السياسة النقدية

د. مدحت القريشي – السياسة النقدية والتضخم والتنمية -في العراق

لقد جرت في الآونة الاخيرة نقاشات وحوارات إمتدت لشهور عديدة  بين عدد من الاقتصاديين العراقيين والمختصين بشؤون النفط عبر شبكة الانترنت حول مواضيع عديدة شملت السياسة النقدية المتبعة في العراق (منذ قيام النظام الجديد في 9/4/2003) والتضخم النقدي وحجم أنتاج النفط الخام المطلوب وعلاقة كل ذلك بعملية التنمية الاقتصادية في العراق. وقد تميزت هذه الطروحات والافكار بالجدية والموضوعية والمهنية. ونظراً لأهمية الموضوعات المذكورة ولتعميم الفائدة لكل المهتمين بالشؤون الاقتصادية والسياسية فقد رأينا من المفيد أعداد تقرير مختصر يتضمن أهم الافكار والاستنتاجات والآراء المطروحة في تلك الحوارات. وقد شارك في هذه المناقشات كل من السادة المذكورة اسمائهم أدناه:

د. علي خضير مرزا، ود. فاضل عباس مهدي، ود. بارق شبر ،ود. سنان الشبيبي،     ود. أحمد إبريهي، وأحمد موسى جياد، ود. علي حسين، وفلاح خواجة، ود. ماجد الصوري، ومناف الصائغ، ود. مظهر محمد صالح، ود.كامل عباس مهدي، ود. هاشم العلي، وآخرين،  أضافة الى كاتب التقرير. ونستعرض في ادناه أبرز الافكار المطروحة في الموضوعات المعنية :

أولاً:  السياسة النقدية والتضخم في العراق

بخصوص السياسة النقدية للعراق الجديد وتأثيرها على التضخم أجمع المشاركون بأن السياسة النقدية بعد عام 2003 قد حققت نجاحاً في مجال تقليل معدلات التضخم عما كانت عليه سابقاً، وعما يمكن أن تكون عليه بدون السياسة النقدية التي طبقها البنك المركزي العراقي منذ عام 2003. كما تحقق نوع من الاستقرار في قيمة العملة ( سعر الصرف). وتشير البيانات الاحصائية المتاحة الى أن الرقم القياسي لاسعار المستهلك ( معدل التضخم) قد انخفض من حوالي 36% كمعدل للفترة من (2002 -2007) الى نحو 2.7% خلال عام 2008، ثم أنخفض الى 2.1% (-) خلال الشهور الثمانية الاولى من عام 2009، وذلك بعد أن كان العراق يعاني من تضخم جامح وصل الى معدل سنوي بحدود 237% خلال السنوات (1990 -1995).

أما سعر الصرف للدينار العراقي بالنسبة للدولار الامريكي فقد أنخفض من حوالي 1950 دينار للدولار في تشرين الثاني (أكتوبر) من عام 2003 الى نحو 1170 دينار للدولار حالياً، ومنذ فترة زمنية وهو يكاد يكون ثابتاً عند هذا المستوى وهذا يشير الى ارتفاع قيمة الدينار بالنسبة للدولار (أو أنخفاض قيمة الدولار بالنسبة للدينار العراقي). وقد أكد المشاركون في النقاش بأن هذا يمثل أنجازاً مهماً يسجل للبنك المركزي العراقي. ويعود الفضل في ذلك الى أستقلالية البنك المركزي في سياساته النقدية والموقف القوي لحاكميته الرشيدة والتي أنقذت أحتياطيات العراق من الصرف الاجنبي من أحتمالات التبديد من خلال التدخلات السياسية في ظل أوضاع مضطربة وغير مستقرة.

وقد أستندت السياسة النقدية للبنك المركزي العراقي الى قانون البنك الذي أعتبر أن اهم هدف ينبغي تحقيقه هو السيطرة على التضخم النقدي وأستقرار سعر صرف، وهذا ما تحقق بالفعل بعد ان كان التضخم منفلتاً وسعر الصرف متقلباً. ويشار في هذا الصدد الى ان مثل هذا الهدف للبنك المركزي العراقي مقارب لهدف ودور البنك المركزي الأوربي، لكنه مختلف عن هدف ودور البنك الاحتياطي الاتحادي الاميركي الذي يمتلك صلاحيات وأهداف اوسع والتي تشمل مسؤوليته عن دفع عملية النمو الاقتصادي، ومن هنا جاء تدخل الاخير النشط في الازمة المالية العالمية لتبين لنا بأن الوظيفة النقدية الصرفة للبنوك المركزية لم تعد هي الايدولوجية الاساسية الشائعة.

ولهذا يعتقد البعض بأنه ليس هناك سبباً يجعل العراق يواصل مثل هذه السياسة حتى بعد تخفيض الديون وتخفيض معدلات التضخم، بل يتعين عليه أن يتوجه نحو الاهتمام بهدف النمو الاقتصادي مع المؤسسات الاقتصادية الاخرى في البلد وعليه  يتعين مفاتحة البرلمان لأحداث تغيير مناسب في قانون البنك المركزي يمكنه من تحقيق التوازن بين الحاجة للسيطرة على التضخم والحاجة لتحقيق النمو الاقتصادي.

أما تأثير البنك المركزي ودوره في محاربة التضخم فقد أشار البعض الى ان البنك المركزي لا يستطيع ( أو لا يريد) السيطرة على المجاميع النقدية (عرض النقد) وذلك لأن السيطرة على السيولة من قبل البنك (من خلال المزاد وتسهيلات الايداعات) لا تمثل الا جزءاً صغيراً من الانفاق الكلي الحكومي(أقل من عشرة بالمائة ) وهذا ما يجعل السياسة النقدية والبنك المركزي لا يؤثران لوحدهما التأثير الكافي على الطلب الكلي وبالتالي محاربة الضغوط التضخمية الجدية، بل عليه ان يستخدم أدوات وسياسات اخرى مساندة. الا ان البنك المركزي يمكن ان يؤثر على التضخم من خلال التأثير على أسعار المستوردات من خلال سياساته المتعلقة بسعر الصرف.

ثانياً:  التضخم في العراق والعوامل المؤثرة فيه:

ان من أهم العوامل المؤثرة في التضخم في العراق هي:-

فجوة الطلب والعرض الداخلية

اسعار الاستيراد

توقعات التضخم.

وقد تكون فجوة الطلب الداخلية هي المحدد الاهم في تحديد معدلات التضخم من العوامل الثلاثة المذكورة. ولمعرفة الاهمية النسبية لمكونات فجوة الطلب فأن البيانات المتاحة تشير الى ان فقرة الايجار وفقرة الوقود لوحدهما تشكلان حوالي ثلاثة أرباع (76%) معدل التضخم السنوي في العراق خلال المدة (2000 -2007) . واذا اضفنا لها فقرة الخدمات الاخرى مثل النقل فأن تأثير هذه الفقرات الثلاثة على التضخم سوف يرتفع. وهكذا نجد بأن الفجوة الداخلية بين العرض والطلب هي الدافع الاساسي للتضخم في العراق. وقد توسعت هذه الفجوة خلال السنوات (2003-2007) وذلك بسبب تقلبات العرض أو ما يسمى بصدمات العرض التي تظهر وتتفاقم من جراء عوامل عديدة تشمل انعدام الأمن والفساد الاداري والمالي والتهريب والتهجير الداخلي والعنف وتجزئة الاسواق وعدم الكفاءة الادارية وكل هذه العوامل تسبب صدمات العرض والتي تؤدي الى ارتفاع كبير في مستوى تكاليف المعيشة.

فبعد ان سجل المعدل السنوي للتضخم النقدي حوالي 36% للسنوات (2007 -2007) والتي تميزت بتأثير صدمات العرض أنخفض المعدل أنخفاضاً كبيراً في عام 2008 ليصل الى 2.1% خلال الشهور الثمانية الأولى من عام 2009. واللافت ان تقلبات أسعار الوقود تشكل مثالاً جيداً لتأثير أرتفاع وأنخفاض صدمات العرض. فقد كان لأرتفاع اسعار الوقود الناجم عن شح العرض من الوقود الاثر الكبير على ارتفاع معدل التضخم خلال المدة (2002 -2007) في حين كان لانخفاض أسعار الوقود الناجم عن أنخفاض مشكلة الشح في الوقود في الاسواق الداخلية الاثر الواضح في انخفاض معدل التضخم خلال المدة (2008 -2009) وفي الوقت الذي تراجع دور الوقود في رفع تكاليف المعيشة وبالتالي معدل التضخم أزداد بالمقابل دور فقرتي الايجار والغذاء. وعلى سبيل المثال أنخفض الرقم القياسي لأسعار المستهلك لعام 2009 الى نحو 2.1% مقابل 7.1% عند أستثناء فقرة الوقود من الرقم القياسي .

وأضافة الى ما تقدم فأن الشح في تجهيز الكهرباء يؤثر هو الآخر على تكاليف المعيشة ومستوى الاسعار، وذلك لان الناس ( كمنتجين) يلجأون الى المجهزين الصغار للكهرباء أو يعانون من تعثر عملية الانتاج. كما أن العوائل حينما يشاهدون تكاليف المعيشة ترتفع بسبب تجهيزات الطاقة الكهربائية المتقلبة يندفعون بالمطالبة لزيادة الاجور. وهكذا فأن العملية لها طابع الدينامية. وعليه فأن تحليل التضخم بالأعتماد على المقاربة الكلية وأرتفاع السيولة ليس كافياً، رغم ان موقف البنك المركزي الحذر بخصوص  طبع النقود ، او الاقراض للحكومة قد لعب هو الآخر دوراً في تحديد معدلات التضخم.

ان الطلب الداخلي يتحدد أساساً من خلال نشاط القطاع الخاص، في ظل محدودية تأثير البنك المركزي الناجمة عن عدم فعالية آلية أسعار الفائدة وضعف أسواق المال وصغر حجمها، لكن المحدد الكبير للطلب الداخلي يبقى هو الموازنة العامة(أو  الانفاق الحكومي) .

وبهدف محاربة التضخم النقدي ومواجهة الضغوط التضخمية ينبغي اتباع السياسات والادوات الأتية:

الحفاظ على الامن.

محاربة الفساد والجريمة المنظمة .

وضع الاشخاص الاكفاء في الادارة العامة.

وضع ادارة أقتصادية مهنية .

التوجه نحو معالجة ظواهر الشح في عرض السلع والخدمات وتخفيف قيود القدرة الاستيعابية.

تجنب اللجوء الى أستخدام الاسعار الادارية ومراقبة العرض من السلع والخدمات،.

تشجيع ودعم القطاع الخاص وتعزيز المنافسة والابتعاد عن الاحتكار وأبعاد تأثيرات المصالح الخاصة والعصابات والمقربين السياسيين .

حماية فئة الضعفاء في المجتمع من خلال شبكة الحماية الاجتماعية.

وينبغي التأكيد بأن ظروف العرض هي المحدد الاكبر للتضخم في العراق ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح خلال فترتين زمنيتين :

الاولى: مثلث تضخم متصاعد خلال 2003 -2007 بسبب ظروف العرض.

والثانية: مثلث تضخم متناقص بشكل سريع خلال (2008 -2009) بسبب تحسن ظروف العرض.

وتجدر الاشارة في هذا الصدد الى انه عندما يكون الاقتصاد دون حدود أمكانياته فأن سياسات توسيع العرض تكون أكثر ملائمة. وقد أدت الاجراءات المتخذة من قبل وزارة النفط الى حصول أنخفاض كبير في معدل التضخم خلال العامين 2008 و 2009 .

ويشار الى أن هناك ضعفاً في التنسيق بين السياسات النقدية والسياسة المالية. فالسياسة المالية تتسم بالتراخي وكذلك بنمط الحركة والتوقف ( Stop Go ) ، أي ان الانفاق العام يتسع بسرعة عندما تزداد عوائد النفط ثم يتقلص عند انخفاض العوائد. ثم أن الادارة المالية تمتد لفترة محددة (سنوية) ، بينما ان الاتجاهات الحديثة في السياسة المالية تحاول استيعاب المقاربة البرنامجية بدلاً من طريقة برمجة الفقرات المنفردة. ومعلوم ان موازنة البرامج تمتد لفترات زمنية أطول بحيث تسمح للأستثمار والسياسة الانفاقية العامة الاستمرار دون حصول توقفات.

ثالثاً:  التضخم وأدارة الطلب

بما ان الفجوة الداخلية تتاثر بكل من العرض والطلب، لهذا يتعين العمل على معالجة كلاهما معاً، أي ان لا تقتصر المساعي على معالجة الظروف المرتبطة بشح العرض فقط بل الاهتمام بأدارة الطلب، أي العمل على تقليص الطلب من خلال الوسائل المعروفة. وحيثما يكون الاقتصاد يعمل عند او قرب حدود أمكانات الانتاج فأن توسيع حدود الانتاج يكون صعباً جداً وتصبح مهمة تقليل الطلب هي الافضل لتخفيض مستوى التضخم. وبالمقابل عندما يكون الاقتصاد يعمل تحت حدود أمكانياته فأن سياسات توسيع العرض تكون هي الملائمة، ويعتقد البعض بأن أدارة الطلب في العراق ليس لها تأثير على فقرتي الوقود والايجار، وبالتالي فأن أدارة الطلب ليس لها تأثير يذكر على التضخم .

أما تأثيرات اسعار الفائدة على النمو الاقتصادي وعلى التضخم فهناك آراء متعارضة حول ذلك فهناك من يعتبر أن اسعار الفائدة المرتفعة جداً التي كانت سائدة في السنوات السابقة كان لها تأثير سلبي على النمو الاقتصادي، أذ انها تعيق عمليات الاقتراض من قبل القطاع الخاص وبالتالي تؤثر سلباً على الاستثمار (بأعتبار ان سعر الفائدة أحد العوامل المحددة للقرار الاستثماري).

وبالضد من ذلك الرأي هناك من يعتقد بأن اسعار الفائدة ليس لها ذلك التأثير على الاستثمار والنمو في الطرق، ربما بسبب وجود عوامل عديدة أخرى تؤثر سلباً على الاستثمار والنمو وقد تكون أكثر من تأثير أسعار الفائدة وأهمها التهجير السكاني والعنف الخ… ومع ذلك فأذا أريد تحقيق الانتعاش الاقتصادي فمن الضروري اللجوء الى سياسة توسعية من خلال تخفيض اسعار الفائدة لغرض تشجيع القطاع الخاص الصغير (على وجه الخصوص) ودفعه نحو الاقتراض والاستثمار والابتعاد عن السياسات الأنكماشية التي لاتساعد على تحقيق النمو الاقتصادي.

فالسياسة الانكماشية يمكن لها أن تؤدي الى تقييد العرض في ظل أنتشار البطالة المرتفعة والاختناقات مما يؤدي الى التضحية بالاستثمار سيما في ظل سياسات التثبيت المفروضة من قبل نادي باريس، والتي تتطلب مراعاة المشروطية على مراحل مقابل تخفيض الديون الخارجية للعراق. وفي حالة استمرار هذه السياسات فأنها سوف تعمل على تباطؤ عملية أعادة البناء والانتعاش الاقتصادي بعد سنوات العقوبات القاسية والحروب والنزاع الأهلي والديون الخارجية .

وبعد الانتهاء من فترات تطبيق برامج التثبيت وأعادة الهيكلة فأن الوقت يحين لاتباع سياسة أقتصادية جديدة تعمل على تنسيق السياسة النقدية التوسعية التي تنشَّط الاقراض الى القطاع الخاص في مجالات الاسكان والزراعة والارواء بما يساهم في تخفيف الضغوط التي تعمل على رفع التكاليف للأعلى، وخصوصاً فقرات الايجار والغذاء.

وأضافة الى ما سبق فأنه يتعين التأكيد على الحاجة الى سياسات مؤسسية وأصلاحات لمعالجة مشكلة الاختناقات وعدم التوازن بين العرض والطلب بهدف تخفيف مشكلة التضخم. وعلى سبيل المثال هناك حاجة لحل مشكلة الكهرباء وذلك بالاستفادة من أمكانيات القطاع الخاص للأستثمار في هذا المجال وعدم اقتصار الجهود على القطاع العام. ويشار هنا الى تجربة اقليم كردستان العراق الناجحة في هذا الميدان. كما يشار غالباً من قبل الاقتصاديين الى مشكلة النمط الخاطيء والمشوه للأنفاق في العراق، حيث يذهب الجزء الاعظم منه الى الانفاق الجاري (الاستهلاكي) ولا يتبقى الا النزر اليسير الى الاستثمار ومثل هذا لا يساعد على تنمية الدخل الوطني أو تشغيل الايدي العاملة أو تحقيق التنمية المنشودة. ومما يزيد الطين بله في هذا المضمار أن المشكلات السياسية بين الكتل والاحزاب غالباً ما تنعكس سلباً على الموازنة العامة. فالخلافات السياسية والصراعات غالباً ما تؤدي الى زيادة عدد الوظائف السيادية العليا والوزراء والنواب… الخ لارضاء الاطراف المختلفة وهذا ما شهدناه في السنوات الاخيرة ومثل ذلك يتطلب زيادة التخصيصات الجارية لمثل هذه الوظائف والمراكز الامر الذي ينعكس سلباً على نسبة الاستثمار الى الدخل الوطني وبالتالي على آفاق التنمية الاقتصادية.

رابعاً: القطاعات الانتاجية ( الصناعة ) :

وبخصوص القطاعات الانتاجية، وفي مقدمتها الصناعة (والزراعة) فقد تعرضت الى كوارث الحروب المتعاقبة والحصار الطويل وكذلك التخريب والسلب والنهب  والتقادم ، فالانتاج متوقف بالكامل باستثناء بعض المصانع التي تعمل بجزء يسير من طاقتهاالانتاجيةوما يقال عن الصناعة ينسحب على الزراعة التي اصابها الاهمال وشح المياه وأنعدام المستلزمات الانتاجية من بذور واسمدة الخ ادى الى اللجوء الى الاستيراد لتلبية الحاجات الغذائية وغيرها.

في ظل انفتاح السوق الداخلي على مختلف انواع السلع الصناعية والزراعية وكل شيء فأن ذلك ينعكس سلباً على امكانات نهوض الانتاج المحلي وأستمراره وتطوره، خصوصاً وأن نوعية وجودة المنتجات الصناعية المستوردة لا تتطابق في غالب الاحيان مع المواصفات العالمية ولا المواصفات المحلية المعتمدة وان اسعارها رخيصة بالمقارنة مع المنتجات المحلية.

وعليه فأن مهمة اعادة بناء الصناعة الوطنية يتطلب وضع الخطط المدروسة وتخصيص الاستثمارات الكبيرة  والاموال لاعادة بنائها وتاهيلها وتطويرها والعمل على خصخصة بعضها ضمن برنامج مدروس وموضوعي بعيداً عن تأثير المصالح الفئوية الخاصة ( الاجنبية أو الوطنية). ويجب ان تتزامن تلك الخطة مع وضع سياسات صناعية وتجارية تخدم الهدف المنشود بحيث تقدّم كل انواع الدعم والتشجيع والحماية والمساندة للنشاط الصناعي بأعتباره يمر بمرحلة أستثنائية أشبه ما تكون بمرحلة الصناعات الناشئة في البلدان المبتدئة في مرحلة التنمية الاقتصادية. ويمكن لاحقاً البدء ببرنامج تخفيف الدعم والحماية والمساندة تدريجياً مع تعافي وضع الصناعة وأقترابها من حالة المنافسة للمنتجات الاجنبية المستوردة، وفي هذا المضمار لا بد من قيام الدولة بتقديم الخدمات الاساسية للصناعة بأسعار تفضيلية وأقامة المناطق الصناعية التي توفر كل مستلزمات الصناعة من بنى تحتية وخدمات بما يساعد على توسيع وتطوير وتنويع الانتاج الصناعي وتحسين مستوى جودته وأنخفاض التكاليف الانتاجية بهدف تعزيز القدرة التنافسية للمنتوجات والاستعداد لمرحلة الانفتاح الاقتصادي والاقتصاد الحر والدخول لمنظمة التجارة العالمية.

وفي مجال الدعم والرعاية للقطاع الصناعي فالى جانب ما ذكر اعلاه لا بد من تشجيع القطاع الخاص بكل الوسائل وتسهيل حركة الاقراض المالي وتوجيه القطاع العام بدعم القطاع الخاص وشراء منتجاته وتفضيلها على المنتوجات الاجنبية، سيما اذا كانت جودتها مقاربة لمثيلتها الاجنبية وأسعارها لا تزيد كثيراً على اسعار المنتجات الاجنبية وذلك لضمان تصريف الانتاج وتوسيعه وأستغلال الطاقات الانتاجية القائمة بما ينعكس ايجابياً على تكاليف الانتاج. كما ان التأكيد على الصناعات الصغيرة والمتوسطة أمر في غاية الاهمية لما لها من مردود على تنويع الانتاج وتنمية الدخل الوطني وتشغيل الايدي العاملة ولتخفيف مشكلة البطالة وأكساب المهارات الفنية والادارية.

والجدير بالذكر ان نجاح هذه المساعي يعتمد على جملة من الامور وفي مقدمتها، الادارة السياسية لتطوير الصناعة في ظل الانفتاح الاقتصادي العشوائي للسوق الداخلي والمنافسة الشرسة لحد الاغراق، وكذلك أمكانية وضع الخطط المناسبة والواضحة المعالم وبمراحل زمنية لتحقيق الاهداف المرسومة والتنسيق بين السياسات الاقتصادية المختلفة وكذلك بين الوزارات المعنية وخاصة الصناعة والزراعة، والصناعة والتجارة، والصناعة والخدمات الى جانب الحاجة الى حملة اعلامية لتوعية المواطنين نحو دعم وتفضيل المنتجات الوطنية. وفي حالة بقاء الوضع على ما هو عليه الآن من انعدام الخطط والبرامج والسياسات وأنعدام التنسيق والتعاون فيما بين القطاعات وغياب الرؤيا والادارة السياسية في ظل انعدام الاستقرار والامن فلا امل في احداث أي تغيير أيجابي يذكر في مجال الصناعة والتصنيع.

خامساً : حجم أنتاج النفط الخام المستهدف

وحول مسألة الحجم المستهدف لأنتاج النفط في العراق لمواجهة حاجات اعادة الاعمار وعملية التنمية في العراق. برز أتجاهان الاول يدعو الى زيادة حجم الانتاج الى اقصى حد ممكن وبحدود 10 ملايين برميل يومياً على سبيل المثال لتوفير الاموال اللازمة لمتطلبات التنمية بأسرع فترة ممكنة. أما الاتجاه الآخر فقد حذر من مغبة هذا التوجه وتأثيراته السلبية على سوق النفط العالمي وأحتمال دفع اسعار النفط الى الانخفاض، الى جانب احتمالات هدر وضياع وسرقة هذه الاموال وعدم استخدامها الاستخدام الأمثل في ضوء عدم الاستقرار وحالة الفساد الاداري والمالي المستشرية في البلد، والنمط المشوه للأنفاق العام وقد بقيت هذه النقطة محل خلاف بين الطرفين ولم يتم حسمها. فقد اكد البعض على حقيقة عدم جدوى زيادة الانتاج والعوائد الى اقصى حد ممكن اذا كانت ستهدر أو تسرق أو تخصص بشكل شبه كلي نحو الانفاق الجاري أو الاستهلاك البذخي ولا يخصص الا النزر اليسير منه للاستثمار وللتنمية.

نشر في صحيفة المدى العراقية في 24 و 25 نيسان 2010

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: