أبحاث نظرية في الفكر والتاريخ الإقتصادي

التصنيع القائم على كثافة العمل في التاريخ العالمي

غاريث أوستن و كاورو سوغيهارا، محررين، التصنيع القائم على كثافة العمل في التاريخ العالمي، لندن: روتليدج، 2013.  14 + 314 ص، 140 $ (غلاف فني)، ISBN: 978-0-415-45552-7.

مراجعة:

جيف هورن، قسم التاريخ، كلية مانهاتن *

ترجمة: مصباح كمال

يضم هذا الكتاب المهم الذي صدر في الوقت المناسب عدداً من التحديات للتفسيرات الأنجلو-مركزية أو الأوروبية- المركزية لعملية التصنيع في مختلف الدول والمناطق في أنحاء العالم.  وهذا الكتاب الذي نشأ من المناقشات في مؤتمرات كبيرة وصغيرة في العامين 2001 و 2012، هو جزء من سلسة بحوث في التاريخ الاقتصادي التي تقوم دار النشر روتليدج بنشرها.  ويسعى مؤلفو الكتاب، بشكل جماعي، إلى الاختبار التاريخي ومن ثم توسيع النطاق المفاهيمي لموضوعة كاورو سوغيهارا المؤثرة بأن مسار عملية التصنيع في شرق آسيا القائم على كثافة العمل والتوفير في الموارد آخذ بالانتشار عالميا، وأن هذا النموذج يوفر وسيلة أكثر واقعية لتحسين مستويات المعيشة دون تدمير البيئة في المناطق التي لم تخضع بعد للتصنيع (ص i).

المحررين، غاريث أوستن، أستاذ محاضر في التاريخ الاقتصادي في كلية لندن للاقتصاد، وسوغيهارا، أستاذ التاريخ الاقتصادي في جامعة كيوتو، قاما بتجميع فريق رائع من العلماء: جان دي فريس Jan de Vries ، ميشيل هاو Michel Hau، كولن م لويس Colin M. Lewis، كينيث بوميرانز Kenneth Pomeranz، تيرذنكار رُوي Tirthankar Roy، أوسامو سايتو Osamu Saito، نيكولاس ستسكوف Nicolas Stoskopf، ماسايوكي تانيموتو Masayuki Tanimoto، وبيير فان دير إينغ Pierre van der Eng.  وبالضرورة ساهم مختلف المؤلفين بدرجات متفاوتة من النجاح في عرض الاختبار التاريخي والمفاهيمي، ولكن مجمل الكتاب ذا قيمة، سواء في جمع هذه الدراسات في مكان واحد أو في التصدي لعدد من القناعات التقليدية [الأرثوذوكسية] القائمة بشأن الأدوار الفعلية والنظرية للعمل ورأس المال وعناصر الإنتاج الأخرى factor endowments للتصنيع.

ويؤكد المحرران أن:

1)   انتشار نموذج شرق آسيا قد قلّلَ الفوارق الإقليمية بين الشرق والغرب الناجمة عن التصنيع والكولونيالية؛

2)  انتشار التصنيع القائم على كثافة العمل قد أوجد غالبية العمالة العالمية في الصناعات التحويلية في الوقت الحاضر؛

3)  المسار الغربي في التنمية لم يكن وليس هو، في الوقت الحاضر، الطريق الوحيد للتصنيع، على الرغم من أن المحررين يقرّان بأن النموذج الغربي أثرَّ بشدة على المسارات الأخرى (6 ص).

وتحدد مقدمة الكتاب القضايا الجوهرية بكفاءة.  ويضم الفصل التالي أحدث التنقيحات التي أدخلها سوغيهارا في تفسيره للتجارب الصناعية في شرق آسيا.  تأكيده على تحسين نوعية العمل كونها “عنصرا حيويا” في تحقيق التحول العالمي هو موضع ترحيب خاص (ص 21).  ويقدم دي فريس في الفصل 3 دراسة ومناقشة متوازنة للـ “الثورات الصناعية في الشرق والغرب” يركِّز فيها على دور الأسواق باعتبارها الفارق الرئيسي بين سلوك الأسر في هاتين المنطقتين (ص 80).  وفي تأكيده على دور كثافة المهارات، يقدم سايتو في الفصل 4 أطروحته أن التصنيع الأولي proto-industrialization ينبغي أن يُفهم على أنه أحد أشكال التصنيع القائم على كثافة العمل له القدرة على توليد النمو وفق تصور آدم سميث Smithian (ص 85).  هذه الفصول الأربعة “المؤطرة” للكتاب تضم تصريحات استفزازية من حجج ذكرت في مكان آخر، ولكنها هنا تعرض بصراحة في الحوار الذي يشحِّذ التحليل إلى حد كبير.

استناداً إلى أمثلة آسيوية متنوعة، يؤكد المحرران بأن “التصنيع القائم على كثافة العمل قابل للتحويل إلى الاقتصادات ذات العمالة الفائضة من خلال السياسات الصناعية والتعليم والتجارة والاستثمار.” (ص 5).  هذه الأطروحة هي موضوع نقاش مثمر من جانب رُوي، بوميرانز، تانيموتو، وفان دير إينغ في الفصول التي تشكل الثلث الأوسط للكتاب.  ويشدد هؤلاء الكتاب على وجود واستمرار الصناعة القائمة على كثافة العمل والقدرة التنافسية على نطاق ضيق قبل وبعد التصنيع في الهند (روي)، والصين (بوميرانز)، واليابان (تانيموتو) واندونيسيا (فان دير إينغ).  وكلهم يجد أن النجاح الصناعي لهذا النموذج يقوم على العمالة الرخيصة نسبياً والوفيرة نسبياً ذات الجودة العالية نسبياً.  وينطبق هذا التقييم على نحو أفضل على الهند والصين واليابان.  في حالة إندونيسيا، فان دير إينغ يقوم بمسح كي يتوصل، بشكل ملتوٍ نوعا ما، لماذا كان التصنيع القائم على التصدير وكثافة العمل مستحيلاً قبل هبوط أسعار النفط في ثمانينيات القرن الماضي، مما استلزم تطوير فرص جديدة (ص 195).

نموذج شرق آسيا، خارج جنوب وشرق آسيا، يجابه الصعوبات، كما يعترف بذلك أوستن نفسه (ص 291-92).  في الفصل 9، يحلل أوستن دور كثافة العمل في الإعاقة أولا ومن ثم دعم الصناعات التحويلية في غرب أفريقيا قبل الاستنتاج المفرط في التفاؤل بأن الظروف تميل لصالح غرب أفريقيا (ص 223-25).  ويسلط الضوء على دور الأسواق من خلال إظهار أن اليد العاملة الرخيصة وحدها ليست كافية لدعم الصناعات التحويلية كثيفة العمالة (ص 218).

ويشرح لويس أن أمريكا اللاتينية كانت تعاني نقصاً مزمناً في كل من رأس المال والعمل، وهو ما يفسر لماذا لم يكن هناك أي انتقال من العمالة الكثيفة في عهد الاستعمار إلى صناعة حديثة كثيفة رأس المال (ص 244).  ويبيّن أن الشكاوى التاريخية حول نوعية العمل أو ندرة العمل تعكس في الواقع عدم وجود عمل، وليس أي نقص موضوعي في [قدرات/كفاءات] القوى العاملة (ص 244-46).  إن التاريخ الذي يعرضه لويس هو أكثر إقناعاً من تحليله للنجاح المعاصر في أمريكا اللاتينية الذي يبدو أنه يأتي من العدم، كما يظهر في عرضه.

ثم يعود الكتاب إلى أوروبا حيث يناقش هاو و ستوسكوف وضع الألزاس في القرن التاسع عشر بالتركيز على العوامل الديموغرافية.  وعلى الرغم من أن هذا الفصل يحتوي على بيانات مثيرة للاهتمام جداً، إلا انه قصير جداً.  وللأسف، فإن هاو و ستوسكوف لا يربطان كتابتهما مع الأطروحات الأكبر، نظريا أو مع الكتابات التاريخية، التي يثيرانها.

ويختتم الكتاب بدراسة أوستن التاريخية الموسعة للتفاعل بين التصنيع كثيف العمالة والتنمية الاقتصادية العالمية.  ويسعى صراحة إلى توسيع نظرية المسارين لسوغيهارا من خلال شرح نموذج ثالث يعتمد على القيود البيئية على استخدام الأرض والعمل في غرب أفريقيا (ص 292).  وبغية الحد من التحيّز الغربي في دراسة الكسندر غريشنكورن Gerschenkron حول البلدان “النامية في وقت متأخر” “late developing”، يؤكد أوستن بشكل مقنع على أهمية نِسَبْ العوامل (ص 297).

يقدم هذا الكتاب مجموعة مثيرة من التفسيرات الاقتصادية للتنمية الصناعية في العالم تتلاءم مع الأدلة التاريخية أفضل بكثير من التفسيرات الأنجلو-مركزية أو الأوروبية- المركزية.  ومع ذلك فإن بعض أوجه القصور يتطلب التعليق.  في كتابٍ ينتقد التفسيرات التي تخصص دوراً سلبياً نسبياً للعمل (ص i)، فإنه من المذهل أن نلاحظ أن كل واحد من هؤلاء المؤلفين يتعامل فقط مع العمل باعتباره وحدة مجردة.  فلا يلتقي القارئ أبدا بأي إنسان عامل، حتى لفترة وجيزة، لتوضيح نقطة ما.  وباختصار، يقدم هذا الكتاب نسخة مجهولة الهوية للعمل دون أي ذكر للعمال الأفراد، وهذا يُقّوض بعضاً من فعالية التركيز على العمل ويضعف الحجة المقدمة.  وهناك أيضاً قضايا السياق العالمي ذات الصلة والتغير على مرّ الزمن جاءت غير واضحة بسبب ترتيب العرض في الكتاب – الانتقال من فصل فان دير إينغ حول القرن العشرين لأوستن ولويس، اللذين تناولا فترات أطول بكثير، قبل العودة إلى الألزاس في القرن التاسع عشر يخلق إرباكاً ولم يتم التعامل معه بما فيه الكفاية في المقدمة.  تجدر الإشارة، مع ذلك، أن هذه الانتقادات لا تقوض القيمة الأساسية للكتاب نفسه أو استنتاجاته.  هذا الكتاب يتصدى بعمق للمعتقدات التقليدية القائمة، وينبغي أن يثير المزيد من الأبحاث الرائدة.  وعلى أقل تقدير، فإن هذه الدراسات المترابطة تقوم على أرضية صلبة في التجربة التاريخية لا يمكن تجاهلها، ويجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في أي تفسير للتنمية الصناعية العالمية في الماضي أو الحاضر أو المستقبل.  وعلى الرغم من سعره الباهظ، فإن الكتاب يستحق الشراء من قبل كل مكتبة أكاديمية.

حقوق نشر الترجمة العربية محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين – حزيران 2013

Gareth Austin and Kaoru Sugihara, editors, Labour-Intensive Industrialization in Global History.  London: Routledge, 2013. xiv + 314 pp. $140 (hardcover), ISBN: 978-0-415-45552-7.

Reviewed for EH.Net by Jeff Horn, Department of History, Manhattan College.

Published by EH.Net (May 2013)

حقوق الطبع والنشر (ح) 2013 لـ EH.Net.  جميع الحقوق محفوظة.

*) Jeff Horn is Professor of History at Manhattan College.  He will soon complete Economic Development in Early-Modern France: The Privilege of Liberty, 1650-1800, under contract with Cambridge University Press. jeff.horn@manhattan.edu

Copyright (c) 2013 by EH.Net. All rights reserved. This work may be copied for non-profit educational uses if proper credit is given to the author and the list. For other permission, please contact the EH.Net Administrator (administrator@eh.net). Published by EH.Net (May 2013). All EH.Net reviews are archived at http://www.eh.net/BookReview

لتنزيل ملف بي دي أف انقر هنا

Comments (1)

  1. فاروق يونس
    فاروق يونس:

    جاءت الترجمة لموضوع ( التصنيع القائم على كثافة العمل ) هذه المرة مكثفة ومختصرة ومع ذلك ورغم هذا الاختصار الشديد فان العمل الذى قام به الاستاذ مصباح كما جدير بالشكر والتقدير
    ساحاول عرض وجهة نظر مختلفة تماما للبروفيسور ( ميشيل تشوسودوفيسكى )المبينة فى كتابه ( عولمة الفقر – تاثير اصلاحات صندوق النقد والبنك الدوليين )
    عثرت على ترجمتين لهذا الكتاب الى اللغة العربية
    الاولى – ترجمة السيد جعفر على حسين السودانى
    بيت الحكمة – بغداد 2001 – الطبعة الاولى
    عنوان الكتاب باللغة البرتغالية
    Aglobalizacao
    da pobreza
    Impactos das reformas do Fundial
    الثانية – ترجمة السيد محمد مشيجير مصطفى – صادر عن الهيئة المصرية للكتاب
    ساقوم بالاقتباس من ترجمة السيد جعفر على
    كتب المولف فى الفصل الثالث ص 91 – اقتصادات العمل الرخيص على الصعيد العالمى ما نصه
    1- لقد صاحب عولمة الفقر نوع من الاصلاح فى الاقتصادات الوطنية للبلدان النامية ونوع من اعادة تحديد ادوار هذه الدول فى النظام الاقتصادى العالمى الجديد
    2- تميز الاقتصاد العالمى بانتقال جزء اساس من القاعدة الصناعية للبلدان المتقدمة الى اماكن توفر الايدى العاملة الرخيصة فى البلدان النامية ويذلك بدات تنمية اقتصاد الصادرات القائم على الايدى العاملة الرخيصة فى جنوب شرق اسيا فى عقدى الستينيات والسبعينيات خاصة فى مجال الصناعة كثيفة العمل
    3- مع نهاية عقد السبعينيات بدا يظهر جيل جديد من مناطق التجارة الحرة الذى اخذت اقطاب النمو الرئيسية فيه تظهر فى جنوب شرق اسيا والشرق الاقصى والصين والبرازيل والمكسيك واوربا الشرقية
    4 – ان هذا التطور على المستوى العالمى للصناعة القائمة على الايدى العاملة الرخيصة ( فى ميادين الانتاج الاكثر تقدما واهمية ) يفرض ضغطا على الطلب الداخلى الخاص بالنشاطات الاقتصادية الفردية فى العالم الثالث وتماسكا فى قوة العمل الصناعية الرخيصة —– ان هذه العملية تستند الى تدمير الانتاج الوطنى الخاص بالسوق الداخلية ( اى بمعنى تدمير الصناعات البديلة عن الاستيرادات ) فى بلدان العالم الثالث وتعزيز اقتصاد الصادرات القائم على الايدى العاملة الرخيصة —- اذ تتعطل الصناعات التى تنتج للسوق الداخلية مما ادى الى افلاس الشركات الوطنية
    5- ان الشعار اليوم هو الموت او التصدير اما احلال الواردات والانتاج للسوق المحلية فما هما الا مفهومان مهملان للدول التى تتخصص على وفق ميزتها النسبية التى تكمن فى وفرة الايدى العاملة فيها وفى اجورهم الواطئة
    6- ان التطبيق الانى لبرامج التكيف الهيكلى فى البلدان المدينة يعمل على تسريع نقل الصناعة اليدوية من المجتمات الصناعية الموجودة فى البلدان المتقدمة الى مناطق الايدى العاملة الرخيصة فى العالم الثالث واوربا الشرقية
    7- ان التفكيك لا يعنى اعادة التركيب الجيد اى بمعنى ان الازالة التدريجية للصناعة المحلية التى تنتج للسوق الداخلية لا تضمن اقامة نوع جدبد من العلاقة المستقرة والقابلة للتطبيق على السوق العالمية وبعبارة اخرى ان انضغاط كلفة اليد العاملة لصالح العرض لا يعنى وحده سوى نمو قطاع التصدير واندماج الاقتصاد الوطنى للعالم الثالث فى السوق العالمية
    8- لقد هبط بصورة ماساوية اسهام الاجور فى الناتج المحلى الاجمالى فى العديد من اقتصادات التصدير القائمة على اليد العاملة الرخيصة وذلك فى اعوام الثمانينيات – فعلى سبيل المثال ادى برنامج التكيف الاقتصادى الهيكلى فى امريكا اللاتينية الى انكماش كبير فى الاجور من حيث اسهامها فى الناتج المحلى الاجمالى ومن حيث النسبة المئوية للقيمة المضافة الى الانتاج اما ما يتعلق باجور العاملين فى الدول المتقدمة فانها تكون تقريبا 40% من القيمة المضافة الى الانتاج فى حين تكون هذه النسبة فى امريكا اللاتينية وفى جنوب شرق اسيا بحدود 15%
    9 – ان تطوير الصناعات القائمة على اليد العاملة الرخيصة فى العالم الثالث ياتى انعكاسا لغلق معامل فى المدن الصناعية التابعة للدول المتقدمة بحيث اثرت الموجة الاولى من عمليات الغلق بصورة واسعة فى مناطق كثيفة العمل للصناعة اليدوية
    ——–
    المولف – استاذ الاقتصاد فى جامعة اوتاوا وباحث فى مركز الدراسات الخاصة بالمناطق النامية التابع الى جامعة مكجيل فى منتريال – مجاز كزائر فى اوربا وامريكا اللاتينية وجوب شرق اسيا- عمل مستشارا اقتصاديا لحكومات البلدان النامية ومستشار لعدة منظمات دولية من بينها منظمة العمل الدولية وبرنامج التنمية التابع للامم المتحة ومنظمة الصحة العالمية عمل لمصلحة الوكالة الكندية للتنمية الدولية وفى عدة مهمات فى الدول الافريقية الواقعة جنوب الصحراء وفى امريكا اللتينية وجنوب افريقيا – عضو فى عدة منظمات بحثية متخصصة
    الاسم – Michel Chossudovsky

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: