د.مظهر محمد صالح* : إشكالية الاقتصاد الانتقالي في العراق – استقطاب مالي أم إغتراب اقتصادي ؟

لم تترك الاحداث التي عاشتها بلادنا بعد العام 2003 على الصعيدين السياسي والاقتصادي من فرصة الا وكان الهاجس الرئيسِ فيها هو التحول نحو اقتصاد السوق والتي ابتدأتها سلطة الائتلاف المؤقت...

لم تترك الاحداث التي عاشتها بلادنا بعد العام 2003 على الصعيدين السياسي والاقتصادي من فرصة الا وكان الهاجس الرئيسِ فيها هو التحول نحو اقتصاد السوق والتي ابتدأتها سلطة الائتلاف المؤقت الحاكمة )السلطة المدنية للاحتلال (بأخذ زمام المبادرة لبناء اصلاحات سريعه في البنية التحتية القانونية للقطاع المالي وبناء مؤسسات سوق المال وفق رؤى اعتقدت انها تسهل انتقال رأسمالية الدولة الريعية المركزية الى اقتصاد السوق الحر على غرار انموذج اوربا الشرقية في الانتقال الى اقتصاد السوق في اقل تقدير والتي كان في مقدمتها اصدار قانون لبنك مركزي مستقل يستخدم ادوات السوق النقدية غير المباشرة في سعيهِ لتحقيق الاستقرار واستهداف التضخم والتصدي لهُ بغية توفيرمناخ سعري ملائم يواكب آلية تحرير الاسعار ، فضلاً عن اصدار قانون ينظم عمل المصارف يتيح للسوق المالية العراقية الاندماج والتكامل مع السوق المالي الدولي واجراء تعديلات مناسبه على قانون الشركات الاهلية في ظل ممارسة حرية التجارة والتحويل الخارجي . إذ رافق توفير مناخ سريع للتحرر المالي سياسات تحرير الفائدة والائتمان المصرفي. وبهذا باتت الديموقراطية السياسية كإطار للاقتصادات الانتقالية الى السوق ملازمة للديموقراطية المالية والتجارية حصريا وليس للديمقراطية الاقتصادية الكلية.
وفي الوقت الذي عاشت فيه المالية العامة بنعمة رأسمالية الدولة الريعية كقوة مالية مركزية مصدرها عوائد ثروات النفط ، فأن شروط الاقتصاد الانتقالي التي تقتضي فرض قيود صارمة على الموازنة العامة لتعظيم الحوافز التي تؤدي الى زيادة كفاءة اقتصاد السوق لم تجد سبيلا إلا بتغليب فكرة العدالة على الكفايــة ( من خلال النمط التشغيلي الذي طبع موازنات الدولة خلال السنوات التسع الماضية واطلاق سياسة الاستخدام الواسع عبر الموازنات السنوية) لاحلال فكرة دولة الرفاهية الريعية شديدة العدالة على فكرة الاقتصاد المتحول شديد الكفاية في طابعـهِ واستخدامهِ لقوة العمل. فالاطار القانوني والمؤسسي الضامن لحقوق الملكية واللوائـح الرقابية التنظيمية التي تسمح بالدخول الى السوق بليبرالية انتقالية عالية ،اقتصرت اليوم على سوقيـن : هما السوق المالي الحر ومن ثم السوق التجاري المعتمد تمويلآ على السوق السابقة لـه وفي اطار احادي من الديموقراطية المالية.
فالديموقراطية المالية الراهنة موضوع البحث هي اليوم مصدر الصراع وتوليدهِ المستمر عبر إشكالية لم تُحل بين رأسمالية الدولة ورأس المال المالي الاهلي وهو الصراع الذي لم تحسم نهاياتهُ بعد في حلبة السياسة الاقتصادية اليوم.
ولم يوفر الاقتصاد الانتقالي في العراق بعد العام 2003 من اسس الاقتصاد الانتقالي الكلي الى اقتصاد السوق الامسببات الصراع المتمثلة بالتحرر المالي الواسع وخلق سوق مالية توازي تحرر منفلت في التجارة الخارجية، في حين لم تشهد عناصر الاقتصاد الانتقالي الاخرى اي حراك ممكن ان يتكامل مع التحرر المالي سواء في خصخصة المشاريع العامة (التي تقارب مشاريعها مئتـي مشروع وتضم بين صفوفها اقل من مليون عامل شبه مشتغل او عاطل عن العمل) او حتى فرض القيود الصارمة على الموازنة العامة لتعظيم الحوافز التي تؤدي الى زيادة الكفاية الانتاجية والاستخدام الامثل للموارد او حتى اقامة اطار قانوني ومؤسسي ضامن لحقوق الملكية وعلى وفق متطلبات الانتقال او التحول الشامل الى اقتصاد السوق الحر. اذ يقال ان بلادنا مازالت غارقة باكثر من ستة الاف قيد من التعليمات الرسمية واللوائح والقوانين المختلفة المتراكمة عبر السنين والنافذة حاليا والتي لاتوفر الشفافية الكافية للدخول الى السوق الحر وتسيير بيئة الاعمال الانتاجية.
فعند توصيف منظومة رأسمالية الدولة وقواها الانتقالية نحو اقتصاد السوق ، فأن هذا التوصيف لابد من ان ياخذ نمطاً مختلفاً في الدولة الريعية النفطية المركزية كرأسمالية دولة ليتاح توصيف منظومة رأس المال في العراق واشكالية الانتقال الى اقتصاد السوق الحر. فبعيداً عما عده الفوضويون في تاريخ الفكر الاقتصادي بجعلهم اشتراكية الدولـــة state socialism هـــي مُعادلة من حيث الجوهر لرأسمالية الدولـــــة state capitalism من حيث هيمنة الدولة على وسائل الانتاج ومصادر الثروة والتي عرفها نيكولا بوخارين احد قادة ومفكري الثورة الروسية في العام 1917 في كتابهِ: الامبيريالية والاقتصاد العالمي (1915) واصفاً المرحلة الجديدة في تطور الرأسمالية بأنها رأسمالية الدولة ، في وقت سوغت فيه ثورة اكتوبر سياستها الاقتصادية الجديدة NEP في روسيا فـي العام 1921 بأن رأسمالية الدولة تدار من دكتاتورية الطبقة العاملة وهيمنة العمال على قوى الانتاج . الا ان ذلك لم يثنِ العالم في مطلع تسعينيات القرن العشرين من انخراط حوالي 30 بلداً ، ممن تمتعوا برأسمالية الدولة او اشتراكية الدولة ، بظاهرة الاقتصاد المتحول نحو السوق الحر economies in transition . ويوصف الاقتصاد في هذه المرحلة بكونه اقتصاد يخضع الى قرارات السوق الحر بعيدا عن المركزية في التخطيط والتنفيذ ، وتتولى فيه قوى السوق تحديد الاسعار وتخصيص الموارد بدلاً من الخطط المركزية ، يرافق ذلك ازالة القيود التجارية فضلا عن خصخصة المشاريع المملوكة للدولة ومواردها المختلفة. واللافت للامر ، إن آلية الانتقال ابتداءً لم تتم الا من خلال تغيير وظيفة القطاع المالي من منطلق التمويل يسبق الانتاج.
يفترض الاقتصاد الانتقالي ان يتولى القطاع المالي بنفسهِ وظيفة الاستقرار الاقتصادي وتنظيم حركة رأس المال الاهلي ، مما يتطلب توافر مؤسسات مالية مستقلة وعلى رأس تلك المؤسسات وجود بنك مركزي مستقل يعتمد الوسائل غير المباشرة كأدوات للسياسة النقدية في تعاملهِ مع السوق لتحقيق الاستقرار الكلي لتشكل المقدمة الرأسية في تهيئة مناخ الاستثمار والاستخدام الامثل ، إلا ان ذلك لاينفي الدور الاقتصادي لمؤسسة الدولة في اسناد وظيفة التنمية الاقتصادية ودعم عجلة النمو الاقتصادي والاجتماعي شريطة تحويلها من كونها مزود للنمــو ومحــرك للتنميــــة provider of growth and development الى وظيفة تمكين التنمية والنموenabler .
ويلحظ ان بلدان العالم استخدمت نماذج مختلفة في الانتقال الى اقتصاد السوق. فالأنموذج الصيني الذي اعتمد فكرة اقتصادين بدولة واحدة يختلف عن أنموذج روسيا المتحولة وعموم بلدان اوربا الشرقية والتي تختلف هي الاخرى عن النمط اليوغسلافي الذي استخدم انموذجا متسارعا في التحول نحو اقتصاد السوق الحر.
لقد ولَد الاقتصاد العالمي وبدون شك انماطا من رأسمالية الدولة ذات الطبيعة الريعية تتعايش مركزياتها السياسية على مركزية اقتصادية ملازمة لها. حيث تتعاظم درجة مركزيتهما بتعاظم عوائد الصادرات من المورد الريعي وتتدنى وتضطرب العلاقة بين المركز الاقتصادي العالمي ومركز المحيط الريعي تبعاً للدورات الاقتصادية التي تولدهُ الاقتصادات القائدة في الاقتصاد الصناعي الاول. ففي الوقت الذي تخضع فيه مرافق البلاد في تلك الامم المحيطية من الاقتصاد العالمي ، سواء اكانت تلك المرافق انتاجية ام مؤسسات اجتماعية، لأدارة الدولة المركزية ، فأن حصيلة السلوك المركزي لايتعدى في نهايتهِ بناء انموذج لرأسمالية الدولة او رأسمالية الدولة الريعية وعلى النحو الذي اشار اليه نيكولا بوخارين ، بأنه التطور الجديد او المرحلة الجديدة في تطور الرأسمالية العالمية ، وبالتأكيد لم تنصب رؤية بوخارين التي خص فيها امم العالم الاول والتي هي من نذُر الحرب العالمية الاولى وبالتأكيد لم تتبلور الرؤية لديهِ عن امم العالم الثالث كقوى اقتصادية ريعية تعيش في محيط العالم الرأسمالي أوهوامشهِ والتي حققت استقلالها السياسي الناجز كنتاج لأنتهاء الحرب العالمية الثانية واشتعال الحرب الباردة في القرن العشرين .
فعند توصيف منظومة رأسمالية الدولة وقواها الانتقالية نحو اقتصاد السوق ، فلابد من ان تأخذ الصورة نمطاً مختلفاً في الدولة الريعية النفطية او مايمكن تسميتهُ برأسمالية الدولة المركزية الريعية . ولكي يتاح تشخيص ظاهرة استقطاب الاقتصاد الانتقالي في بلادنا نجده منكفئأً على تحرير النشاط المالي وتطور سوق المال بنمط يعمل بمعزل عن نشاط التطور الاقتصادي العام المركزي، يرافقه في الوقت نفسه اغتراب النشاط الحقيقي في اسواق الانتاج الاخرى التي تعيش حالة من الركود والبطالة وخالية من مقومات الاقتصاد الانتقالي وسياساتهِ ورسم متطلباتهِ في إطار متكامل لاقتصاد السوق الحر المتحول .
فالعلاقة بين رأسمالية الدولة والتكوين الريعي لها وبين رأس المال الاهلي ، هو نتاج ولادة مالية مصدرها تلك الرأسمالية الريعية المركزية سواء عن طريق الاستنساخ) او (الشراكة في النشاط الاقتصادي في ظل مستوى مرتفع من التعايش او التطفل على حاضنة النفقات العامة لتنتهي الى الحاضنة المالية وتكثير الاموال في سوق مالية انفردت لوحدها في بناء مكونات الاقتصاد الانتقالي الى السوق الحر في العراق الريعي.
وعلى هذا الاساس ، لم تولَد بلادنا اقتصاداً انتقالياً واضحاً من رأسمالية الدولة المركزية الى اقتصاد السوق الحر حتى في وقت غابت فيه أنماط من الشراكة بين السوق والدولة كي تعمل وفق اسس السوق سواء في الاستثمار ام الانتاج والتنمية في مرافق البلاد الانتاجية كافة. بل على العكس فانها لم تولَد سوى اقتصاد انتقالي مالي رافقه اهمالاً تاماً في بناء مؤسسات انتقالية تمارس وظائفها كسوق حُـر في القطاع الحقيقي في المراحل اللاحقة كافة، لتكتفي البلاد بعلاقة سوق غير مكتمل الانتقال شكَل مرتكز مضطرب العلاقة في معسكر رأس المال المالي في العراق تتغذى فيه حالة من التعايش بين المالية العامة للدولة (لتمثل ثقل رأس المال المالي للدولة الريعية المركزية) وبين السوق المالي شديد الانتقال الى السوق الحر والمنفرد فيها على خلاف الاسواق الاخرى الانتاجية المعطلة( لتمثل مرتكز رأس المال المالي الاهلي).
وهكذا ، لم يولَد الانتقال الى اقتصاد السوق في اقتصادنا الريعي الا رأسمالية مالية مركزية وأهلية تتعامل في اغتراب مالي واسع امام السوق الكلي الذي غاب الانتقال عنهُ كقوة استثمار وانتاج حقيقي لعدم توافر البنية التحتية القانونية والهياكل المؤسسية للانتقال الى اقتصاد السوق الحقيقي ليتكامل مع السوق المالي ضمن سوق وطنية منتقلة واحدة بدلا من امتداد السوق المالي الحر الى ممرات السوق المالي الدولي وتغييب التنمية !والذي يمكن ان اطلق عليه بضريبة التنمية.
إن رأس المال المالي الاهلي الذي هو استنساخ لرأسمالية الدولة الريعية في الاقتصاد الانتقالي المالي المنفرد في العراق لم يخلو بنفسهِ من المتضادات وتضارب المصالح في تقاسم الثروة وتكثيرها بين السوق المالي ورأسمالية الدولة المركزية عبر منظومة رأس المال المالي الكلي. ففي خضم التعايش او التطفل الانتقالي، تولدت شراكة ناقصة بين اطراف رأس المال ( الدولة والسوق المالي ) وهو امر لم يسبق له مثيل في تاريخ رأسمالية الدولة الريعية في العراق. فالمهمة الرئيسة للسوق المالي الانتقالي المتحرر ،بهذه الانفرادية الشديدة، لايتعدى توفير حاضنة هي من وحي الانتقال ووظيفته لتحويل الشراكة الناقصة لرأس المال المالي الاهلي وإتمام نواقصهِ عبر طورين متعاقبين بإتجاه السوق المالية الدولية وليس بإتجاه النشاط الحقيقي المحلي الاستثماري والتنموي والذي غابت اسس ومقومات انتقالهِ الى السوق الحر وتوفير بنيه تحتية قانونية مماثلة لما تم توفيرهِ للسوق المالي الانتقالي الحر. وإن هذين الطورين المتعاقبين همــا:
الاول :طور الشراكة الناقصة : ويتمثل بخلق او ولادة الثروة المالية المستنسخة من رأسمالية الدولة الريعية عبر معادلة تعظيم التوزيع الاستهلاكي في موازنات الدولة التشغيلية وتدني الكفاءة الانتاجية في الانتقال الى اقتصاد السوق الحر الانتاجي وتمكين التنمية فيها ،وهو الطور الناقص : حيث يتراكم رأس المال المالي بأصول من الثروات النقدية الفعلية سريعة التحصيل تمثل حقوقاً على عرض مادي او حقيقي محلي من المنافع والسلع والخدمات والثروات محدودة المقادير ضعيفة التنوع في سوق منخفضة الاداء عقيمة في توفير افاق التنمية والتطور الاقتصادي ولا تمتلك في الوقت نفسه الاستعداد الكافي لتوليد القيمة المضافة الحقيقية وولوج الاستثمار الحقيقي . وعلى هذا الاساس ظلت الرأسمالية المالية الاهلية مقيدة الحركة والنمو في الطور الجنيني الناقص لضعف التكامل مع الاسواق الانتقالية الاخرى وتخبطها داخل السوق المالي لتمثل الحراك الصامت او الاغتراب المالي financial alienation الذي يعيشهُ رأس المال المالي الاهلي في شراكته الناقصة) مع منظومة رأس المال المالي الكلي او معسكر رأس المال المالي) .
والاخر: طـور التكامل : ويتمثل بتحقيق الثروة الرأسمالية المالية الاهلية وهو طور التكامل اي التكامل مع السوق العالمية الشديدة الليبرالية والتي تمتلك حاضنة ذات طيف واسع من الاسواق الانتقالية ببنى تحتية متكاملة الوظائف. اي تحويل الثروة المالية الناقصة الى ثروة كاملة يتولى المناخ المالي المتحرر المحلي تحويلها الى حقوق والتزامات على عرض دولي واسع شديد التنوع في السوق المالية الدولية ، وهو ما اطلقنا عليهِ في كتاباتنا السابقة برأس المال المالي السالب ! والذي يستقر في مستودعات الثروة خارج البلاد وانتقاله من ادخار او فائض كامن محلي (ناقص الاهلية) الى ادخار او فائض كامن دولي (كامل الاهلية) ضمن آلية يوفرها النظام الاقتصادي الراهن في بلادنا عبر صراع بين لونين في مشاهدة مسرح الاحداث الاقتصادية احدهما يراه اسود والاخر يراه ابيض ولكن الخاسر الوحيد هو الاستثمار الحقيقي في العراق.
ان النظام الاقتصادي الراهن ، لم يوفر فضيلة الاقتصاد الانتقالي الى السوق الحر ببنية متكاملة امام هذا الاجتزاء او الاحادية الانتقالية من اقتصاد الدولة الى اقتصاد السوق الحر المالي دون الاسواق الاخرى ولاسيما الحقيقية. وبهذا فقد امسى السوق المالي الحر ذراع لانتقال الثروة المالية الناقصة التكوين ضعيفة الارتباط بمفاصل الانتاج في الاقتصاد الوطني الى ثروة مالية كاملة مع مستودعات المال الدولية وتقوية التراكم على الصعيد العالمي وحرمان البلاد من تراكمها الحقيقي عبر تكوين صناديق ثروة غير سيادية للرأسمالية المالية الاهلية خارج النشاط الاقتصادي للبلاد.
ان آلية العمل في الاقتصاد الانتقالي المالي للعراق امست اليوم مدعاة لتفجر الصراع بين رأسمالية الدولة المالية ( المالك الريعي الكبير) وبين الرأسمالية المالية الاهلية ( المالك الصغير ) المتطفل على الريع المركزي .
وان مكنونات الصراع يفجرها عاملان :
الاول يتمثل بتوافر درجة مرتفعة من الضرائب السالبة على رأس المال المالي الاهلي المؤدية الى تعظيم التراكم المالي من خلال التهرب الضريبي او دفع ضريبة رأسماليــة هشـــــة
و الاخــر ويتمثل بدور القطاع المالي المتحرر كقوة سوق مركزية للاقتصاد الانتقالي بتوفير مسالك تلقائية لتحويل الادخار المحلي الموجب (الثروة الناقصة لرأس المال المالي الاهلي وفق الطور الاول) الى ادخار خارجي سالب( الثروة الكاملة لرأس المال المالي الاهلي وفق الطور الثاني المذكور سابقاً ) اي تحويل الاخيرة الى مدخرات خارجية تجد نفسها في مستودعات المال الآمن خارج البلاد في اطار حاضنة ليبرالية عالية توفرها السوق المالية المحلية المكتملة بالسوق المالية الدولية.
وبهذا تتكامل دورة رأس المال المالي الاهلي في حاضنة نمو أجنتها في رحم السوق الانتقالي الاحادي المالي الحر في العراق الذي تؤدي ادواته المتحررة دور المغذي الرئيس للميول التجارية الاستهلاكية مع الخارج من طرف وفي الطرف الاخر تنتهي برأس مالي سالب في مستودعات المال خارج البلاد في اطار معادلة تبتدئ بخلق الثروة المالية الناقصة محلياً وتكتمل عبر ادوات الاقتصاد الانتقالي المالي وهي مرحلة تحقيق الثروة الكاملة واتمامها لتلتحم تراكمياً مع دورة رأس المال على الصعيد العالمي .
وبعبارة اخرى ، فأن دورة رأس المال تمر عبر الاقتصاد الانتقالي المالي الحر من سوق محلية ضيقة هشة مولِدة للثروة الناقصة لاتوفر التنوع في التصرف الامثل لها ( ذلك لغياب اقتصاد انتقالي وطني متكامل بآليات السوق ) لتأخذ الثروة الرأسمالية مسارها بالانتقال الى السوق المالية الدولية الشديدة التنوع وواسعة المرونة في التصرف . وهنا تكتمل دورة الثروة المالية ( من مرحلة الرأسمالية المالية الجنينية (الموجبـــة ) الى مرحلة الرأسمالية المالية الكاملة (السالبة ،ليدخل عندها رأس المال المالي الاهلي شبكة رأس المال المالي العالمي كقوة تراكمية عبر تكوين صناديق ثروة اهلية لاسيادية! .
لـم يوفر الاقتصاد الانتقالي المالي في العراق ، وهو في مثل هذه الاحادية الشديدة ، الشروط الموضوعية لديمومة الفائض الاقتصادي او التكوين الرأسمالي، الممتدة اصوله من رأسمالية الدولة ، للتكامل مع السوق الوطنية التي تعيش مراحل سابقة للانتقال الى اقتصاد السوق الحر ، وان السبيل الوحيد له هو ان ينفتح سلباً على السوق المالي الدولي و بأتجاه واحد يعمل على تمويل التجارة الخارجية و /أو نقل فوائض الثروة المالية الناجمة عنها بشكل رئيس وتحويلها من ثروات ناقصة الشروط أوالاهلية الى ثروة مالية كاملة الشروط في التصرف توفرها اسواق العالم ذات القدرات الانتقالية العالية الى اقتصاد السوق الحر دون عوائق.
فالنشاط الاقتصادي الكلي الذي يلهث، سواء في رواجه ام كساده ، وراء حركة النفقات العامة للموازنة ( اداة السياسة المالية ) من جهة ونشاط مزاد العملة الاجنبية للبنك المركزي (اداة السياسة النقدية ) من جهة اخرى في متلازمة واحدة من الاستقطاب من دون ان يولد استخدام حقيقي عالي ( إذ مازالت البطالة الفعلية بحوالي مرتبتين عشريتين حتى الوقت الحاضر) او ان يولد استثمار حقيقي معظم للنمو ، هو امر للاسف الشديد يقرب اقتصادنا في ظاهرته الراهنة ، ليميل نحو تكثير الاموال او تحويلها الى خارج البلاد أو حتى المضاربة بالعملة الاجنبية كنشاط وأولوية يمارسها السوق المالي بشكله الحالي ، جاعلاً من الاقتصاد اشبه ما يسمى بإقتصاد الكازينو Casino Economy او اقتصاد قاعة القمار! ، وهي المفارقة التي اشار اليها عالم الاقتصاد جون ماينرد كينز Keynes فــي كتابه الشهير الصادر في عــام 1936 والموسوم بــ : النظرية العامة في الاستخدام والفائدة والنقـود مؤكـداً الى حقيقة ما يسمـى بــ : اقتصاد الكازينو Casino Economy ان صح التعبير في الاقتصادات الرأسمالية ، اذ توضح فكرة كينز بكونه اقتصاد ينظر اليه من زاويتين مختلفتين : فالمضاربين في المال لايمكن لهم ان يكونوا اشد اذى بمجرد توليد فقاعة سعرية Bubble في النشاط الاقتصادي الحقيقي الجاري الذي تزاوله مشاريع الانتاج الفعلي، ولكن من الزاوية الاخرى سيكون الموقف اكثر خطورة عندما تتحول مشاريع الانتاج او النشاطات الحقيقية الى مجرد فقاعات سعرية مالية تدور في حومة المضاربة يستقطبها القطاع المالي كقوة او اداة للمضاربة . ويؤكد جون ماينرد كينز في كتابه اعلاه انــه عندما يتجه الاقتصاد ليكون كله ناتج عرضي لقاعة القمار ، فأن وظيفة الاقتصاد ستؤدي دورها مجرد تعبير عن دور الاقتصاد المريض !!! وهـو امــر لن نرضاه نحن معشر الاقتصاديين المتطلعين الى بناء اقتصاد حقيقي وطني راسخ وقوي في حاضره وواعد في مستقبله ، ولاسيما عندما يكون تطور رأس المال في بلادنا متجها ليكون ناتج عرضي لنشاط قاعة القمار ان صح التعبير ومن ثمة سيؤدي الاقتصاد وظيفته او دوره مجرد دور الاقتصاد المريض .
من صفوة الكلام ، يمكن ادراك ان الاقتصاد الانتقالي الى السوق الحر في بلادنا ما هو إلا مرحلة محدودة لم ينتقل فيها سوق القطاع المالي الى السوق الحر وعَده انتقالاً ماليا مجرداً يحاكي تمويل التجارة الاستهلاكية الخارجية وبأتجاه واحد ويعمل على نقل الثروة المالية الناقصة (كرأس مال مالي اهلي سالب / او ادخار سالب) أوتحويله الى ثروة مالية كاملة (كرأس مال مالي اهلي موجب / اوادخار موجب). وبهذا فأن الاقتصاد الانتقالي المالي ، هو بنفسه لاتكتمل درجة انتقاليته الى السوق الحر المالي المحلي ما لم يتكامل بظاهرة الاتجاه الواحد مع السوق الحر الخارجي( السوق المالي الدولي).
لقد عمل القطاع المالي المحلي الشديد الانتقال الى السوق الحر لوحده الاخذ بمهمة اساسها توفير زخم للاغتراب المالي financial alienation وإدائـه دور الحاضنة للثروة المالية الناقصة خلقاً) في السوق المالي المحلي ونقلها الى ثروة مالية (كاملة تحقيقاً او تجسيداً) عبر الاسواق الخارجية) . إذ يلحظ ان السوق المالية الدولية وتكاملها مع السوق المحلية بأتجاه واحد قد ادت دورها كحاضنة اكتمال او تكامل للأجنة الرأسمالية العراقية في اسواق شديدة الانتقال الى السوق الحر وآلياته ولكن خارج البلاد وبأتجاه واحد !
وإن ثمة مفارقة تؤشر نشاط الاقتصاد المالي الانتقالي في العراق ، حيث صار ذلك النشاط متميزاً في احتساب القيمة المضافة عن خدماته في مكونات الناتج المحلي الاجمالي والتي تقدر بحوالي 13% من مكونات ذلك الناتج الذي تؤديه السوق المالية الانتقالية ، في حين لاتتعدى مساهمة القطاعات السلعية (الزراعة والصناعة التحويلية ) في مكونات الناتج المحلي الاجمالي بين حد ادنى 7% وحد اعلى 9% سنوياً. مما تعكس هذه المستويات المحدودة الانتاج التركيبة الريعية الاستهلاكية الراهنة للاقتصاد الكلي .
ان انفراد القطاع المالي بالانتقال الى السوق الحر لوحده مع فقدان اعادة هيكلة القطاع العام والخصخصة الملائمة والبنية التحتية التشريعية التي تساعد على الانتقال الكلي للاقتصاد للعمل وفق آليات السوق مع تصلب اتجاهات الموازنة العامة صوب التوزيع والتصدي لمشكلات البطالة الشاسعة من خلال توسيع ظاهرة الاستخدام والتوظيف في موازنة تشغيلية متنامية بأستمرار دون توافر قدر من الكفاية الانتاجية في الموازنة الاستثمارية . اذ اسهمت جميع هذه التوجهات في سياسة الموازنة العامة والسياسة الاقتصادية المرافقة لها في تعطيل نشاط التنمية الاقتصادية وتبديد الفائض الاقتصادي المترشح من الرأس المالي للدولة ، حيث تهدر الموازنة العامة سنويا عوائد الريع النفطي الى سوق ضعيفة الكفاءة والانتاجية تلتهم مصروفات الموازنة وتستحيلها الى ادخارات سالبة بشكل او بآخر بعد اشباع الميول الاستهلاكية عبر بوابة القطاع المالي المنتقل الى اقتصاد السوق والمندمج في انتقاله بالاقتصاد المالي الدولي وبأتجاه واحد مستنزف للموارد ومعطل للتنمية . ولم تعد السوق الوطنية بكلياتها سوق تنافسية في توفير الاستخدام لقوة العمل وتنمية الاستثمار المادي بالكفاية التي يتطلبها التنوع الاقتصادي للبلاد لكون منظومة رأس المال منغمسة بطرفيها (رأس المال المالي للدولة ورأس المال المالي الاهلي ) في اللعبة اللاتعاونية التي تحرم البلاد من الرفاهية الاقتصادية المنشودة وبلوغ الامثلية في تخصيص الموارد بين الاستعمالات المختلفة وتعظيم الانتاج المادي ورفده بالاستثمارات الحقيقية كي تؤشره معدلات بطالة منخفضة لتبلغ المرتبة العشرية الواحدة وتصاعد النمو الحقيقي للناتج المحلي الاجمالي غير النفطي الى ضعف معدلاته الراهنة او بلوغ هدف خطة التنمية الخمسية لذلك النمو بمعدل سنوي اكثر من 9% بقليل.
فالمنظومة الرأسمالية الكلية بشكلها الراهن هي منظومة ضعيفة التعاون في مابينها واذا ماتحركت تعاونيا فأنها تتحرك على حساب تنمية الاقتصاد الوطني الذي يتطلب اهدافا مشتركة في تحركات تلك المنظومة . فظاهرة التمانع المشترك mutual exclusive بين اطراف المنظومة نفسها (السوق والدولة ) ما هي في حقيقتها الا تعبير عن ظاهرة تشكيل مالي سالب) تمثله موارد تتسرب من الموازنة العامة لاتضفي على القيمة المضافة في البلاد شيء يعتد به في رفع معدلات التنمية سوى تعظيم الاستهلاك وسيادة المستهلك . وبهذا تتحول نتائج المصروفات او الانفاق العام الى فوائض اهلية سالبة تأخذ طريقها في نهاية المطاف الى المنظومة الطرفية الدولية كحاضنة ومستودع مالي بديل للتنمية الاقتصادية . فالخاسر الاكبر هو التنمية حقاً وان هذه الخسارة بهذا الشكل المستمر بدأت تشكل كينونة الصراع داخل معسكر رأس المال نفسه (رأسمالية الدولة الريعية ورأس المال المالي الاهلي السالب) .
إن حالة التمانع المشترك ، التي اشرنا اليها آنفاً بين رأسمالية السوق ورأسمالية الدولة في اطار اللعبة اللاتعاونية مع حقيقة التنمية واستهداف معدلاتها لبلوغ الرفاهية ، هي اليوم اشبه مايسمى في علم الاقتصاد الرياضي بـ: حيرة السجناء Prisoner’s Dilemma التي تناولتها نظرية الالعاب . فرمي الكرة على الاخر داخل منظومة رأس المال يجعل كل من الدولة والسوق في حالة من السوء worse state بـدلا من جعلهما حالة واحدة من الرفاهية ، وفي هذه النقطة لابد من ان يتفجر الصراع حتى وان كان غير تناحرياً بين مفاصل تلك المنظومة .
فمظاهر الصراع فجرها رأس المال المالي الاهلي عندما تحول من مدخل موجب الى مخرج سالب للتخلص من حالة السوءworse state بتحويل ثروته المالية من ثروة ناقصة ( عملية خلق الثروة ) الى ثروة مالية كاملة (عملية تحقيق الثروة ) وهو التحويل الذي يمر عبر السوق الانتقالي المالي المفرد . ولن تطمئن الرأسمالية المالية الاهلية ولايرتاح لها بال مالم تدرك ان ثرواتها مفتوحة ازاء عرض من الاصول المادية والحقوق شديدة التنوع والتي لا يوفرها إلا السوق المالي الدولي طالما ترى ان مفاصل السوق الانتقالية الداخلية في القطاع الحقيقي مازالت غائبة على اقل تقدير في بنيتها التشريعية والبنى الاخرى .
انه الصراع داخل معسكر رأس المال الذي تولده ظواهر الاغتراب في منظومة رأس المال المالي الاهلي ، ذلك الاغتراب الذي اخذ ينتهي بأطلاق الصراع داخل ذلك المعسكر الرأسمالي الكلي طالما ان رأس المال المالي الاهلي الموجب لن يتخلص من اغترابه حتى يصبح فائضاً مالياً او ادخاراً سالباً في معاقله الخارجية ليتحول الى حالة الرفاهية well being state من طرف واحد مفترقاً عن رأسمالية الدولة في ذلك المعسكر الذي بات اليوم اكثر تناقضاً من الامس !.
ان مفاصل مختلفة من صناع القرار بدأت تتناول وبصورة مستمرة تقييمات مختلفة للقطاع المالي الانتقالي نحو اقتصاد السوق الحر وما يخلفه ذلك الانتقال المنفرد من اشكالية في مناخ الاستثمار الحقيقي والتقدم الاقتصادي المنشود ، دون ان تدرك ان نظرية الانتقال العراقية الى اقتصاد السوق الحر هي أحادية التكوين منذ نشأتها ، انفرد فيها النشاط المالي كقطب مهم من اقطاب منظومة رأس المال المالي الاهلي السالب دون غيره الذي يصب في مستودعات الثروة المالية خارج البلاد. والمترشح اساساً من ثروة رأس المال المالي للدولة الذي مصدرها الريع النفطي كثروة مركزية.
وبنــاءً على ماتقدم ، فأن اشكالية الانتقال الى اقتصاد السوق الحر لم توفر نموذج انتقالي صحيح ومتكامل يخدم قضية التنمية ويحقق التنافسية في بيئة الاعمال ويوفر الكفاية الانتاجية ويرفع معدلات الاستخدام ، بقدر ما اصبح فيه القطاع المالي الانتقالي المفرد مجرد ممر خطير يوفر الادخار الخارجي السالب الى معاقله الخارجية في منظومة راس المال المالي الدولي بدلاً من تكامله في منظومة رأس المال الوطني .
السبيل لاصلاح النظام المالي الانتقالي : سيناريو لاحتواء الصراع داخل منظومة رأس المال
لما كانت السياسة النقدية هي محور تسيير الاقتصاد الانتقالي المالي في العراق فأن التناقض مع السياسة المالية الطرف القوي في معسكر رأس المال جعلها في بودقة ذلك الصراع بين اطراف معسكر رأس المال . وان الخيارات المفتوحة هي اما الرجوع الى مرحلة رأسمالية الدولة المركزية وازالة الاقتصاد الانتقالي المالي برمته في وضعه الحالي ، وهو مسار يتنافى مع الديمقراطية السياسية والديمقراطية المالية في تسيير مفاصل الاقتصاد نحو اقتصاد السوق و ربما يعيد البلاد الى انماط اقتصادية لم تعد تصلح والحياة الدستورية الجديدة في البلاد و أما اجراء اصلاحات على القطاع المالي الانتقالي نفسه بجعله اقل ليبرالية و اعادة تسيير توجهاته الى قطاعات اخرى لم يكتمل فيها الانتقال الى اقتصاد السوق الحر ، مما قد يثير مخاوف تنافر القطب المالي الراهن مع المسارات الاخرى من رأسمالية الدولة ولم يحل مشكلات الصراع داخل معسكر رأس المال.
وبعيدا عن الجدليات الدائرة التي جميعها تلف في حلقة مفرغة ، حيث ترى مدرسة المالية العامة في ليبرالية السوق المالية ،وقدرتها المستمرة في توليد رأس المال المالي الاهلي ومايرافقه من ظواهر اغتراب مالي تنتهي في مستودعات الثروة المالية خارج البلاد ، هي لاتخرج عن كونها حاضنة كساد تمثل ضريبة التنمية التي تسهم في تعطيل مفاصل الانتاج والاستثمار والاستخدام في القطاع الحقيقي حسب رأيها. في حين ترى المدرسة النقودية العراقية في سلوك المالية العامة الاستهلاكي الشديد والمعظم لسيادة المستهلك والبحث عن موارد اضافية من خلال رغبة الاقتراض من الاحتياطي الاجنبي للبنك المركزي ، الغطاء الساند لاستقرار الدينار العراقي ، هو السبيل لتقويض الاستقرار وتوليد الضغوط والتوقعات التضخمية ، التي تسببت في سحق مستوى المعيشة ابان العقود الماضية والتي تعمل بالضد من اهداف الاستقرار التي تمارسها السياسة النقدية في بلوغ اهدافها من خلال تحصيل ضريبة جراء الاقتراض تمثل ضريبة التضخم .فالضريبة الاولى تسحق التنمية في حين تسحق الضريبة الثانية مستوى المعيشة وحياة الناس وادخالهم في نفق الاصدار النقدي الداكن.
ويلحظ ان اركان الاصلاح مهما ابتعدت او اقتربت فأنها تلف حول المبادئ التي جاء بها قانون البنك المركزي العراقي رقم 56 لسنة 2004 والذي ولد كمقدمة لتحرير السوق المالية وولوج اقتصاد انتقالي كلي شكل فيها البنك المركزي رأس الرمح في تطور الليبرالية المالية في العراق.
ابتدأت مستلزمات التحول الى اقتصاد السوق حقاً في النشاط المالي او السوق المالية دون القطاعات الاخرى والتي تمثلت بتحرير الاسعار واستخدام القطاع المذكور لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي وجعل التضخم عند ادنى مستوى في التاريخ الاقتصادي القريب في العراق واطلاق قوى الطلب المكبوتة ، فضلاً عن تطوير الوسائل غير المباشرة في السياسة النقدية التي تعتمد سوق مالي حر في تحقيق الاستقرار والعمق المالي للتأثير في حركة التنمية و تطوير الاستثمار في السوق الحقيقية شريطة ان تكون تلك السوق متحولة وتنعم ببنية تحتية قانونية ملائمة .
فالاجراءات والاصلاحات المصرفية وتحرير سعر الفائدة والائتمان وتكييف قانون سوق العراق للاوراق المالية وتشكيل هيئة الاوراق المالية كقوة رقابية منظمة لسوق المال و اصلاح البنية التحتية القانونية للقطاع المالي التي تمثلت بأصدار عدد من القوانين واللوائح الرقابية والتنظيمية لتحول القطاع المالي الى اقتصاد السوق ، جميعها قد ولدت حقاً سوقاً انتقالية شديدة الليبرالية امام اسواق ناقصة معطلة نسبياً لم يمسها التحول المنشود نحو اقتصاد السوق او تحسين بنيتها كقطاع خاص راكد لا يقوى على الحركة ما لم يتدخل رأس المال المالي للدولة او الاهلي لتحريكه ضمن تنسيق منظومة الاقتصاد الكلي .
فالسؤال مجال الجدل، هو اذا كانت السياسة المالية تفتقر لقدراتها في تحفيز التنمية الاقتصادية وادارتها بصورة كفء عبر موازناتها الاستثمارية منذ عام 2004 وحتى الوقت القريب ، لاعتقادتها ان القطاع المالي المنتقل الى اقتصاد السوق الحر هو الذي سيمارس مثل هذه الوظيفة تمويلاً وتنفيذاً ، نجد بالمقابل ان السياسة النقدية المستقلة التي انغمست في توفير مناخ الاستقرار وبلوغ مستويات مثالية منه ، فأنها على الرغم من ذلك لم تحرك هي الاخرى مقدرات التنمية ودفع عجلة الاستثمار الحقيقي في مجال السوق .
لــذا يلحظ ، انه لا السياسة المالية ، التي تفتقر لتوافر عناصر الكفاية الانتاجية لبلوغ اهداف التنمية والتي انغمست حقا في العدالة التوزيعية وبناء مقومات دولة الرفاهية الاستهلاكية، اصبحت قادرة على خلق مناخ الاستثمار الانمائي وتمكين التنمية وتعظيم بيئة الاعمال ولاسيما في الاسواق الضعيفة غير الانتقالية وقطاعات الانتاج الحقيقي الملازمة لها ، ولا كذلك السياسة النقدية المستقلة التي وفرت الاستقرار في اعلى مستويات من الامثلية في البلاد ، قد حفزت رأس المال المالي ليتجه نحو الاستثمار الحقيقي المرغوب.
ان الدعوة الى تغيير او تعديل قانون البنك المركزي العراقي النافذ رقم 56 لسنة 2004 هي دعوة صريحة للتصدي الى مظاهر الاقتصاد الانتقالي في العراق عبر هذه الاحادية الليبرالية في التحول الى السوق المالي الانتقالي الحر حصراً ولاسيما بعد اطلاق قواه وتحريره من القيود التي وفرت الاستقرار كمناخ مهم للتنمية ولكنها لم توفر معايير التنمية في السوق الحقيقية بسبب الاشكاليات الناجمة عن الاستقطاب العالي لرأس المال المالي في اقتصاد الدولة والسوق معاً جراء غياب الاقتصاد الانتقالي المنسق الشامل.
وعلى الرغم من ذلك لا اجد قيمة للتشخيص الموضوعي في رسم مستقبل البلاد الاقتصادي مالم تضع السياسة الاقتصادية منهجاً فكرياً واضحاً لها كي يخرج الاقتصاد الوطني من ازمته الراهنة في التنمية اي ازمة التنمية.
فالرجوع الى فكرة المركزية الشديدة مجددا في ادارة الاقتصاد التي يطرحها البعض بين الحين والاخر او نقرأها من بين السطور هي عودة الى لعبة الثعابين والسلالم ، ولكن في هذه المرة يتفوق فيها عدد الثعابين على عدد السلالم مما يُدخل البلاد في مأزق دستوري يتقاطع مع توجهات العراق الجديد المتطلع الى تقوية مؤسسات السوق الحر والمشروط بتحسين سلوك السوق والانتقال بــه من سوق حر منفلت الى سوق حر موجه.
فالدعوة الى اصلاح قانون البنك المركزي العراقي الحالي بأشتراط الحفاظ على استقلاليته (وان هذه الاستقلالية لاتعني تقاطع ذلك مع توفير الائتمان الى الموازنة العامة عند بلوغ الاقتصاد مراحل حرجة تهدد امنه الاقتصادي الوطني ) ينبغي ان تتلازم تلك الدعوة في اصلاح ستراتيجية الموازنة العامة بما يوفر الشروط التي تلتحم فيها السياستين المالية والنقدية وتنسجما في عملهما صوب تفعيل الانتقال الشامل الى السوق الحر الموجه المتجانس ، وان اعادة لُحمة الاستثمار الحقيقي وتشجيع التنمية الاقتصادية بمناخات جديدة ، تستلزم اندماج السياسة الاقتصادية في سياسات السوق الحر الموجه بغية توليد اثـــر ارتجاعـــي feed back لرأس المال المالي وتحويله من الحالة السالبة الى الحالة الموجبة الفاعلة لتمويل الاستثمارات الفعلية الملازمة لنشاط التنمية وتعظيم الاستخدام المحلي بدلاً من تسربه الى مستودعاته خارج البلاد تحت تأثير سلوك الاغتراب المالي financial alienation الذي نوهنا عنه سلفاً.
ان التفكير في اصلاح قانون البنك المركزي العراقي مع الحفاظ على استقلالية السياسة النقدية هي فكرة ينبغي ان لا تبدأ بمعزل عن اصلاح توجهات السياسة المالية قبل بلوغ التغيير الملازم والملائم في مسارات السياسة النقدية . فينبغي على السياسة المالية ان لاتستسهل الخوض في ضريبة التضخم من خلال سهولة الحصول على النقد الرخيص او السهل easy money كما يشار اليه متى ماتشاء وكيفما تشاء بأستثناء الحالات الحرجة التي تمس المصلحة العليا للبلاد وتكون مدعاة لتهديد الامن الاقتصادي الوطني عندها تُقرض الموازنة العامة من البنك المركزي وبالحدود التي يرسمها القانون .
وطالما ان الريع النفطي وموارده المتعاظمة ستظل تشكل الفائض الاقتصادي المركزي للبلاد في الامد المنظور فأنه لابد من ان يأخذ بأتجاهين متكاملين من الناحية الاستثمارية :
الاول :
ويتمثل بالموازنة الاستثمارية وتوجهاتها نحو انتاج السلع العامة public goods ونقصد هنا البنية التحتية المادية او غيرها من البنى التحتية فضلا عن تمكين مناخ الاستثمار والتنمية في القطاع الخاص بما في ذلك توفير الشراكة الستراتيجية بين اقتصاد السوق واقتصاد الدولة عبر ما يمكن تسميته بخلق السوق الحر الموجه او المنضبط ورسم الستراتيجيات اللازمة لذلك فورا وابتعاد الدولة عن انتاج السلع الخاصة private goods التي تتولى انتاجها العديد من شركات القطاع العام.
والاخر:
خلق صندوق ثروة سيادية مؤازر للموازنة العامة لمواجهة حالات الاخفاق في الايرادات السنوية ومواجهة الانحرافات بين الايرادات والنفقات العامة وعده مصدة مالية fiscal buffer وبمتوسط رصيد يبلغ 15% من موازنات السنوات الخمس الماضية بأستمرار واستثماره ماليا كحقيبة استثمارية سيادية .
وقــدر تعلق الامر بأصلاح السياسة النقدية ، فأن تطوير عملياتها الائتمانية صوب السوق الحر الموجه (وفق الرؤية الشخصية للكاتب ) ينبغي ان تأخذ منحىً اخر في تحريك الاستثمارات الحقيقية فيها وفق تصورات لاتؤثر على استقلالية البنك المركزي تجاه السوق هذه المرة وتحافظ على الاستقرار في الوقت نفسه وهو امر ينسجم مع اهداف البنك المركزي في بلوغ الاستقرار والتنمية بمستوى واحد من منطلق مايسمى بالصلاحية المزدوجة Dual Mandate ويأتي هذا التوجه بسبب خصوصية ظروف بلادنا التي تقتضي توجيه السوق بقوة فاعلة اضافية وبأكثــر من محــور !
منوهين بأن مجالات تمكين السوق التي يمكن ان تمارسها السياسة النقدية في التنمية والتقدم الاقتصادي واداء دورها بهذا الشأن هي لاتتعدى مناطق النهوض بتمويل السلع العامة ذات الاستخدام المخصصclub public good بعيدا عن الانغماس في الاستثمار في السلع الخاصة والتي هي من اختصاص السوق الانتقالي الحر الموجه . و أرى من وجهة النظر الشخصية ان توفير الائتمان الى تلك النشاطات الاستثمارية عبر الجهاز المصرفي الوطني سيدفع بمعدلات التنمية والاستثمار الحقيقي الى مستوى مرغوب يساهم في كسر حلقة الاستنزاف المالي التي يمر بها الاقتصاد الوطني عبر خلق مناخ فاعل وجاذب يقلل من الادخار الخارجي ويوفر مجالات شديدة الجذب لرأس المال المالي الاهلي الموجب.
ان مشهدي السياسة المالية والسياسة النقدية كما وردا آنفاً يمثلان بلا شك السير بمبادئ عمل واجواء اقتصادية صحية شديدة التنسيق فيما بينهما وتحافظ بالوقت نفسه على مبادئ وآليات الاقتصاد الانتقالي نحو السوق الحر الموجه دون خرق دستوري وتضمن استقلالية البنك المركزي وتنهي اشكاليات الصراع داخل مفاصل السياسة الاقتصادية من جهة ومفاصل منظومة رأس المال الكلي من جهة اخرى.
كما ان اقراض السوق بأجراءات اجتهادية discretionary وتمكين مسارات التنمية والاستثمار الحقيقي فيها من جانب السياسة النقدية وعده محوراً فاعلاً صوب السوق لابد من ان يتزامن مع تكوين صندوق ثروة سيادية يعوض احتياجات الموازنة العامة عند انحراف الايرادات ومواجهة الاخفاقات فيها.
ختامـاً: ان السير في اصلاح منظومة رأس المال ، يتطلب في جوهره اصلاح السياسة الاقتصادية بأركانها كافة بما يوفر الظروف الموضوعية للاقتصاد الوطني في الانتقال الشامل الى اقتصاد السوق الحر التنافسي المنضبط او الموجه وفي حزمة واحدة تحافظ على المسار الصحيح لسفينة العراق الاقتصادية القوية وضبط بوصلتها في الاستقرار ومكافحة التضخم وتحقيق التنمية الاقتصادية واستهدافها بخطوط متوازية ومتكافئة دون اللجوء الى قوارب النجــاة !!
*نائب محافظ البنك المركزي العراقي
شبكة الاقتصاديين العراقيين 16/6/2012

Download PDF version لتنزيل الملف بي دي أف