قطاع التأمين الوطني والاجنبي

مي مظفر: شهادتي عن تجربتي في شركة إعادة التأمين العراقية

مي مظفر

أجمل تحية وألف شكر على تحويل ما كتبه أستاذنا الفاضل الدكتور مصطفى رجب حول تأسيس شركة إعادة التأمين العراقية،[i]
أجمل تحية وألف شكر على تحويل ما كتبه أستاذنا الفاضل الدكتور مصطفى رجب حول تأسيس شركة إعادة التأمين العراقية،[i] ويسعدني، وأنا أسمع صوت الماضي قادماً من بعيد، أن أقدم شهادتي المتواضعة عن تجربتي في شركة إعادة التأمين العراقية ومواكبتي لتطورها الكبير بإدارة هذا الشخص الفذ. بل أعتقد أن من الواجب أيضا بيان وجه من وجوه مرحلة زمنية كان العراق فيها زاخرا بعلمائه ومبدعيه على كل صعيد، زمن تحلى نساؤه ورجاله بالروح الوطنية والتطلع إلى بناء مستقبل باهر. يومها كان للعراق أفق مستقبلي، يؤسفني القول أنه اختفى اليوم، أو يكاد، تحت ظلام الفوضى والدمار.
 
التحقت بالعمل في شركة إعادة التأمين في الأول من تشرين الأول 1961، عندما كانت مؤسسة فتية، ومشروعا رائداً في العراق، كانت مدخلي إلى الحياة العملية، محاطة بعدد قليل من الموظفين سرعان ما أصبحنا أسرة واحدة.
 
كنت قد تخرجت حديثا من كلية الآداب حاصلة على بكالوريوس الأدب الإنجليزي، مليئة بالطموح إلى الدخول إلى عالم الأدب. لكن الظروف المتاحة آنذاك وضعتني داخل هذا المسار الغريب عني اسما وطابعا. فقد كانت الشركة بحاجة إلى من يحسن الإنجليزية، وكنت بحاجة إلى عمل. قبل التوجه إلى لقاء مديرها العام، أخبروني بأنني سأعمل مع قامة علمية عالي الكفاءة، نبيل الخلق من أهل البصرة.
 
في أول مقابلة معه، أحسست أنه لم يكن مقتنعاً بي، وأعتقد أن الحاجة الماسة جعلته يمنحني فرصة للعمل. فكان ذلك عامل تحدٍ دفعني إلى أن أثبت له جدارتي، أو إخفاقي. كنت ورقة بيضاء، مثل الكثيرين الذين جاءوا بعدي وربما قبلي. فكان الدكتور مصطفى أول من وجهني، ووضع لي منهجا أسير عليه من الجانبين العملي والنظري.
 
في تلك المرحلة المبكرة كنا نتدرب مع خبيرة تأتينا من شركة التأمين الوطنية وهي الآنسة سعاد برنوطي، التي حصلت فيما بعد على بعثة حكومية ونالت الدكتوراه في مجال التأمين من أمريكا. ثم جاءنا خبير من الشركة السويسرية لإعادة التأمين يدعى ألبرت كونز، تولى التدريب العملي كما عقد دورة نظرية، ضمت الموظفين الفنيين غير أن الدورة لم تستمر بسبب تفاوت قدراتهم اللغوية. فرأى الدكتور مصطفى أن من الأفضل إيفاد الموظفين للتدرب في الشركة السويسرية لإعادة التأمين. في الوقت نفسه، ولاهتمامه بالجوانب العلمية، كان يوجه الموظفين للدراسة عن طريق المراسلة من أجل الحصول على شهادة مهنية Chartered Insurance Certificate بإشراف المعهد الثقافي البريطاني في بغداد. فقد كان الطموح العلمي واحداً من معايير الترقية في سياسة الشركة تحت إدارته، بل أصبح من الواضح أن من لا تتسم به شروط اللحاق بالمستوى المطلوب يظل على الهامش.
 
حين راهن الدكتور مصطفى على إقامة مؤسسة تضاهي الشركة السويسرية لإعادة التأمين، ربح الرهان خلال زمن قياسي. وظلت الشركة تنمو وتتوسع محافظة بشدة، في ظل إدارته، على الدقة في العمل والأمانة والحرفية العالية. فهو لم يكن مجرد رئيس عمل، بل كان مُعلماً حريصاً على إيصال المعرفة إلى العاملين معه، كما كان أحيانا أبا موجهاً لهم من أصغر شيء إلى أكبره بما في ذلك السلوك والهندام. معاييره في الاختيار كانت صارمة، وبذكائه الفذ وذهنه المتقد يدرك مكامن طاقات العاملين معه ويعرف كيف يستثمرها ويطورها. بل كان يراجع كل صغيرة وكبيرة ينتجها العاملون، وسبحان الله سرعان ما كان يلتقط الخطأ ولو كان بين مئات السطور وعشرات الجداول.
 
أتحدث عن خبرة شخصية من خلال عملي القريب معه على مدى ثمانية عشر عاماً. كان قد نسّبني لمتابعة شؤون قسم الأبحاث الذي كان شديد الاهتمام به كونه مركز وثائق الشركة برمتها، ويحتوي على المكتبة وعلى الدوريات المتخصصة والصحف الأجنبية، وتوزيعها على الأقسام حسب ما يرد فيها من دراسات كل حسب تخصصه. وكنت أوثق كل شيء ضمن بطاقات خاصة.
 
في منتصف الستينيات قرر إصدار مجلة شهرية، وبطبيعة الحال كان هو رئيس تحريرها، وكنت أقوم بالمهام التي يقوم بها عادة سكرتير التحرير في المتابعة والمراسلة مع المتخصصين العراقيين والعرب، وتحرير الجزء الخاص بالأخبار المهمة على الصعيدين العربي والعالمي، كما تردنا في دوريات التأمين، فضلا عن ترجمة المقالات المنتقاة، ودائما تحت إشرافه وتوجيهاته. كانت المجلة التي عرفت بنشرة التأمين متواضعة في إخراجها، تطبع بطريقة الرونيو، ويجري جمعها وتصحيفها في قسم الأبحاث بعدد لا يتجاوز 500 نسخة، ثم ترسل بالبريد إلى جهات كثيرة منها الجامعات. وسرعان ما نالت رواجاً كبيراً وأصبحت رافداً ومرجعاً للباحثين والطلاب. حين يكتمل العدد، ويرتب، يأتي الدكتور مصطفى للتحقق من سلامة العمل. كان يسحب نسخة من بين كومة النسخ بلا تحديد، وقلوبنا، أنا وزملائي في القسم، واجفة راجفة، وإذا به يجد في تلك النسخة خطأ في التصحيف أو في اسم ما مثلا، إن لم يجد أخطاء أخرى. وكان الله في العون.
 
أنا مدينة لهذه المؤسسة بالكثير، وللدكتور مصطفى رجب شخصياً في توجيهي نحو كيفية القيام بالبحث والعمل الدؤوب والتزام الدقة (أُسميه ساعة سويسرية)، الأمر الذي ساعدني على صياغة حياتي والتحكم بالوقت. وهذه حقيقة أكررها دائماً حين أسأل عن طبيعة حياتي المنظمة. لم أتعلم منه النظام فقط، وإنما الكمال في الأداء، حتى أدمنته.
 
حين حتّمت عليَّ ظروفي الشخصية أن أترك العمل للتفرغ للأدب، وكان ذلك في تشرين الأول 1979، كانت شركة إعادة التأمين قد حققت ذروة نجاحها، وأصبحت شركة عالمية بامتياز، وأرقى مؤسسة عربية بلا منازع.
 
ألف تحية له، وبارك الله بعمره وجهوده.
 
مي عباس مظفر
عمّان 15 شباط 2017
 
* شاعرة وقاصة وناقدة فنية ومترجمة.
 
 
حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين.  يسمح بإعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر.
http://iraqieconomists.net/ar/
 
[i] بعد نشري لرسالة الدكتور مصطفى رجب حول أصول شركة إعادة التأمين العراقية  (أنظر الروابط أدناه)
http://iraqieconomists.net/ar/2017/02/12/%d8%af-%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%81%d9%89-%d8%b1%d8%ac%d8%a8-%d8%a3%d8%b5%d9%88%d9%84-%d8%b4%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a5%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84/
 
https://iraqinsurance.wordpress.com/2017/02/12/dr-mustafa-rajab-on-the-origins-of-iraq-reinsurance-company/
 
كتبت السيدة مي مظفر شهادتها عن تجربتها في الإعادة العراقية رفقة هذه الرسالة بتاريخ 15 شباط 2017:
 
“عزيزي مصباح
 
كل الشكر والامتنان على هذه الفرصة التي أتحتها لي للتحدث عن جانب من تجربتي في شركة إعادة التأمين العراقية.
 
ويشرفني أن أرفق هنا هذه الشهادة المتواضعة بحق أستاذنا الدكتور مصطفى رجب، عالم من علماء العراق الأفذاذ، ونموذج للتفاني في العمل الدؤوب من أجل إعلاء شأن البلاد.
 
وبارك الله بجهودك ومسعاك لتوثيق تاريخ هذا الرافد الاقتصادي الحيوي.
 
تقبل مني أجمل تحياتي
 
مي مظفر”
 
وجواباً على سؤالي فيما إذا كان زوجها المرحوم رافع الناصري قد كلف من قبل إدارة شركة إعادة التأمين العراقية برسم لوحات لتزيين بناية الشركة في ساحة الخلاني كتب التالي:
 
اسعد الله أوقاتك عزيزي مصباح
 
يشرفني ان تنشر شهادتي فقد كتبتُ من اجل تنبيه الأجيال وإعلامهم عن الجوانب المضيئة للعراق ولا سيما الأجيال التي لم تَر غير الوجه المظلم منه.
 
اما عن سؤالك حول الاعمال الفنية في الشركة فالجواب هو نعم ولكن لم يكن رافع وحده.
 
كانت مناقصة تشيد مبنى للشركة قد رست على مكتب المعماري المعروف هشام منير، وكان من ضمن التصميم ادخال أعمال فنية لتكون جزءا من التصميم الداخلي للمبنى، واقترح تكليف كل من الرسامين ضياء العزاوي ورافع الناصري والنحاتين إسماعيل فتاح الترك ومحمد غني حكمت، وجميعهم من الفنانين المحدثين الذين ذاع صيتهم منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، وكانت بادرة غير مسبوقة حسب علمي. كما حدد لهم استيحاء موضوعهم من فكرة التأمين والأمان.
 
احتل تمثال اسماعيل، الذي يعد واحدا من اهم واجمل ما أنتج على واجهة المبنى، وهو من البرونز ويتألف من قطعتين متكاملتين احداهما نحت مدور معلق وخلفه لوحة برموز مسمارية ثبتت على الحائط، وقدم محمد غني جدارية من البرونز بنحت بارز عليها أشكال رمزية ايضا احتلت الجدار الداخلي لمدخل العمارة، كما وضعت لوحة رافع الناصري التي امتدت على عرض الجدار في الطابق السادس، وكان لسعة حجمها قد نفذها في الموقع نفسه، ووضعت لوحة العزاوي على جدار في الطابق الثامن، حيث يقع مكتب المدير العام، وسرعان ما رفعت بسبب غموض تكوينها. وبعد بضعة أعوام رفعت لوحة رافع ايضا ولم يعد يعرف مصيرهما.
 
لقد ثبت هذه المعلومات في كتابي الذي صدر في ٢٠١٦ عن الفن الحديث في العراق، حين تحدثت عن التعاون الذي نشا بين المعماريين والفنانين.
 
كل الشكر باهتماماتك الدقيقة، مع تحياتي واحترامي.
 
مي مظفر”
 
للتعرف على الفن المعماري لمكتب هشام منير راجع: د. خالد السلطاني “عمارة مكتب هشام منير: مهنية المنجز… وحداثته (2-2)” المنشور في موقع إيلاف حيث يشير إلى مبنى شركة إعادة التأمين العراقية مع صورة له.
http://elaph.com/Web/Culture/2011/5/656803.html
مصباح كمال
16 شباط 2017
لتنزيل ملف بي دي أف سهل الطباعة انقر على الرابط التالي
مي مظفر-شهادتي عن تجربتي في شركة إعادة التأمين العراقية

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: