مصباح كمال:
يُمثِل كتاب كريستيان هندرسون، Monarchies of Extraction: The Gulf States in the Global Food System، الصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج عام 2026، محاولةً لتوسيع نطاق التحليل النقدي للاقتصادات الخليجية، عبر نقل مركز الاهتمام من النفط والريع إلى الغذاء بوصفه مجالًا تتقاطع فيه علاقات السلطة ورأس المال والعمل والبيئة. فبدلًا من التعامل مع الغذاء باعتباره مسألة تقنية تتصل بتوفير السلع الأساسية أو إدارة المخاطر المرتبطة بالاستيراد، يتيح منظور الاقتصاد السياسي النظر إليه باعتباره جزءًا من بنية عالمية لإنتاج القيمة وتوزيعها، تتجاوز الحدود الإقليمية لدول الخليج.
تنبع أهمية هذا المدخل من أنه يضع الاقتصادات الخليجية ضمن شبكة من العلاقات العابرة للحدود، لا بوصفها اقتصادات تعتمد على تصدير النفط واستيراد السلع فحسب، بل بوصفها أطرافًا تمتلك قدرة متزايدة على توجيه الاستثمارات والتحكم في بعض حلقات إنتاج الغذاء وتداوله. وبهذا المعنى، لا يعود السؤال مقتصرًا على كيفية تأمين الغذاء للسكان، بل يمتد إلى كيفية تنظيم إنتاجه، وأين تُحمَّل تكاليفه البيئية والاجتماعية، ومن يمتلك القدرة على التحكم في تدفقاته، وكيف تتوزع القيمة المتولدة عبر مراحله المختلفة.
تسمح هذه المقاربة بإعادة التفكير في العلاقة بين الريع النفطي والاقتصاد الغذائي. فالنفط لا يظهر هنا بوصفه قطاعًا منفصلًا عن بقية الاقتصاد، بل بوصفه أحد المصادر التي يمكن أن تدعم تراكم رأس المال وتوسيع نطاق الاستثمار الخارجي. ومن ثم، يصبح من الضروري بحث الكيفية التي تتحول بها الموارد المالية المتأتية من الاقتصاد الريعي إلى قدرة على امتلاك الأصول الزراعية، وتمويل الإنتاج، وتطوير البنى اللوجستية، والتأثير في سلاسل الإمداد العالمية.
ومع ذلك، فإن تجاوز التفسير النفطي لا يعني الاستغناء عنه تمامًا. فالمطلوب ليس إحلال الغذاء محل النفط بوصفه مفتاحًا تفسيريًا وحيدًا، وإنما توضيح الروابط بينهما، وفهم كيف تتفاعل الموارد الريعية مع استراتيجيات الدولة والاستثمار وتدويل رأس المال. وتكمن القيمة التحليلية لهذا الانتقال في أنه يفتح مجالًا لدراسة جوانب من الاقتصاد السياسي الخليجي قد تحجبها المقاربات التي تركز على الإيرادات النفطية والإنفاق الحكومي وحدهما.
ينطلق كريستيان هندرسون في كتابه من مقاربة للاقتصاد السياسي للغذاء تستعين بمفاهيم الاستخراج والأيض الاجتماعي والتبادل البيئي غير المتكافئ لفهم موقع دول الخليج في النظام الغذائي العالمي. ومن منظور ماركسي، تكمن أهمية هذه المقاربة في ربط الثروة النفطية بتدويل رأس المال الزراعي، وإظهار كيف يسهم استيراد الغذاء والاستثمار في الأراضي الزراعية بالخارج في إعادة تنظيم العلاقات بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، بما قد يتيح نقل القيمة والاستفادة من الموارد إلى الاقتصادات الخليجية، في حين تتحمل المجتمعات المنتجة أعباءً اجتماعية وبيئية متفاوتة. كما تتيح هذه المقاربة تجاوز النظر إلى الأمن الغذائي بوصفه مسألة تتعلق بتوافر السلع فحسب، وتحليله باعتباره قضية سياسية واقتصادية تتداخل فيها مصالح الدولة ورأس المال والسيطرة على تدفقات الغذاء والموارد. وبهذا، تتجاوز الدراسة التفسيرات التي تختزل الاقتصادات الخليجية في الريع النفطي، لتضعها ضمن علاقات التراكم الرأسمالي والتفاوت التي تشكّل النظام الغذائي العالمي.
لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:
Monarchies of Extraction-V3-IEN

باحث وكاتب عراقي متخصص في قطاع التامين مقيم في المهجر


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية