أ.م.د. عدنان فرحان الجوارين *: نحو دور مؤثر لمراكز الأبحاث والدراسات العربية والعراقية

مقدمة Download PDF Adnan Farhan-Toward an active rolle of Iraqi and Arab Think Tanks أدت الثورة العلمية التي كانت احد نتاجات الثورة الصناعية الحديثة الى ظهور مراكز الأبحاث والدراسات، وارتبطت […]

مقدمة

Download PDF Adnan Farhan-Toward an active rolle of Iraqi and Arab Think Tanks

أدت الثورة العلمية التي كانت احد نتاجات الثورة الصناعية الحديثة الى ظهور مراكز الأبحاث والدراسات، وارتبطت هذه المراكز في بداية نشأتها بمراكز المؤسسات العلمية والجامعات، وتمثل هذه المراكز الدعامة الاستراتيجية التي تسند خطوات البحث العلمي واكتشاف اتجاهات المجتمع في القضايا الرئيسة والحساسة التي تهم هذا المجتمع لهذا أطلق على هذه المراكز ” خزانات التفكير Think Tanks”. ويعتمد صناع القرار على مختلف مستوياتهم على تلك المراكز التي تشكل مصدرا أساسيا للمعلومات والتوصيات خصوصا في الدول المتقدمة، اذ أن تعدد مراكز الأبحاث والدراسات يفتح المجال أمام تنوع الآراء والطروحات التي تعالج المشاكل التي يمر بها المجتمع ومؤسساته بمختلف مستوياتها. ان الدور الأساسي لهذه المراكز يتركز على تحليل الواقع وتقديم رؤى مستقبلية من أجل النهوض بواقع جديد، أو تطوير الواقع الحالي الى مستويات اعلى وفق طرق علمية وأكاديمية بعيدة عن الارتجال.
أولا : نشأة مراكز الأبحاث والدراسات وأنواعها:
تتجلى قيمة وجودة البحث العلمي عبر ما يَنتج من أفكار وما يَطرح من آراء وما يَقدم من بيانات ومعلومات تخدم الدولة والمجتمع ، تؤدي إلى خلق منتج معين جديد، او لتحسين نوعية هذا المنتج في المنشآت الصناعية، سواء في القطاع العام ام الخاص. او ان يؤدي هذا البحث الى إضافة معلومات جديدة بشأن الظواهر العلمية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية تساعد صانع القرار في اتخاذ إجراءات عملية مدروسة تفضي الى تحقيق معدلات عالية في مؤشرات التنمية المستدامة.
وتعرّف مراكز الأبحاث والدراسات على أنها “تلك الجماعات أو المعاهد المنظمة بهدف إجراء بحوث مركزة ومكثفة. وتقدم الحلول والمقترحات للمشاكل بصورة عامة وخاصة في المجالات التكنولوجية والاجتماعية والسياسية والإستراتيجية، أو ما يتعلق بالتسلح”.
كما يعرّفها هوارد ج وياردا Howard J Wiarda بأنها عبارة عن “مراكز للبحث والتعليم، ولا تشبه الجامعات أو الكليات، كما أنها لا تقدم مساقات دراسية؛ بل هي مؤسسات غير ربحية، وإن كانت تملك “منتجا” وهو الأبحاث. هدفها الرئيسي البحث في السياسات العامة للدولة، ولها تأثير فعال في مناقشة تلك السياسات. كما أنها تركز اهتمامها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والسياسة العامة، والدفاع والأمن والخارجية. كما لا تحاول تقديم معرفة سطحية لتلك المسائل؛ بقدر مناقشتها والبحث فيها بشكل عميق، ولفت انتباه الجمهور لها”. وينتهي هواردHoward بالقول: “إن هذه المراكز، هي مؤسسات بحثية هدفها الأساسي توفير البحوث والدراسات المتعلقة بالمجتمع والسياسات العامة، والتأثير في القضايا الساخنة التي تهم الناس” .

وتقسم مراحل تطور مراكز الأبحاث والدراسات الى خمسة مراحل هي:
المرحلة الأولى: تبدأ من عام 1910 وهو العام الذي شهد ظهور أول المراكز البحثية في الولايات المتحدة الي عام 1930 وهي المرحلة التي تلت الحرب العالمية الأولى، فقد ظهر أول مركز أبحاث بشكله الحديث، في الولايات المتحدة؛ وذلك من خلال تأسيس معهد كارنيغي للسلام في عام 1910 Carnegie Endowment for International Peace. وتلا ذلك إنشاء معهد بروكينغز في عام 1916Brookings Institute، ثم معهد هوفرHoover Institute في عام 1918، ومؤسسة القرن Century Foundation في عام 1919.
المرحلة الثانية: تنحصر بين عامي 1930 وعام 1951 وهي حقبة الحرب العالمية الثانية وظهور منظمة الأمم المتحدة وبعض المنظمات العالمية، كما تأسس معهد أنتربرايز الأميركي لأبحاث السياسات العامة AEI في عام 1943 ثم معهد دراسات الشرق الأوسط في أميركا في عام 1948،. وأُنشئت مؤسسة راند Rand Corporation في عام 1948.
المرحلة الثالثة: بدأت عام 1951 وفي تلك الفترة تشكلت حوالي (91%) من مراكز البحوث في أوربا وأمريكا علما بأن حوالي (58%) منها تشكل في العقدين السابع والثامن من القرن العشرين، اذ تأسس المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية IISS في لندن في عام 1958، ومركز أبحاث فض النزاعات في جامعة ميتشغان في عام 1959، ومعهد ستوكهولم لأبحاث السلام في السويد SIPRI في عام 1966.
المرحلة الرابعة : تمتد من عام 1989 وهو العام الذي شهد نهاية الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة، الى عام 2000 وهو عام بداية عصر العولمة.
المرحلة الخامسة: بدأت من عام 2001 وهي مستمرة الى وقتنا الحالي وهي المرحلة التي أطلق عليها الحرب العالمية على الارهاب وتكريس اعتبارات الأمن القومي الأمريكي على اعتبار أن مسألة الأمن القومي والحرب على الارهاب أصبحا الشغل الشاغل للولايات المتحدة.
وتعد المرحلة الثالثة هي المميزة اذ في ظلها نشأت النسبة الأكبر من مراكز الأبحاث والدراسات، اذ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبدأ الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق والغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، وقد بدا أن الحرب بين المعسكرين هي حروب أفكار وان المنتصر في هذه الحروب الفكرية سيكون هو المنتصر على جميع المستويات، فبدأ ظهور مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية وتوفير التمويل الكافي لها بحيث استطاعت هذه المراكز بالفعل أن تقود الدول التي أولت اهتماما كبيرا لها الى آفاق بعيدة من التفوق الذي وصل الى حد السيطرة التامة والانفراد بقيادة العالم مثلما هو الحال في الولايات المتحدة.
هناك العديد من مراكز الأبحاث والدراسات التي تقسم وفقا الى طبيعتها العلمية كالصناعية والزراعية والفيزيائية والهندسية……الخ، ومراكز أبحاث تربوية وانسانية وتاريخية، ويمكن أن نجد بعض المراكز المتخصصة بحقل علمي واحد كمراكز بحوث الطاقة أو مراكز ابحاث الفضاء، أو الليزر أو غيرها، فضلا عن مراكز البحوث المتنوعة كمراكز أبحاث التاريخ أو البحوث الاقتصادية أو الاجتماعية بمختلف أشكالها.
كما أن عمل هذه المراكز قد يختص في اطار منطقة جغرافية معينة مثل المراكز التي تختص بالدولة التي يوجد بها المركز أو يمكن ان تعبر الحدود المحلية الى دولة أو مجموعة دول مجاور، أو قد تكون خارج الحدود الاقليمية كمراكز بحوث الشرق الأوسط أو شرق آسيا أو دول الخليج العربي.
وقد بلغ عدد المراكز البحثية في عام 2011 ما مجموعه 6545 مركزا موزعة حسب الشكل الآتي:
شكل (1)
توزيع مراكز الأبحاث في العالم لسنة 2011

المصدر:
James. G. McGann (dir.), 2011 Global Go To Think Tanks Report and Policy Advice, The Think Tanks and Civil Societies Program, International Relations Program, University of Pennsylvania, Philadelphia, 23/1/2012, p. 17.

ثالثا: تمويل مراكز الأبحاث والدراسات
تعد البحوث والدراسات من الأعمال المكلفة نسبيا وبالتالي فان التمويل يعد أساسا ضروريا لنجاح وابداع تلك المراكز، وبدون الشعور بالاطمئنان الى توافر التمويل الكافي والميزانيات الكافية لأعمالها يصعب على تلك المراكز السعي لتفريغ العلماء والباحثين لإعداد دراسات وبحوث على مستوى عال من الجودة والنضج وترتبط بالقضايا الرئيسة التي يعاني منها المجتمع.
ونلاحظ أنه في معظم الدول العربية وبسبب ضعف الثقافة المجتمعية والعالمية لدى الجهات العليا والجهات الممولة نجد أن تلك المراكز تعاني من شحة كبيرة في التمويل وبالتالي لجأ البعض منها الى طلب التمويل الأجنبي الذي يعد كبيرا مقارنة بالتمويل المحلي، الا أن هذه التوجه لقي اعترا ضات شديدة وتم توجيه الاتهامات لتلك المراكز بأنها أصبحت جزءا من الحملة الأجنبية ضد بلدانها وأنها تروج وتساند أفكار تلك الدول الممولة لها.
ومن البديهي أن التمويل هو المدخل الأساس للسيطرة على القرار وبالتالي توجيه دفة الأبحاث الى حيث يريد الممول، فالذي يمول برامج تلك المراكز هو الذي يصنع القرار ويحدد الأولويات والاهتمامات. والتمويل الأجنبي يهدف الى التأثير على مجريات التغيير في المجتمع العربي وتوجيهها بما يخدم اهدافها، اذ أن هذا التمويل في معظمه لا يخضع لقاعدة الهبات الخيرية وبالتالي فهو يحمل في ثناياه امكانات التأثير السلبي على المجتمع. لذا فانه على الدول توفير التمويل الكافي لمراكز الأبحاث والدراسات للتخلص من هذه المشكلة.
ويمكن أيضا أن ترتبط بالقطاع الخاص. في هذه الحالة تكتسب مرونة في التحرك واختيار مادة البحث العلمي. وهنا قد تخضع برامج وخطط هذه المراكز الى أحد الاعتبارين التاليين:
1- طرح المواضيع وفق رؤية مالك المركز والتعاطي معها وفق هذه الرؤية.
2- الترويج لأيديولوجية معينة أو سياسة ما.
رابعا: أوضاع مراكز الأبحاث والدراسات في الدول العربية
تشير الأرقام الى تردي واقع البحث العلمي ومراكز الأبحاث العربية، ففي الثمانينيات من القرن الماضي أنفقت الولايات المتحدة أكثر من (40) مليار دولار على البحث العلمي، في حين كان مجموع الانفاق للدول العربية مجتمعة لنفس الفترة حوالي (200) مليون دولار فقط، وأوضحت الدراسات الاحصائية أن الانتاجية العلمية للدول العربية في مجال البحث العلمي متدنية جدا اذ بلغت (10%) من المتوقع، وقدرت انتاجية الباحث الواحد بحدود (0.2) بحث للباحث سنويا، في حين تصل هذه النسبة الى (1.5) بحث في الدول المتقدمة. وخصصت الجامعات العربية (1%) من ميزانيتها للبحث العلمي في حين تجاوزت هذه النسبة (40%) في الولايات المتحدة. فضلا عن ذلك فان معدل الانفاق على البحث والتطوير لكل فرد بلغ حوالي أربعة دولارات فقط في حين وصل هذا المعدل الى (195) دولار في اليابان و(230) دولار في ألمانيا.
وتعاني مراكز الأبحاث العربية من ضعف البنى التحتية في مجالات البحث العلمي وهذا ما ينعكس سلبا على كفاءة وانتاجية تلك الجامعات في هذه المجالات. إذ تشير الدراسات إلى أن انتاجية عشرة باحثين عرب توازي انتاجية باحث واحد في المتوسط الدولي. هذا ويُعد مؤشر متوسط عدد الباحثين الى اجمالي عدد السكان من المؤشرات التي تستخدم للإشارة الى اهتمام الدولة بالبحث العلمي. في العالم العربي وخلال المدة (2000-2014) بلغ متوسط عدد الباحثين لكل مليون شخص حوالي 398 باحثا وهذا على اعتبار ان حاملي شهادات الدكتوراه والمدرسين في الجامعات محسوبون كباحثين في حين بلغت تلك النسبة حوالي (6600) باحثا لكل مليون شخص في اسرائيل. وبلغ (5194) في اليابان و (4087) في كوريا الجنوبية.
أما فيما يخص مؤشر الإنفاق على البحث والتطوير فقد احتلت الدول العربية مراتب متأخرة أيضا وبلغ متوسط الانفاق للمدة (2000-2014 ) حوالي (0.3%) للدول التي توفرت عنها البيانات، وبلغ متوسط هذه النسبة لدول مجلس التعاون حوالي (0.2%) مما يعني أنها الأقل انفاقا بين الدول العربية على البحث والتطوير، وهذا أمر مقلق كون تلك الدول هي الدول الأعلى دخلا بين الدول العربية وتُعدُّ الدول الغنية في المنطقة لكنها بالمقابل هي الأقل انفاقا على البحث العلمي في حين بلغت هذه النسبة في اسرائيل (4,2%) وفي اليابان (3,3%) وفي كوريا (3%).
لو جمعنا عدد براءات الاختراع لجميع الدول العربية خلال المدة (2010-2013) وعددها (2867)، فان اسرائيل وحدها حققت حوالي مرتين ونصف ضعف هذا العدد في سنة (2013) فقط (7320) براءة اختراع، ما يوضح حجم الهوة الشاسعة بين الدول العربية وبقية دول العالم المتقدم. وأن هذه الهوة بحاجة إلى جهد كبير ومتواصل في تدعيم البحث العلمي ومن خلال إعداد استراتيجيات للعلم والتكنولوجيا في الدول العربية في هذا المجال من أجل تقليصها.
أحد النتائج المهمة لغياب الدعم عن البحث العلمي في الدول العربية هو ضعف المستوى الأكاديمي للجامعات العربية، فضمن تصنيف شنغهاي للجامعات العالمية جاءت فقط خمس جامعات عربية ضمن أفضل (500) جامعة في العالم منها أربع جامعات سعودية وجامعة القاهرة المصرية وفي تصنيف الويب ماتركس (webometrics) جاءت فقط جامعتان عربيتان هما جامعة الملك سعود (الترتيب 356) وجامعة القاهرة (الترتيب 358) ضمن أفضل (500) جامعة في العالم حسب هذا التصنيف.
لقد انعكس انخفاض حجم المخصص للبحث العلمي من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي وانخفاض أعداد الباحثين على تخلف الناحية العلمية الأمر الذي قاد الى انخفاض أعداد مراكز البحوث والدراسات في البحوث العربية مقارنة بالدول المتقدمة. ونتيجة لذك بقي عمل تلك المراكز محدودا واقتصرت دراساتها على الجوانب الوصفية والنظرية غالبا اذ أن البحوث العلمية تحتاج الى قاعدة بحثية تفتقر اليها معظم تلك المراكز، فضلا عن أن نتاجات تلك المراكز غالبا ما توضع على رفوف المكتبات دون أن تكون هناك فرصة ملائمة لاستثمارها الا فيما ندر.
كما أن معظم مراكز الأبحاث والدراسات في الدول النامية ومنها الدول العربية عبارة عن نسخ مكررة لمراكز الأبحاث في الدول المتقدمة مما جعل منها أقل فاعلية في التفاعل مع البيئة المحيطة بها وأقل اهتماما بالمشاكل التي تحيط بها ومن ثم تقليل مساهمتها في ايجاد الحلول المناسبة للمجتمعات الموجودة فيها. وكانت نتيجة ذلك أن بقيت تلك المراكز مجرد هياكل معزولة عن مجتمعاتها وانخفضت الى حد بعيد مشاركتها في صنع القرار وايجاد حلول لمشاكل مجتمعاتها المتخلفة. وهذا الوضع هو عكس ما نجده في وضع مراكز الأبحاث في الدول المتقدمة اذ أن تلك المراكز ارتبطت مباشرة بالجامعات واختارت النخبة المميزة من الباحثين والعلماء ووفّرت لها التمويل الكافي فأبدعت واستطاعت الاسهام في صنع القرار وحل المشاكل التي تتعرض لها مجتمعاتها. وكمثال على ذلك مراكز الأبحاث والدراسات في الولايات المتحدة التي تسهم مساهمة فعالة في صياغة السياسات الخارجية، فضلا عن أن هذه المراكز احتلت مكانة مرموقة في الولايات المتحدة حتى أصبحت جزءا من الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية للولايات المتحدة، الأمر الذي قاد أحد الباحثين الى القول إن ظاهرة مراكز البحوث والدراسات هي ظاهرة أمريكية بامتياز وذلك بسبب طبيعة النظام الديمقراطي والحرية التي تتمتع بها الولايات المتحدة مما أتاح لتلك المراكز الانتشار والنمو حتى تجاوز عددها 1815 مركزا حسب احصاءات عام 2011 توزعت في جميع أنحاء الولايات المتحدة وفي العاصمة واشنطن وحدها هناك أكثر من (100) مركز.
خامسا: أوضاع مراكز الأبحاث والدراسات في العراق
يتسم واقع البحث العلمي في العراق بالمحدودية والتواضع إذ يحتل العراق مرتبة متأخرة على الصعيد العالمي وفق المؤشرات المستخدمة في قياس مدى تقدم الدول في مجال البحث العلمي مثل الإنفاق على البحث العلمي وعدد براءات الاختراع والنشر العلمي المحكم. مما يدل على وجود صعوبات ومعوقات محلية تعيق الباحث وتحد من إنتاجه العلمي. فالإنفاق على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي متدني جداً قياساً بالمتوسط العالمي البالغ 2,3% ومتوسط الدول النامية البالغ 1,5%. وللعراق براءة اختراع واحدة مسجلة في مكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية الأمريكي للمدة 2000- 2013 وذلك بحسب البيانات الصادرة عن المكتب. فيما جاء ترتيب العراق في عدد المنشورات العلمية والتقنية على مستوى الدول العربية المرتبة الخامسة عشرة للفترة ( 1998-2007 ) والتي بلغت (107) مقالة علمية منشورة تركزت في علوم الطاقة والبيئة والزراعة ، في حين بلغ متوسط عدد المقالات العلمية لكل مليون نسمة (3,8) مقالة في عام 2005.
وتعود أسباب ذلك الى غياب الاهتمام الرسمي الجاد بالبحث العلمي في العراق ، ويتضح ذلك من خلال عدم وجود سياسة عامة وإستراتيجية واضحة للبحث العلمي تحدد اتجاهاته الرئيسية وبما يتلاءم ومتطلبات المجتمع ، ولعدم إشراك الجامعات ومراكز البحث العلمي في وضع السياسات العامة ولا في مناقشتها . فضلا عن أن معظم المراكز البحثية في الجامعات العراقية تعتمد بشكل شبه كلي على التمويل الحكومي المباشر في ظل غياب مصادر التمويل والدعم الأخرى، والأموال المخصصة للبحث العلمي من موازنة الجامعة قليلة وتستحوذ الرواتب والتكاليف الإدارية على النصيب الأكبر منها. ويظهر نقص التمويل بشكل واضح في نقص وتخلف الوسائل الضرورية لعملية البحث العلمي من مختبرات وتجهيزات ومكتبات ومراجع علمية ومصادر المعلومات وغيرها. وهذا النقص يقلل ليس فقط من قدرة الباحثين على متابعة التطورات العالمية بل المحلية أيضا .
كما يعاني الباحث في المراكز البحثية في الجامعات العراقية من كثرة التعقيدات ومن طول الإجراءات الإدارية والقانونية والمالية عند التعامل مع الوزارة ورئاسة الجامعة ولاسيما المتبعة لأغراض إكمال الدراسات العليا والإيفاد والمشاركات الخارجية والداخلية ، ومن بطء وتعقيد عملية نشر البحوث.
وفي الوقت الذي ينبغي أن تقوم فيه المراكز البحثية بتوفير الباحثين المتميزين من خلال استقطاب القوة البشرية المؤهلة وتنميتها ، فإن هجرة العقول من العراق هي من أعلى المعدلات في العالم . وذلك بسبب غياب الاستقرار الأمني والسياسي و قلة الحوافز المشجعة على الابتكار وتطبيق نتائج البحوث مقابل ارتفاع تكاليف القيام بالبحوث و تكاليف معيشية عالية ومستوى دخل غير مناسب ، فضلاً عن طبيعة البيئة السياسية والاجتماعية الطاردة للكفاءات مقارنةً بالإغراءات التي تقدم لها في أماكن أخرى .
سادسا: نحو دور فعال ومؤثر لمراكز الأبحاث والدراسات في العراق والدول العربية:
ان تفعيل دور مراكز الأبحاث والدراسات يتم من خلال الآتي:
1- توفير التمويل الضروري لمراكز الأبحاث؛ من خلال ايجاد آلية جديدة مثل منح تلك المراكز هبات أو منح مدعومة من ميزانية الدولة.
2- ايجاد السبل الضرورية لتوفير الدعم المالي من قبل القطاع الخاص وتقليل الاعتماد على الدولة تدريجيا بعد انتعاش دور القطاع الخاص. وهذا يقع في جزء منه على تلك المراكز التي ينبغي عليها أن تراعي في دراساتها العلمية والدقة والموضوعية. وهذا ما سيؤدي إلى بناء حالة من الثقة بين هذه المراكز والقطاع الخاص بحيث تعمل هذه المراكز على حل المشاكل التي يعاني منها القطاع الخاص.
3- عدم العمل وفق نظرية “الاستجابة للطلب” فقط بل يجب العمل على بلورة رؤية استراتيجية لكل مركز تسعى لرفع اسهام هذا المركز في خدمة المجتمع، أي ان المركز يتناول قضايا تعالج متطلبات المجتمع وخدمة المؤسسات الأكاديمية والاستشارات والبحوث والتدريب لجميع مؤسسات المجتمع سواء كانت عامة أو خاصة.
4- توفير الدعم الكافي من أجل عقد المؤتمرات وورش العمل والندوات، بصورة دورية؛ لما لذلك من أثر في إثراء النقاشات، وتوجيه الرأي العام، والتعريف بمفاهيم قد تغيب عن الذّهن، أو لا تخطر على بال المواطن أو حتى صانع القرار.
5- التواصل مع مراكز الأبحاث والدراسات العالمية وعقد اتفاقيات التعاون والتدريب معها والمشاركة في المؤتمرات والندوات التي تقيمها تلك المراكز.
6- توفير الجو للعمل الديمقراطي وتوفير الحرية الكافية لتناول القضايا المهمة والحساسة للوصول الى النتائج المرجوة، اذ أن غياب مثل هذه الحرية سيؤدي الى تقييد امكانات تلك المراكز وتهميشها وتظل بحوثها وتوصياتها غير مجدية.
7- قيام مراكز الأبحاث بتقديم استشارات لمؤسسات الدولة، تكون مستَمدَّة من خلاصة أبحاثها، وتكون بمنزلة نماذج ووسائل لتحقيق الثقة المتبادلة.
8- منح مراكز الأبحاث هامشا من الحرية والاستقلالية والحركة، وتمكينها من الحصول على المعلومات، خاصة منها المخبأة في درج الحكومات. فضلا عن تسهيل وصول الباحثين إلى الإنتاج العلمي والمعرفي لمؤسسات بحثية أخرى.
9- قيام المراكز البحثية باستقطاب الكفاءات من الباحثين وذوي الخبرة، والاهتمام بهم، وتقديم الدعم لهم، والعمل على رفع مستواهم العلمي والمعرفي وتطوير مهاراتهم؛ وذلك عن طريق دورات، أو تبادل خبرات بين المراكز العربية والغربية. كما أن استقطاب الكفاءات الأكاديمية، وتكليفها بدراسات وأبحاث؛ من شأنه أن يعود بالنفع على هذه المراكز.
10 –تعتمد مسيرة مراكز الأبحاث والدراسات على مدى الاستقرار والنضوج السياسي للدولة اذ أن العلاقة طردية بين المتغيرين فكلما ارتفع مستوى الاستقرار والنضوج السياسي كلما توفرت دفعة قوية لعمل تلك المراكز، لذا فان العمل على توفير الاستقرار السياسي يعد أمرا ضروريا لنجاح عمل المراكز البحثية.
(*) قسم الاقتصاد، كلية الادارة والاقتصاد – جامعة البصرة

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. 7 شباط 2016

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"

أبحاث ومقالات أخرى للكاتب

Adnan-Farhan-image-305x400

د. عدنان فرحان الجوارين *: عملة البيتكوين (BitCoin)..الآثار الاقتصادية والمخاطر المتوقعة

Adnan-Farhan-image-305x400

أ.م.د. عدنان فرحان الجوارين*: قراءة موجزة في تقرير السعادة العالمي لعام 2017

Adnan Farhan image

أ.م.د.عدنان فرحان الجوارين* :التنمية المستدامة في العراق – الواقع والتحديات**

Adnan Farhan image small

د. عدنان فرحان عبد الحسين الجوارين

د. عدنان الجوارين

عن د. عدنان الجوارين