السياسة النقديةملف البنك المركزي العراقي

د. ميثم لعيبي: مجازاة رماحه!

من أغلى الهدايا التي وفرها البنك المركزي للحكومة هو تثبيت سعر الصرف، وذلك لأن هذه الهدية، (بردت) رأس الحكومة لفترة ممتدة من الزمن، بحيث اننا لم نسمع اية شكوى من الافراد ومن اية تذبذبات كنا نسمع بها في الماضي، والتي كانت تربط (الطماطة بسعر الدولار). يقول لك البائع (اليوم صاعدة الطماطة)، تسأله ( ليش يابه)، فيقول لك (مو صعد الدولار).

هذه الحوارات التي كنا نسمعها بشكل يومي قبل 2003، لم نعد نسمع بها طوال مدة ما بعد 2004 وحتى حركة الانقلاب على المركزي، وهو امر لا بد ان تشكر الحكومة البنك المركزي عليه، اذ يقال ان افضل السياسات النقدية هي التي ينساها المواطن.

الامر؛ للتذكير، انعكس بشكل إيجابي ايضا على معدلات التضخم، التي بلغت حدودا خيالية قبل 2003 ، اذ وصل رقم التضخم الى 69 بالالف (لا بالـ%) ! بحيث اصبح مجرد (الاحتفاظ بدينارات عراقية) لليلة واحدة في البيت ثمنا لفقدان جل ثروتك في الصباح، ولو قال لي احدهم حينها ان التضخم سيعود الى حدود الـ3.6 % بعد سنوات 2003، لقلت له انك تخالف ما تعلمناه في الف باء الاقتصاد التي تقول ان التضخم ينمو بمعدل طبيعي سنوي هو 1 – 2 % .. وهو ما يعني ان البنك المركزي قام بعمل غير طبيعي!

سأذكر لكم حسنة اخرى، يجب ان يثاب عليها المركزي بعشرة أمثالها، وهي مسألة غاية في الاهمية تبين مدى التزام السياسة النقدية للبنك المركزي الاحتفاظ بعلاقة حصيفة مع السياسة الحكومية، وهي تلك التي تتعلق بقيام الحكومة بشكل سنوي؛ وعند تقدير ايراداتها السنوية، بتحديد سعر برميل النفط، ومن ثم احتساب تقديرات الايرادات تبعا لتوقع كمية مبيعات من التصدير، فلو لا حسن تصرف المركزي وتثبيته سعر صرف الدولار لما استطاعت الحكومة بناء تلك التقديرات بهذا الشكل السليم، ولما تمكنت من ثم من مراكمة فوائض تحوطية في الموازنة، بسبب تقديرات اسعار النفط التي تقل في العادة عن اسعارها العالمية بمقدار يتجاوز الـ10 دولارات في اغلب السنوات.

هذا الامر، للأمانة، مكن الحكومة من السير في موازنتها بشكل سلس، ودون مطبات مفاجئة، وهو ما جعلها تحقق اهدافا اجتماعية مفيدة كامتصاص البطالة من خلال التوظف الحكومي، ودفع مرتبات اجتماعية فضلا عن الاريحية التي مكنتها من تدوير فوائض الموازنة الى السنوات اللاحقة.

ليس ذنب البنك المركزي، ان هناك خلافات بين الحكومة والبرلمان أعاقت تشريع بعض القوانين التي أعاقها اداء بعض وظائفها، وليس ذنب المركزي ايضا ان الحكومة لم تستطع في الغالب انفاق 25 % من موازنة وزاراتها على مر السنين.

مقابل تلك الحسنات التي توفرت للحكومة من سياسات المركزي، كانت النتيجة أن يتم التعامل معه بقسوة شديدة وذلك لأنه طبق قانونه الذي يقول (حظر إقراض الحكومة) في احد فقراته، وذلك في (دولة القانون) كما هو واضح من عنوان الحكومة! وهذا يعني انطباق المثل القائل إنها (مجازاة رماحه!) في اشارة الى مقابلة الاحسان بالاساءة.

*) استاذ علم الاقتصاد في جامعة المستنصرية – بغداد

المصدر: الدليل للبرلمان العراقي

http://www.iraqiparliament.info/node/1502

  لتنزيل المقال بصيغة ملف بي دي أف

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: