماد اقتصادهما على النفط بشكل مفرط.
1-توفر النفط في الأسواق العالمية:
وقد أفضى ترك أسعار النفط الخام وفق قوى السوق إلى ولادة أستراتيجية جديدة للطاقة لدى السعودية ونظرائها الخليجيين، وذلك بأنتقال دور المنتج المرحج إلى دولة لم تخطر على البال قط إلا وهي الولايات المتحدة الأمريكية حسب رؤية المحلل النفطي المعروف “Daniel Yergin”(1)، هذا بالأضافة إلى وجود ثورة في الانتاج غير التقليدي للنفط والغاز في الولايات المتحدة وكندا وهو النفط والغاز الرملي والصخري. (Sand and shale oil and gas)
كما عزز من ذلك حصول تطور في تكنولوجيا التكسير الهيدروليكي
(Hydraulic fracturing) مما هبط من تكاليف الاستخراج إلى
(25-35)$/للبرميل(2)، جنبا لجنب مع تكنولوجيا الحفر الأفقي، إذ بخلاف الحفر العمودي الذي كان سائداً حتى وقت قريب، فأن التقانة المذكورة تمكن من الوصول إلى المكامن البترولية التي كانت عصيّة على التنقيب والاستخراج معاً بما في ذلك النفط في أعماق البحار والمحيط الأطلسي المقابل للبرازيل والمحيط المتجمد الشمالي، وبالتالي أزداد الاحتياطي النفطي الأمريكي بشكل ملحوظ، بعد أن كانت الولايات المتحدة المستورد الأكبر للنفط من دول الشرق الأوسط، هذا وسيصبح بمقدورها في المستقبل المنظور أن تحقق استقلالاً تاماً من الاعتماد على نفط الشرق الأوسط أو أي مصدر آخر في العالم(3) (4). بل وأكثر من ذلك سوف تسمح قوانينها بتصدير النفط وبمعدلات كبيرة إلى الأسواق العالمية في غضون السنوات القليلة القادمة، وكان ذلك ضمن أستراتيجية الطاقة الأميركية بعيدة المدى. ولابد من التأكيد هنا على أن الأسواق العالمية للنفط لم تشهد زيادة في الأنتاج بقدر الزيادة الحالية. فقد أزداد الأنتاج النفطي في كلاً من السعودية والعراق وروسيا التي بلغ أنتاجها حالياً (10) مليون برميل/يوم، كما وصل انتاج الولايات المتحدة لهذا الرقم أيضاً وفي اقطاراً أخرى عديده بحيث بلغ الفائض المعروض عن الطلب بمقدار 3.5 مليون برميل/يوم.
وهناك دول شرق أفريقيا التي طورت صناعاتها النفطية، ومن بينها موزبيق وتنزانيا وأوغندا وكينيا ومدغشقر والسودان وجنوب السودان، ومن المتوقع أن تتطور صناعة النفط في كلا من أوغندا ومدغشقر، ولما تتمتع به موزنبيق من أحتياطي من الغاز الطبيعي يبلغ نحو (75) ترليون قدم مكعب وفي تنزانيا (20) ترليون قدم مكعب(5) وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن معظم محطات الطاقة الكهربائية في العالم تميل إلى التحول نحو استخدام الغاز الطبيعي بدل النفط والفحم الحجري كونه نظيف وارخص ثمناً.
أن توقيع الاتفاق النووي النهائي بين أيران ودول (1+5) في مدينة لوزان السويسرية سوف يلعب دوراً كبيراً في هبوط أسعار النفط بعد رفع العقوبات النفطية المفروضه على أيران بالكامل في غضون العام القادم، وعلى الرغم من أن الفترة التي يطلبها الطرفان للتأكد من نية كل طرف بالالتزام بالشروط المطلوبة للعودة إلى الحالة الطبيعية، إلا أنه عاجلاً أم آجلاً لابد من أن أيران سوف تزود الأسواق النفطية بأمدادات لا يستهان بها بعد غياب طويل، وبالتالي سوف تؤدي المضاربات في بورصات النفط إلى المزيد من الهبوط في الأسعار. ويذكر أن السلطات البترولية الإيرانية تحاول منذ ثمانينات القرن الماضي، زيادة الطاقة الأنتاجية نحو (4) ملايين برميل/يوم، إلا أن ذلك لم يتحقق أذ بلغ الأنتاج الحالي بين (3-3.5) مليون برميل/يوم يصرف غالبيته على الاستهلاك المحلي ويصدّر حوالي 1 مليون برميل/يوم. وتحاول الإدارة الإيرانية من الآن فتح باب المحادثات مع شركات النفط العالمية لتوطيد العلاقات المباشرة لتطوير وصيانة حقولها النفطية التي أصابها الضرر وأدى إلى تقلص أنتاجيتها. وعلى الرغم من أن توطيد العلاقات مع شركات النفط العالمية يتطلب فترة طويلة من الزمن، قبل البدء فعلاً في مرحلة التطوير والاستكشاف فأن زيادة الأنتاج أمر لا محال منه في المستقبل مما يزيد من عرض النفط في الاسواق العالمية بشكل ملحوظ(6).
هذا ومن جانب آخر فقد شهدت الاقتصادات الأسيوية وبالذات الصين والهند تراجعاً في النمو والذي كان في السنين السابقة (10-12%) بينما وصل (7-8%) خلال العام الحالي خلافاً لما كان متوقعاً. ولا يلوح في الأفق مايشير إلى زيادة في معدل النمو لتلك البلدان المستهلكة الأكبر للنفط الشرق أوسطى.
لم يحصل أي تعاون بين الدول المنتجة للنفط في العالم خارج منظمة أوبك دول المنظمة لأتخاذ سياسة مشتركة للسيطرة على أسعار النفط، وأيقاف الهبوط وتحقيق الاستقرار، فأن دعوة الدول غير الأعضاء للمشاركة في تحمل مسئولية التعامل مع التخمة في الأسواق النفطية، قد لاقت رفضاً من الدول المنتجة الكبرى مثل روسيا. أن نجاح محاولات أقناع روسيا بالتعاون والمساهمة في خفض الأنتاج بخاصة لأنها الدول المنتجة الأكبر في العالم اليوم ولأنها تتمكن من الطلب من شركاتها خفض الأنتاج بأعتبار أن الحكومة مالكة لها، بينما يصعب على دول منتجة أخرى من فعل ذلك، بالنسبة للشركات المساهمة الخاصة. لقد نبه وزير النفط السعودي معالي السيد علي النعيمي في ندوة يوم 4 كانون أول (2014) إلى أن أنتاج الدول غير الأعضاء في “أوبك” أعلى بكثير عما كان عليه الحال في ثمانينيات القرن الماضي، وأكد أن المملكة ملتزمة بأستقرار الأسواق وتوازنها في حالة تعاون الدول غير الأعضاء في المنظمة، على الرغم من أن بعضها امتنع عن التعاون لأسباب خاصة “والكلام هنا موجه إلى روسيا”. يذكر أن سقف أنتاج أقطار أوبك حالياً في عتبة الـ(30) مليون برميل/يوم، بينما تجاوز الانتاج العالمي عتبة (92) مليون برميل/يوم وبذلك فأن إنتاج دول أوبك لايتجاوز (33%) من الانتاج العالمي في كل الأحوال علماً بأن الزيادة في الطلب على النفط لغاية عام (2020) والبالغة (6.9) مليون برميل/يوم سيتم اشباعها بالكامل من دول منتجة للنفط خارج أوبك(7).
وأذا أفترضنا أن هذا المعدل سوف يستمر على المدى المنظور فأن عملية التحكم في أسعار النفط تصبح خارج أرادة “دول أوبك” وليس كما كان سائداً في القرن الماضي.
2- تأثير التطور التكنولوجي والطاقات المتجددة:
لابد من الاشارة هنا إلى أن الانتاج العالمي من الطاقات المتجددة بدءت بالنمو السريع وأخذت تحتل نسب لا يستهان بها من أجمالي الاحتياج العالمي للطاقة. فقد أتفقت الدول المستهلكة للنفط على تاسيس الوكالة الدولية للطاقات المتجددة، لتخفيف وطأة الحاجة للنفط الخام، وأيجاد البدائل الصديقة للبيئة، ومواجهة مخاطر نضوب الاحتياطات النفطية والغازية، وكان من بينها أستخدام الميثانول كوقود للسيارات، وأستخدام السيارات الكهربائية والهجينية وأستخدام الطاقة الشمسية، والرياح والتيارات المائية والمياه الساخنة في باطن الأرض لتوليد الطاقة الكهربائية بالإضافة إلى الطاقة النووية.
وهناك ما يعرف بالطاقة الكهرومغناطيسية الكونية (Zero Energy) لتسير عجلات السيارات بدون وقود وهذا ما يعرف بالثورة الصناعية الثالثة لا تزال بمستوىً أبحاث مستقبلية لم تطبق على أرض الواقع. ينبغي وضعها في الاعتبار عند التخطيط المستقبلي.
أن هبوط أسعار النفط لم يعد يؤثر في عملية نمو وتزايد الطاقات المتجددة، نظراً للدعم المتواصل والتكنولوجيا الحديثه في زيادة وحدات أنتاج الطاقة المتجددة وتقليص تكاليفها وزيادة كفاءتها الانتاجية من الكهرباء يجعلها تسير قدماً إلى الأمام في المزيد من التطور والنمو(8). هذا ومن المتوقع أن تلجأ الدول الصناعية المستهلكة للنفط إلى أجراءات متكاملة في دعم الطاقات المتجددة، بحيث تتمكن من الاستغناء عن حاجتها من النفط بمقدار (30%) لكنها لا تستطيع أن تتخلى كلياً عنه خلال العقود الثلاثة القادمة على الأقل(9)، وعلى أي حال فأن الاقبال المتزايد على الطاقات المتجددة يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار في دراسات مستقبل الطاقه. كل تلك العوامل وغيرها تشير إلى أن أسعار النفط الخام سوف تستمر بمستوى 40-60 دولار/برميل في السنوات القليلة القادمة وأن دورة زيادة الطلب على النفط عن المعروض الحالي تحتاج لفترة طويلة من الزمن.
لقد أصبح واضحا أن على الدول المنتجة للنفط والمعتمدة على الإيرادات النفطية في معيشة أفراد مجتمعاتها أن تتخذ أجراءات سريعة وحاسمة وتتبنى أستراتيجيات مختلفة عن السابق في التكييّف للوضع الجديد. لقد وصلنا إلى نهاية الطريق وعلينا نبذ سياسة الاقتصاد الريعي، بالاعتماد على الايراد النفطي كلياً.
3- الاقتصاد الريعي أو الدولة الريعية (Rentier Economy):
الدولة التي يشكل فيها الاستخراج النفطي وريعه جزء كبيراً في أجمالي الناتج الوطني وتعتمد ميزانيتها السنوية على الربع النفطي بدرجة كبيرة ولا تستثمر معظم الريع النفطي لينتج رأسمال بشري يعوض عن الخسارة في الرأسمال الطبيعي. أي لا يتم تدوير الأموال المتأتية من بيع النفط الخام لأنتاج قيمة متزايدة من الانتاج المحلي في الصناعة والزراعة والخدمات(10).
وعلى الرغم من الدرس القاسي الناجم عن هبوط أسعار النفط بمقدار 60% فأن ذلك من الجانب الآخر يدعو وبشدة إلى التخطيط الستراتيجي للتنمية المستدامة.
4- التنمية المستدامة (Sustainable Development):
أن عملية أستدامة التنمية في البلدان النامية يمكن أن تعرّف بأنها التنمية التي تلبي حاجات الحاضر دون المساومة على قدرة الاجيال المقبلة في تلبية حاجاتهم، بمفاهيمها الاساسية للطبقات الفقيره وما تفرضها حالة التكنولوجيا والتنظيم الاجتماعي على قدرة البيئة للاستجابة لحاجات الحاضر والمستقبل. وبالنسبة للموارد غير المتجددة (النفط والغاز) فأن استهلاكهما يقلل من المخزون المتاح للأجيال القادمة، لكنها لا تعني عدم استخدامها، بل ينبغي أن تؤخذ معدلات نضوبها بعين الاعتبار، وأحتمال أيجاد البدائل للطاقة. ويجب وضع معايير لمعدلات نضوبها مع التأكيد على أعادة تدويرها والاقتصاد في أستخدامها، وضمان عدم نفاذ المورد قبل أيجاد بدائل مقبولة لها. وضرورة أستغلال مواردها في الوقت الحاضر لبناء تنمية تحقق الوسائل الأخرى للدخل بحيث لا تخلق أزمة وخلل حاد في ميزانية الدولة حاضراً ومستقبلاً. أن التنمية المستدامة في جوهرها عملية تغيير يكون فيها أستغلال الموارد واتجاه الاستثمارات ووجهة التطور التكنولوجي والتغيير المؤسساتي في حالة أنسجام وتناغم، وتعمل على تعزيز أمكانية الحاضر والمستقبل لتلبية الحاجات والمطامح الإنسانية وبقاء المجتمع في حالة متوازنه(11). أن الدول المعتمد على الإيراد النفطي تتميز بضعف واضح في النمو الاقتصادي والتنمية البشرية وزيادة في الاستبداد السياسي وسوء الإدارة وأتباع منهج حكم يعود إلى الدكتاتورية.
لقد أكدت الدراسات الاقتصادية أن الدول الأكثر أعتماداً على النفط ذات أقتصاد زراعي وصناعي ضعيف، لديها نسبة عالية من الفقر، وزيادة في الانفاق العسكري غير المبرر، يسودها الفساد المالي والإداري وتعينات المحاسيب، وترهل في الجهاز الحكومي وزيادة في الروتين وبيروقراطية الدولة الطارده للاستثمارات وذات توجه تصادمي في الاثنيات والطوائف(12). وأصبح العراق أوضح نموذج لتلك السياسات خصوصاً بعد عام (2003).
5- الحالة العراقية:
يمر العراق في مرحلة خطيرة من تاريخه المعاصر بسبب السياسات الخاطئة وعدم وضوح الرؤيا أتجاه القضايا الاقتصادية الملحة. وكان الاعتماد الكلي على أيرادات بيع النفط الخام من قبل الحكومات المتعاقبة منذ التدخل الأمريكي عام (2003) ولحد الآن جعل وصف الاقتصاد العراقي بالاقتصاد الريعي بأمتياز، حيث وصلت نسبة الإيراد النفطي في الميزانيات السنوية (97%)(13)، ونسبه الانفاق على الرواتب (المصروفات التشغيلية) تصل إلى (70%) من الميزانية وهذا يعني أنه عندما حصل هبوط في أسعار النفط بنسبة (60%) عن السنين السابقة خسرت الميزانية السنوية للعام الحالي (2015) بما لا يقل عن (60) مليار دولار وبالتالي فأن وضع السلطة الحاكمة حرج للغاية. أن سياسة غياب الشفافية في مؤسسات الدولة، والهزال في الجهاز الحكومي، وتفشي الفساد في أدائه، وتدهور الوضع الأمني منذ عام (2003) ولحد الآن، حيث لا زال أمتداد داعش يحتل ما يقرب من ثلث مساحة العراق وأدى ذلك إلى نزوح ما يقرب من 3 ملايين مواطن من المناطق المحتلة. وأستمرار الحرب في تلك المناطق يحتاج إلى مضاعفة الأنفاق العسكري وتعويض الشهداء والعوائل المنكوبة وأيواء النازحين.
لقد كان مخططاً أن ينتج العراق (12) مليون برميل/يوم عام (2017) ثم خُفض الرقم إلى 9.5 مليون برميل/يوم لغاية عام (2030) حيث تم تحديدها في استراتجية للطاقة الوطنية المقترحة (INES) عام (2013)(14) وبعدها خفض إلى (6) ملايين برميل/يوم من خلال أبرام عقود الخدمة مع شركات النفط العالمية لم تشتمل عقود الخدمة بوضوح تفاصيل كان بالإكان إدراجها ضمن العقود وعلى النحو الآتي:
1- نوعية النفط المستخرج ومواصفاته.
2- العناية بالمكمن النفطي وضرورة إعطاء معلومات دورية وافية عن حالة المكمن إلى الجانب العراقي بين فترة وأخرى.
3- كيفية تسويق ونقل وتخزين بعد عملية الاستخراج لكي تكون المسؤولية تضامنية حيث كان بالإمكان أن يشترط على التعاقد بالتعاون وتحمل مسؤولية التسويق بالإشتراك مع الحكومة العراقية. وعلى الجانب العراقي التعاقد مع تلك الشركات الاستشارية لمنع الهدر والمبالغة في المصروفات.
4- البنى التحتية- كان بالإمكان الاشتراط في بناء منشآت خدمية من طرق ودور سكنية وأسواق …إلخ) من قبل الشركات المتعاقد نفسها.
5- يجب أن تتناسب الفوائد والأرباح حسب هبوط أو صعود الأسعار.
6- تحديد المصروفات من قبل الشركات على أسس ومعايير دولية معروفة ويصار لطرف ثالث للبت في صحة قوائم المصروفات التي تقدم من قبل الشركات لتسديدها من قبل الحكومة العراقية.
ولكن لم يتحقق أي من تلك المشاريع. بالشكل المطلوب بل أن الانتاج المخطط في ميزانية عام (2015) والبالغ 3.3 مليون برميل/يوم لم يتحقق منه سوى 3مليون برميل/يوم وتبين أن الأضرار الناجمة عن تأخير تنفيذ خطة زيادة الانتاج على الرغم من التعاون مع شركات النفط العالمية، الحق خسائر جمة للعراق، الذي أضاع على مدى خمس سنوات فرصة ذهبية للاستفادة من أرتفاع أسعار النفط. ومن بين الأسباب التي أدت إلى تأخير زيادة الأنتاج، القرار بسحب مشروع حقن الحقول النفطية بالمياه للحفاظ على توازن الضغط في المكامن النفطية من شركة “اكسون” وأناطته بـ “شركة المشاريع النفطية الحكومية” التي لم تكن مؤهلة للقيام بهذا المشروع الضخم مما تسبب في تأخير المشروع أكثر من ثلاثة سنوات والحق أضراراً في مكامن النفط الجنوبية قد يصعب تعويضها(15)، بالإضافة لعدم أنجاز مشاريع الخزانات النفطية ومنافذ التصدير كي تستطيع من استيعاب الزيادة في الانتاج. ولا بد من الاشارة إلى أنه انجزت مؤخراً قسم من الخزانات لكن ليس بالعدد الكافي. كما أن التأخر في مشروع تجميع الغاز المصاحب (Associated gas) وإيقاف حرقه، والعمل الفوري لمعالجته وتجميعه من كافة حقول الجنوب، وأستغلاله لأنتاج الطاقة الكهربائية والصناعات المحلية أو تصديره إلى البلدان المجاورة أدى إلى زيادة الخسائر المالية بما يتراوح بين (15-30) مليون دولار/يوم، وهذا يعادل (10) مليار دولاراً سنوياً، بالإضافة إلى حرمان الناس والاقتصاد العراقي من الكهرباء عدا التلوث البيئى في أفراز الحرارة وثاني أوكسيد الكابون إلى الجو والذي شكل وبالاً على العراق والعالم. أن تأخير تشييد خزانات النفط الخام عند مجمعات التصدير الرئيسية، وتوقف التحميل لفترة تمتد ما بين عشرة أيام وأسبوعين يسبب خسارة في التصدير نحو (20) مليون دولار يومياً. هذا بالإضافة إلى الخسائر الناجمة عن تعويض الشركات التي تم التعاقد معها في عقود خدمة عندما تنجز ما عليها من التزامات في الانتاج النفطي المطلوب حسب العقد والتأخير الناجم عن عدم قدرة الحكومة العراقية من أستيعاب أنتاجها أو تخزينه لضمان ديمومة العمل عدا المصروفات المضاعفة التي تبرزها تلك الشركات إلى الحكومة العراقية لتسديدها. أما بالنسبة لنفط الشمال وأقليم كردستان فقد نشب خلاف عميق بين حكومة المركز والاقليم بسبب تفسير خاطئ في مواد الدستور العراقي، وعلى الرغم من حصول اتفاق مبدئي بين وزير النفط الحالي وحكومة الأقليم يلّزم الأكراد بالالتزام بتصدير (300) الف برميل/يوم من حقول كركوك عن طريق مروره بأراضي الاقليم، و(250) الف برميل/يوم من حقول الاقليم إلى شركه (Somo) المسئولة عن تصدير النفط العراقي، إلا أن الاقليم لم يلتزم بدقة بهذا الاتفاق وهناك شبهات بتصديره بكميات اكبر عن طريق تركيا. وقد ساعد في الأمر توافر أحتياطات ضخمة من النفط في الاقليم (24 مليار برميل عدا كركوك حسب تقديرات وزارة نفط كردستان) جرى تطوير وأستكشاف معظمها بعد عام (2003) وأهتمام الشركات العالمية الرصينه بالاستثمار في الاقليم خصوصاً في ضوء أتفاقيات المشاركة، بدلاً من عقود الخدمة، وهي أتفاقيات ترغب فيها الشركات لأنها تحصل من خلالها على نسبة من الاحتياط المكتشف تستطيع أن تسجله في أصولها، ما يساعد في ارتفاع قيم أسهمها في البورصات العالمية. لقد عمل الخبير النفطي كامل المهيدي دراسة مقارنة بين نوعين من التعاقد من خلال أحتساب نسبة العائد الداخلي (IRR) وتوصل إلى أن العائد الصافي للشركات التي وقعت عقود المشاركة يصل إلى أربع أضعاف عائد الصافي للشركات التي وقعت عقود الخدمة(16). لقد أبرمت ما يزيد عن (50) عقد مشاركة بضمنها عقود تنقيب وأستكشاف مع الاقليم دون علم أو أطلاع بغداد عليها. لم يتم تشريع قانون النفط والغاز من قبل البرلمان العراقي بسبب أختلاف القوى السياسية، علماً بأنه ثم أصداره منذ عام (2007) وكان قد نظم من قبل خبراء عراقيين معروفين. وعلى الرغم من تصدير النفط عبر حاويات عن طريق أيران وتركيا، لا يزال الاقليم يعتمد إلى حد كبير على حصته من الموازنة الاتحادية (نحو 17% من صادرات نفط الجنوب)، تذهب جلها لدفع رواتب الموظفين والعسكريين، بمعنى أن الاقليم أنتهج السياسة الريعية ذاتها، ولم يباشر في مشاريع تنمية مستدامة في أستغلال الموارد النفطية على الرغم من تنفيذ، بعض المشاريع العمرانية المتفرقة. ولا تزال نسبة العاطلين عن العمل في الاقليم عالية لا تختلف كثيراً عن بقية أنحاء العراق، كما أن نسبة المهاجرين الأكراد إلى أوربا متميزة، دليل وجود خلل في توزيع الثروة، وضعف درجة الرضى عن الحكام، رغم توفر المناخ الامني لديهم. لقد أصبح لزاماً على الحكومة المركزية والاقليم أنتهاج سياسة وبرنامج جديد في التنمية المستدامة.
لقد بلغ تعداد السكان في العراق حالياً (36) مليون نسمه، بينما كان التعداد قبل عام (2003) لا يزيد عن (22) مليون نسمة بمعنى ان معدل النمو السنوي تبلغ 3% وهذا يضعف قدرة الحكومة في وضعها الحالي من توفير مستلزمات إعادة أعمار العراق، إذ أن مايقارب من (800) الف شاب يصبح في سن مؤهل للعمل سنوياً. وعلى الدولة أن تهيء مالا يقل عن (250) الف فرصة عمل كي تصبح نسبة العاطلين مقبولة(17). هذه الارقام يمكن أن تكون قابلة للتنفيذ في دول صناعية متقدمة، لكن ظروف العراق الحالية لا يمكن لأية قوة سياسية تتصدى لقيادة البلد من أيجاد هذا العدد من فرص العمل سنوياً. لقد باشرت الحكومات المتعاقبة التي جاءت بعد عام (2003) في تضخيم الجهاز الحكومي من (1.050.000) موظف قبل عام (2003) إلى أن وصل حالياً إلى (4.5) مليون موظف عدا (1.732) مليون متقاعد وما يزيد عن 0.5 مليون من الرعايا الاجتماعية. وأدى تضخيم رواتب الموظفين إلى إرهاق ميزانية الدولة رغم الزيادة الهائلة في أسعار النفط في الأعوام السابقة، ووضع الحكومة في موقف حرج جداً عند حصول الهبوط في الاسعار. أن أزمة زيادة الخرجين لا تحل بطريقة الترهل الوظيفي وزيادة المرتبات ولا تقلل من هجرة الشباب، ولذلك كانت التجربة فاشلة بالأساس، وكان ترهل الجهاز الحكومي وتضخيم الرواتب دون زيادة في الاداء والانتاجية، بل العكس زيادة في الروتين. أن النمو الاقتصادي المستدام والمساواة في أتاحة الفرص للجميع وأتباع أسس الشفافية في عمل أجهزة الدولة والمراقبة والحرص على المال العام هما الانجح لتحقيق الاصلاح الاقتصادي، ولتحقيق معدلات نمو سكاني بالشكل الذي ينسجم ويتناغم مع خطط التنمية المستدامة والقدرات المتاحة للبلد (المجتمع والحكومة).
أن التنمية المستدامة يمكن أستخدامها لتحسين طرق وأساليب التعليم منذ نعومة أضفار الأطفال وإلى ما بعد التخرج من الجامعات والمعاهد والاهتمام بالرعاية الصحيه تؤدي إلى أنقاص معدلات الانجاب والوفيات على حد سواء، من خلال تحقيق رفاه الناس وأمنهم والذي يؤدي بدوره إلى تقليص الرغبة في الانجاب، لا سيما بالنسبه للنساء، حيث يمكن بجانب تغيرات أخرى لا مجال لبحثها هنا، تهدف لرفع مكانة المرأة في المجتمع، وتؤثر بشكل بالغ في خفض معدلات نمو السكان. كذلك يتطلب الالتزام بالتنمية الريفية خصوصاً في المناطق المحرومة من الرعاية، والذي يساعد على تقليص الهجرة من تلك المناطق والناجمة عن أنعدام فرص العمل وأنعدام الخدمات الضرورية للعيش الكريم. أن عملية السيطرة على معدل النمو السكاني يمنح الدولة فرص واسعة للتخطيط السليم نحو التقدم والصعود وتحقيق الأمن والتعايش السلمي داخل المجتمع.
لقد تجاوزت بلدان عديدة في العالم مظاهر الدولة الريعية في الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية بأنواعها المختلفة، ومن بينها بوتسوانا وتشيلي وماليزنا وأندونيسيا وغيرها بالتخطيط السليم نحو التنمية المستدامة(18)، ويمكن الاستعانة بتجارب الدول التي سبقتنا في هذا المضمار وتطبيق ما ينسجم مع ظروفنا الموضوعية.
لم ترتقي التنمية الصناعية والزراعية في العراق سواء كانت ضمن النشاط الخاص أو العام إلى مستوى التنمية المستدامة من أجل الصعود والتقدم والاستمرار بوتيرة متصاعدة في النمو الاقتصادي بتحقيق نسبة لائقه في الناتج المحلي الاجمالي والقيمة المضافة، وتحسين مستوى معيشة أفراد المجتمع عاماً.
ولا يرجع السبب كما يظن البعض إلى الظروف السياسية والحروب الداخلية والخارجية التي حصلت في العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة عام (1921) وإلى الآن حسب بل كان هناك خلل في التخطيط وسؤ أدارة، وعدم أدراك المسؤولين بمقومات أساسيه ومستلزمات استدامة التنمية. أن مجرد عملية نقل التكنولوجيا بجلب المكائن والمعدات برؤوس أموال فأئضه من الأيراد النفطي والاعتماد على الشركات الاجنبية في كل شيء لا تكفي لوحدها، بل لابد من رسم خارطة طريق لأكتساب المعرفة والخبرة والدراية والتوجيه الصحيح وإعادة هيكلة بالتربية والتعليم من أجل خلق جيل قادر أن يستوعب متغيرات العصر ويمضي قدماً في الإبداع والتطوير وزيادة الانتاج ويفرض منتجاته بمعزل عن الدعم الحكومي على المدى البعيد.
أن عملية التنمية المستدامة في بلد كالعراق يمتلك أحتياطي نفطي مؤكد بمقدار (150) مليار برميل/محسوبة في 10 نيسان 2013 (حسب وزارة النفط العراقية). وأحتياطي من الغاز الطبيعي (3.2) ترليون متر مكعب لابد وأن يتخذ الخطوات التالية:
(1)- لابد من تطوير الصناعة النفطية كي لا تقتصر على أستخراج النفط وبيعه خام، بل يمكن دراسة أمكانية التوسع في صناعة المنتجات النفطية بزيادة الطاقات التكريرية والصناعات البتروكيميائية أبتداءاً من أستخلاص المواد الأولية كالاثيلين والبروبيلين والبيوتين والميثانول والايثانول والمركبات العطريه كالبنزين والزايلين وغيرهما لأغراض إنتاج المواد البتروكيميائية الوسيطة والنهائية للتصدير للأسواق العالمية ولتلبيه حاجة الأسواق المحلية، وذلك يتطلب بذل أقصى الجهود لتحسين العلاقات مع الدول المنتجة للنفط في المنطقة وأيجاد السبل الكفيلة بحصول التكامل والشراكات لمنفعة كل الأطراف كي نستطيع الحصول على أعلى الفوائد والقيم المضافة من الموارد الطبيعية المتميزه في المنطقة. مما يؤدي إلى تعايش سلمي وأبعاد العداوات بين شعوب المنطقة.
أن أقامة مشاريع بيروكيميائية متطورة ومشتركة مع الدول النفطية الشرق أوسطية تحتاج إلى أجراء دراسات أستشارية لبيان الجدوى الفنية الاقتصادية وضرورة الترويج لأنتاج سلع أستهلاكية من المنتجات البتروكيميائية المختلفة من قبل القطاع الخاص والمستثمرين لخدمة مجالات أخرى كالزراعة والبناء والكساء و الغذاء والصناعات الأخرى، وأن تكون الدراسة شاملة وتغطي حاجة الأسواق العالمية للمنتجات البتروكيميائية المتعددة حاضراً ومستقبلاً.
لقد تطورت الصناعات البتروكيميائية في منطقة الشرق الأوسط (السعودية ودول الخليج) بينما بقي العراق يراوح في مكانه ولم يحقق تقدماً يذكر بل حتى تراجع إلى الوراء علماً بأننا من أوائل الدول التي بدءت بهذه الصناعة وبقيت الطاقات الأنتاجية لكلاً من بولي أثيلين واطئ وعالي الكثافة و((PVC)) متدنيه جداً لا تكفى لسد حاجة السوق المحلية.
أن عملية بيع النفط الخام تعتبر خسارة بحد ذاتها من وجهة النظر الاقتصادية في عدم أستغلال الموارد الطبيعية لتحقيق أقيام مضافة مضاعفة، لذلك يعتبر الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية عن طريق تصنيع المزيد من المنتجات البتروكيميائية وأستغلال الغاز المصاحب لتوليد الطاقة الكهربائية بأستخدام طريقة (Combined Stagcs) بدل (Single stagcs) المستخدمة حالياً في كل المحطات الكهربائية في العراق. هذا ومن الجدير بالذكر أن العراق يستورد سنوياً ما قيمته (5) مليارات دولار على الأقل من المشتقات النفطية التكريرية مثل وقود السيارات والكاز أويل والديزل والغاز الطبيعي من الدول النفطية المجاورة. ولا يمكن أن نتوقع حصول أستثمارات في بناء مصافي نفطية من قبل القطاع الخاص نظراً للدعم المتزايد للمنتجات النفطية من قبل الدولة. لذلك يجب رفع أسعار هذه المنتجات بصورة تدريجية ليس فقط لزيادة أيرادات الدولة بل لترشيد الاستهلاك وتقليل الضرر على البيئة وتقليص أمكانية التهريب نتيجة الفروقات في الأسعار وجعل الاستثمار مجزياً في هذا المجال. ويمكن دراسة كيفية دعم سائقي المركبات والطبقات الفقيرة من خلال تزويدهم (بكوبونات) خاصة للتزود بالوقود وغيرها من الاساليب التي تمنع تضرر تلك الطبقات من هكذا أجراء. علماً بأن مصافي النفط الحالية تعمل بخسارة بأعتبار أنها تستلم النفط الخام بسعر (2) دولار للبرميل لغرض الموازنة السنوية.
(2)- الترويج لتأسيس شركات النفط الخدميه ضمن نشاط القطاع الخاص(19):-تلك الشركات المتخصصة في خدمة الأنتاج النفطي ضمن أختصاصات متعددة أبتداءاً من أجراء الدراسات الأستشارية وما تتطلبه من فحوصات وحفر آبار أو خدمات أضافية كتصنيع أطيان الحفر وأعمال الصيانة والفحوصات التخصصية لضمان النوعية، وأقامة الأبراج الحديدية (Rigs) والمعدات المطلوبة لأغراض حفر الآبار، وعمليات النقل وصنع الأنابيب والمضخات، وغيرها من الأعمال المساعدة في عمليات الاستخراج والتكرير والصناعات البتروكيميائيه. وبذلك سوف نتقدم خطوه إلى الامام نحو الاعتماد على القدرات المحليه، وتشغيل الأيدي العاملة واكتساب خبرات مفيده لأغراض أخرى عدا الصناعة النفطية عند التوسع وأكتساب الخبرات المطلوبة. وهذا الأمر يتطلب أكتساب المزيد من المعرفة والتقانة في الأعمال الهيدروكاربونية، لكي تتولد شريحة واسعة من الناس على بينة وأطلاع بالمعرفة النفطية والسياسات العالمية المتبعة وتأثير هذا القطاع على الاقتصاد العالمي وبالتالي التصرف بالموارد النفطية بحكمة والاستفادة القصوى وعدم الهدر كما حصل في الماضي. وستصبح تلك الشريحة من الناس بمثابة رقيباً على كل ما يجري في الحقول والاستخراج من هفوات وعدم أكثراث من قبل بعض الشركات الأجنبية. وبالنتيجة سيكون المفاوض العراقي مسلحاً هو الآخر بما يكفي من المعرفة والمعلومات لوقف أي برنامج خاطئ أو جائر على المكامن النفطية التي قد يضهر تأثيرها في المستقبل البعيد. أن وجود شركات نفط خدميه من أبناء البلد الأصليين سيصبح بمثابة عبن ساهرة على سلوك وتصرفات تلك الشركات، وبالتالي ستفتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات صناعية أخرى. كذلك فأن زيادة المهارات الفنية سوف يساعد في ممارسة أعمال خدميه أخرى عديدة مثل تصنيع سايلوهات خزن الحبوب أو خزانات المياه للأغراض المدنية والصناعية الأخرى. ومن جانب آخر ستساهم في تخفيض التكاليف من خلال أستخدام العديد من المواد الأولية والمعدات المتوفرة داخل البلد وستعم الفائدة لأبناء البلد الأصليين الذين هم أولى بالاستفادة من عملية الأستثمار في هذا المجال الحيوي والغائب عن نشاط القطاع الخاص. وربما سيمهد الطريق للاستثمار في الصناعات النفطية خارج البلاد في المستقبل، كما حصل ذلك بالنسبة للعديد من الشركات الخدمية في بلدان نامية حديثاً استطاعت من الحصول على عقود خدمة لأستخراج النفط في غير بلدانها (أنغولا).
(3) ضرورة المباشرة بالاستثمار في حقول النفط المشتركة مع دول الجوار (أيران والكويت) يمتلك العراق (12) حقلاً مشتركاً مع أيران حسب شركة النفط الوطنية الأيرانية، وتحوي أحتياطاً يصل إلى أكثر من (95) مليار برميل في ما يعد أكبر أحتياطي للمواد الهيدروكاربونية في موقع واحد بالشرق الأوسط. وكشفت عمليات التنقيب التي قامت بها الشركة المذكورة(20) أنها تقوم حالياً بأستخراج نحو (130) الف برميل/يوم من النفط في هذه الحقول، (68) ألف برميل يوم منها تستخرج من حقول لم يطورها العراق حتى الآن. ويؤكد خبراء نفطيون أن مساحات بسيطة نسبياً من تلك الحقول تقع خارج الأراضي العراقية، لكن العراق أضعف من جيرانه تكنولوجياً ومالياً في أستغلال المكامن النفطية المشتركة، خاصة وأنه لم يتوصل حتى الآن إلى عقد أتفاقيات مشتركة مع أيران والكويت بشأن أستغلال تلك المكامن لأسباب عدم حسم مشاكل ترسيم الحدود معهما(21). ونؤكد هنا إلى ضرورة أعطاء أولويه فائقه وأجراء مفاوضات مع هذه الدول للحفاظ على ثروات البلاد قبل أن تُستغل من بلدان أخرى ومنع حصول مشاكل نحن في غنى عنها في المستقبل. وإذا صح القول بوجود هكذا أحتياطي مشترك مع أيران فأن أعطاء أولويه لأجراء الاتفاقات اللازمة والاستخراج سيزيد من أهمية العراق من خلال زيادة مخزونه النفطي وضمان مستقبل الأجيال القادمة..
(4) أعادة هيكلة وبناء القطاع الصناعي ومعالجة تراجعه من خلال التخطيط السليم لعملية نقل التكنولوجيا من البلدان المتقدمة، وأقامة صرح الاستدامه عن طريق مراكز التدريب والصيانة الدورية والاهتمام بالبحث والتطوير والتصاميم الهندسية وتشجيع صغار المستثمرين المبدعين (Enterpreuneurs) وبالتالي تنمية الطبقة الوسطى لتلعب دورها التاريخي في زيادة النمو الاقتصادي المستدام(22). وهذا يتطلب أصلاحاً أدارياً شاملاً لتقليل الروتين وتشريع القوانين اللازمة لمنع الفساد الإداري.
أن ما كان يجري في العهود السابقة ومنذ سبعينيات القرن الماضي من صناعة في العراق ليس توظيفاً دائمياً للتكنولوجيا، ولا بروزاً للمنتوج الصناعي كعنصر من عناصر الانتاج الحقيقي، بل كعنصر من عناصر الاستهلاك. مما يلقي ظلالاً من الشك حول طبيعة التطور التقني الذاتي (أو القدرة العملية التكنولوجية) التي يمكن أن يحققها ترشيد وأختيار ونقل التكنولوجيا في غياب أعمال التكييف والموائمه ونشاط التصميم والتحسينات والتجديدات المبتكرة ذاتياً، والتي لابد منها كي تقف الصناعة على قدميها أمام المنافسة الشرسة من العالم الخارجي خاصة من الدول الاسيوية التي نهضت حديثاً (الصين، كوريا الجنوبية، سنغافورة، فيتنام…الخ). لم يكن أختيار التكنولوجيا (أو نقلها) يستهدف كل جوانب المعرفة التقنية، كأعمال التكييف والتصاميم والتطوير والاستدامه وأكتساب المعرفة والاحتفاظ بالخبرات المتراكمة المحلية وتوطينها أو تطويعها.
وهكذا ذهبت كل الجهود المضنيه والأموال الطائلة المستثمرة في إقامة صناعة في العراق وأصبح هذا البلد مقبرة للمعدات والمكائن المستوردة وتعطلت كل الصناعة بما فيها القطاع العام والخاص لمجرد الانفتاح المفاجئ على الأسواق العالمية بعد عام (2003). من هنا لابد من الاستفادة من التجربة السابقة، ووضع أستراتيجية متكاملة، وبعيدة المدى لأقامة صناعة مستدامة معتمدة على بناء قدرات علمية تكنولوجية محلية، وإدارة قادرة على استيعاب كل المتغيرات وفسح المجال أمام المبدعين والمبتكرين كي يأخذوا دورهم في البناء والصعود، وإعداد الشباب المتفوق علمياً ووضع برامج متخصصة لتأهيلهم للقيام بالأعمال الصناعية المبتكرة، والقادرة على الوقوف أمام المنافسة الخارجية. وذلك يتطلب أعادة النظر في برامج التربية والتعليم برمته والتعليم التقني بالذات. ولابد من الأخذ بالتجارب التي مرت على الدول النامية حديثاً والتي أتخذت أسلوب “أقتصاد المعرفة” كأساس في تنمية القدرات الذاتية (الصين واليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافور, وفيتنام وغيرها). أن عملية تنمية القطاع الخاص لا تتم بمجرد أعطاء القروض الميسرة لصغار المستثمرين بل تحتاج لمعرفتهم وتزويدهم بدراسات أوليه للجدوى الفنية والاقتصادية جاهزة لمشاريع صغيرة كي تصبح في متناول أيدي الجميع وما تتطلبه عملية بناء الصناعات الصغيرة والمتوسطة ويتم ذلك بتكليف شركات استشارية متخصصة في هذا المجال.
وتوفير الأراضي والبنى التحتية والارشادات اللازمة في البناء والمستلزمات الأخرى والإعانه على أيجاد الأسواق المحلية والتصديرية في بادئ الأمر لكي تتوفر الثقة والضمانات في النجاح.
وذلك يتطلب فرض التعرفه الكمركية على البضائع المستودة بنسب تتفاوت حسب أهميتها للاستهلاك المحلي ومدى توافر طاقات إنتاجية تكفي لسد حاجة السوق كي تستطيع الصناعة المحلية من الوقوف على قدميها في بادئ الأمر، بعدها يتم دعم التصدير إلى الخارج بكل الوسائل المتاحة.
(5) ضرورة الترويج لأقامة ومضاعفة الطاقات الأنتاجية لصناعة الحديد والصلب والالمنيوم والمعادن الأخرى: لكي تصبح منتجاتها كلقيم لبناء صناعات أخرى عديده.
أن تيسير هذا الخامات محلياً، وجعلها في متناول الأيدي، تعتبر بمثابة توفير الأطيان للنحات كي يبرز بفنه بسهولة ويسر. وطالما تتوفر الطاقة اللازمة للافران (النفط والغاز) بالأضافة لتوفر مادة الكاؤولين كمادة أولية نقية لصناعة الالمنيوم (معدن المستقبل) وتوفر كميات كبيرة من السكراب الحديدي (الخردة) لتصبح عملية أقامة هكذا صناعة أساسية في البناء المستقبلي للبلاد من الأولويات.

الاستنتاجات
1- لم يعد هبوط أسعار النفط نتيجة عابرة لمضاربات الأسواق وأنما كان تحصيل حاصل لزيادة الانتاج والمخزون الاحتياطي النفطي العالمي وتقدم تكنولوجيا الاستكشاف والاستخراج والاهتمام المتزايد في الطاقات المتجدده، بالأضافة لهبوط مستوى النمو الاقتصادي الاسيوي وعدم حصول تنسيق في السياسة السعرية بين دول أوبك والدول المصدرة خارج أوبك.
وبالتالي نعتقد أن الهبوط سيستمر لفترة قد تصل إلى عقد من الزمان إلى أن يرتفع حجم الطلب على النفط التقليدي عالمياً وتعود دورة الارتفاع في الأسعار أو لا تعود مطلقاً.
2- لقد وصل العراق وبقية بلدان المنطقة إلى نهاية الطريق في سياسة الاقتصاد الريعي والاعتماد المفرط على الايراد النفطي في كل شيء. وجاء الهبوط في أسعار النفط بمثابه المنذر بالخطر الذي يهدد كيان البلاد وبالتالي يدعو إلى أنتهاج أستراتيجية اقتصادية تتبنى عملية التنمية المستدامة والخروج من نفق اللعنة النفطية. علماً بأن العراق يمتلك كل المقومات اللازمة للتحول والنهوض من خلال توافر الطاقات البشرية والخبرات والاحتياطات النفطية والغازية وغيرها. وذلك يستلزم بالضرورة بناء استراتيجية جديده للتربية والتعليم وتنمية بشرية قادرة على النهوض والتقدم، وأصلاحات جذرية في العملية السياسية وتشريع القوانين اللازمة لتشجيع الاستثمار والقطاع الخاص.
المصادر
(1) عبد الوهاب، لهب عطا “المكاسرة والغلبه في سوق النفط” مجلة الحوار عدد/45- حزيران 2015 معهد التقدم للسياسات الانمائيه- بغداد.
(2) الجواهري، حمزه “أسعار النفط- إلى أين تتجه” مجلة الحوار المتمدن الالكترونية عدد 4826-2015/6/3. www.dtiewor.org/debat/show.art
(3) (العكيلي، ثامر حميد “السعودية وآخرون يشاركون الغرب بالاحتفال بعيد الشكر” الموقع الإلكتروني (2012).
(4) الأمير، فؤاد قاسم، “النفط الصخري وأسعار النفط والموازنة العراقية العامة”. (2015)
(5) خدوري، وليد “تطور صناعة البترول في شرق أفريقيا” المصدر السابق- مجلة الحوار عدد/36.
(6) خدوري، وليد “الاتفاق النووي المبدني وصادرات النفط الإيراني” المصدر السابق نفسه (مجلة الحوار- عدد 45).
(7) مرزا، علي “المنظور الحالي لآفاق أنتاج النفط في العراق وميزان الطاقة العالمي حتى 2040 “أحاديث الثلاثاء/أشراف عطا عبد الوهاب عدد/6 (2015) دار الفارس للنشر والتوزيع عمان- الأردن.
(8) حسين، عدي عبد المجيد “حول موازنة الانضمام إلى الوكالة الدولية للطاقات المتجددة المصدر السابق، مجلة الحوار عدد- 33- أيلول 2012.
(9) Tebia N, Rasmussen and Augustin Roitman, “oil shocks in a global perspective they really that bad?”IMF Working paper (Angust2011).
(10) روس، مايكل- الاقتصاد السياسي- للعنه الموارد، نقد وتحليل الأدبيات النفطية “النفط والاستبداد، الاقتصاد السياسي للدولة الريعيه”، معهد الدراسات الستراتيجية (2007) بغداد.
(11) اللجنة العالمية للبيئة والتنمية “مستقبلنا المشترك” ترجمه محمد كامل عارف/المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب/الكويت (1989).
(12) جونسون، جوردن “اللعنة النفطية” الاقتصاد السياسي (الدولة الريعية) معهد الدراسات الستراتيجية (2007). بغداد.
(13) نشرات البنك المركزي العراقي، “الاحصائية السنوية للاعوام (2009-2013).
(14) د. العكيلي، ثامر حميد، “الاستراتيجية الوطنية للطاقة للأعوام (2030-2010) مجلة EES 12-8-2013
(15) خدوري، وليد، المصدر السابق عدد/45 (2015) بغداد.
(16) المهيدي، كامل “مقارنة بين عقود الخدمة وعقود المشاركة مع شركات النفط” مجله MEES (2012).
(17) حسن، حارث “دولة الريع العراقية” مجلة السفير العربي الالكترونية” عدد/160 (2015/2/5).
(18) سيفي، باسم “ضرورة بناء استراتيجية التنمية المستدامة الشاملة” مجلة قضايا ستراتيجية عدد/4 (2015)، دار الكتب والوثائق رقم 1760 دار المعري للطباعة- بغداد.
(19) ليلو، سمير حسن “أهمية الترويج لتأسيس شركات النفط الخدميه ضمن نشاط القطاع الخاص” الجزء الأول/مجلة الحوار المصدر السابق عدد/31.
(20) تقرير وزارة النفط العراقية، مجلة الحوار/عدد/39- كانون ثاني 2014، بغداد.
(21) د. العكيلي، ثامر حميد “Iraqi Border Fields” (MEES July 2012).
(22) ليلو، سمير حسن، “تأثير سياسة الاقتصاد الريعي على مسار بناء الدولة المدنية الديمقراطية مجله الحوار- المصدر السابق عدد/44.

(* ) باحث وخبير في الصناعات البتروكيميائية
حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. شبكة الاقتصاديين العراقيين 6/12/2015

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"