محمد سلمان حسن

د. كامل العضاض: شيءٌ مما تحمله الذاكرة عن الراحل الدكتور محمد سلمان حسن

عرفت الدكتور محمد سلمان حسن، الاقتصادي العراقي المعروف في العراق، خلال النصف الثاني من عقد الستينيات من القرن الماضي، وكنت وقتها قد عدتُ حديثاً إلى العراق بعد إكمال دراستي الجامعية الأولى في بريطانيا.  وباعتباري اقتصادي من حيث التأهيل، ومعني بالعمل على تطوير الاقتصاد العراقي، بما يحقق تنمية مُثلى، خروجاً من حالة الاقتصاد الريعي الضارة والمعوّقة لتنمية مستدامة، تكفلُ مستقبل الأجيال القادمة، وذلك بالتوازي مع تحقيق عدالة اجتماعية، تحت نظام سياسي ديمقراطي، يقوم على احترام آدمية الإنسان وقدسية حقوقه، بغض النظر عن دينه وعرقة وأثنيته، حيث إن إنسانيته وعراقيته هي التي تشكل هويته الوطنية، قصدت الدكتور سلمان حسن مع بعض الأصدقاء الذين كانوا يشاركوني رؤيتي أو أحلامي، قصدته إلى بيته، حيث عرفت أنه يستقبل ويرحب بالجيل الذي سمّاه “جيل متنور ومؤهل” لخدمة العراق.  وكان كثيراً ما يلازمني في زياراتي الأسبوعية الى داره صديقي، حينذاك، الأخ صبري زاير السعدي والذي تأهل لاحقاً بحمل شهادة الدكتوراه في التخطيط الاقتصادي من جامعة برمنغهام في بريطانيا.  كما فعلتُ ذلك أيضاً خلال السبعينيات من القرن الماضي ولكن علاقتي مع الدكتور محمد لم تنقطع حتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.

وأتذكر بأن المرحوم الدكتور محمد، في أول لقاء لنا به، استمع الى ما سماّها “مرئياتنا” للنهوض بالاقتصاد العراقي وللخروج من النظم العسكرتارية الدكتاتورية، إبان الحكم العسكري العارفي الثاني.  أتذكر أني شرحت له وجهة نظري، كما أوجزتها آنفاً، فقال بأننا بحاجة إلى منهجية نقدية تستمد من الفكر الماركسي غير المؤدلج لتحليل الواقع الاقتصادي/الاجتماعي/السياسي العراقي ضمن منظور تأريخي شامل.  فاستحسنت كلامه، وزدتُ عليه، بأن المنهج الكمي الإحصائي هو الأنسب، لأنه يمكن أن يؤطر كل المداخل الفكرية، الماركسية وغير الماركسية، فردّ بان المنهج الكمي مطلوب، ولكن كفاءته تعتمد على الافتراضات الأولية التي نضعها.  فأجبت بأن الافتراضات ستكون مستمدة من الغايات العليا التي نضعها، وهي في هذه الحالة: القضاء على الريعية، وتحقيق تنمية مستدامة تقوم على العدل الاجتماعي، في ظل نظام ديمقراطي يستند إلى حكم الشعب لنفسه، فأيد كلامي، وأضاف، لكن كل ذلك لن يتحقق بدون عمل وطني سياسي دائب، وهو كان يفضّل أن يكون العمل سلمياً، ومن هنا قامت الحاجة إلى التكتل والتنظيم الواعي.

ومنذ ذلك الوقت تتابعت لقاءتنا، وكان يشجعنا على دراسة الواقع بشكل ملموس وليس نظرياً.  هكذا كانت الخطوة الأولى، وهي أن نتكتل، كمثقفين تقدميين أو ديمقراطيين، لخوض الانتخابات القادمة في جمعية الاقتصاديين العراقيين والتي يقع مقرّها في مطلع المنصور، حيث كان يشكّل ذلك المقر محلاً دائماً للقاءاتنا المسائية.  وكنا نشارك بفعالية في جميع نشاطات الجمعية الفكرية والثقافية والتي تنطوي على جوانب سياسية غير صريحة.  وهكذا تم تشكيل القائمة التقدمية للترشيح للانتخابات العامة للهيئة الإدارية للجمعية وذلك في عام 1967، بعد العدوان الإسرائيلي المعروف.  وكانت القائمة برئاسة الدكتور محمد سلمان حسن.  ولكن هذه القائمة لقيت منافسة حادة من القائمة القومية برئاسة الدكتور محمود الحمصي.  وعلى الرغم من تقارب النتائج، فقد فازت قائمة الحمصي المدعومة من قبل البعثيين الذين كانوا ينشطون سراً للإطاحة بنظام عبد الرحمن عارف.  لقد كان للشعور الكبير بآثار الهزيمة الكبرى أمام إسرائيل والتي أحاقت بمصر، كقائدة للأمة العربية، في وقتها، تأثير كبير في فوز البعثيين في انتخابات جمعية الاقتصاديين، حينذاك.

إن عدم الفوز في انتخابات جمعية الاقتصاديين لم يفت في عضد الدكتور محمد ولا عضد مؤيديه، فقد استمرت النشاطات وتكاثفت.  وكان من بين أهم الأمور التي جرت مناقشتها هو تقديم مشروع لتأميم الصناعات النفطية الاستخراجية، وخصوصاً بعدما أممت حكومة عارف خط أنابيب النفط المار عبر سورية إلى ميناء بانياس المطل على البحر الأبيض المتوسط، وانتزاعه من هيمنة شركة نفط العراق.  ولكن الدكتور محمد، رحمه الله، كان حذراً وربما واقعياً، حيث قدم بحثاً حصيفاً، ألقاه في اجتماع حاشد في جمعية الاقتصاديين العراقيين، وذلك في مطلع صيف عام 1966، كما اعتقد ولا أتذكر التأريخ بشكل دقيق.[1]  وكان البحث يقوم على فكرة تقنين تأميم النفط وليس تأميمه دفعة واحدة، وذلك لتجنب مطبات التسويق، وللتحسب لمناورات وضغوط شركات النفط، الآي پي سي (IPC) وحلفائها.

وكانت الندوة ناجحة ومؤثرة بكل المقاييس، فجّرت تعقيبات عديدة عليها، كما صدرت بكتيب جرى توزيعه بشكل واسع، ناهيك عن متابعة الندوة من قبل الصحافة العراقية.  وأتذكر إن من بين الشخصيات التي حضرت، بحضوري، جلسات الدكتور محمد سلمان حسن، كان المرحوم، طيب الذكر، الأستاذ إبراهيم كبّه الذي كان يساهم في النقاشات حول مستقبل الاقتصاد العراقي بدراية وواقعية كبيرة.  كما أتذكر، ان من بين زملائي وأصدقائي الذين كانوا يواصلون اللقاء أو الاتصال بالدكتور محمد، هو الدكتور الزميل فاضل مهدي، واتصور، ولست متأكداً، بأن الأخ الدكتور سنان الشبيبي كان، قبل سفره للدراسة العليا في بريطانيا، على صلة بالدكتور محمد، وربما كان آخرون من زملائي، مثل الأستاذ موفق محمود حسن يعرفون أو يتصلون به أيضاً.

هذه هي بعض المحطات البارزة في نشاطات الدكتور محمد سلمان حسن التي رسخت في الذاكرة منذ ما قبل ما يقرب من نصف قرن أو أقل بقليل.  وقد لا أكون دقيقاً أو منصفاً للتحدث عن الجوانب الشخصية أو الظروف المعيشية والوظيفية التي تتعلق بالراحل الدكتور محمد، ولكن للأمانة التاريخية، كان الرجل متمكناً في تخصصه الاقتصادي وفي ثقافته العامة، بل هو كان بحق من أبرز الاقتصاديين العراقيين.  لقد أكمل دراساته من البكالوريوس الى الدكتوراه في الجامعات البريطانية التي كانت من أرقى الجامعات في العالم: جامعة ليفربول، مدرسة لندن للاقتصاد وجامعة أكسفورد.  أما صفائه الفكري وإخلاصه الوطني، فيمثلان مقومات فريدة في شخصيته.  كان متواضعاً ودوداً، وليس مغروراً، كما أدّعى البعض!  لقد كابد الكثير في عمله الوظيفي، وفصل أكثر من مرة من وظيفته، بل وتم الاعتداء الجسدي عليه بعد الإنقلاب البعثي في عام 1963، وكذلك بعد الإنقلاب البعثي في عام 1968، مما أضطره في بعض المراحل للسفر إلى الكويت للعمل في المعهد الإدراي؛ لا أتذكر العنوان بدقة.  لقد كان الراحل، بالفعل، يشكل علامة بارزة في مقدمة الاقتصاديين العراقيين المثقفين والوطنيين.  نعم، لقد كان حالماً، ولا يقبل بسهولة التعاطي الساذج أو غير المثقف بالشأن العراقي، وخصوصاً في مجال الاقتصاد العراقي.  كما أتذكر حرصه الشديد على انتقاء المفردات والكلمات العلمية الدقيقة، وذلك أثناء قيامه بترجمة المؤلف المشهور لأوسكار لانجه (1904-1965) البولوني عن الاقتصاد الاشتراكي ومحدداته الى العربية عن الإنكليزية، فقد كنا نساعده لإعداد الملاحق والمراجع.  لقد كان أميناً ودقيقا وحريصا ووطنيا، وقد انتهى نهاية لا يستحقها أبداً، رحمه الله.  سنظل نذكره بكل إجلال وعرفان.

د. كامل العضاض

2 تشرين الثاني 2012

لبنان.


[1] نشرت المحاضرة في كتاب د. محمد سلمان حسن، نحو تأميم النفط العراقي (بيروت: دار الطليعة، 1967) (المحرر).

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: