حمزة الجواهري*: أخطاء قاتلة وقع بها منتقدو عقود جولات التراخيص **

ملخص سريع : – لم يستطع لحد الآن أحد تقديم خلل حقيقي واحد بعقود الخدمة والتي سُميت بعقود التراخيص، ولم يقدموا دليلا على أي خلل تحدثوا عنه. – التهم التي […]

ملخص سريع :

– لم يستطع لحد الآن أحد تقديم خلل حقيقي واحد بعقود الخدمة والتي سُميت بعقود التراخيص، ولم يقدموا دليلا على أي خلل تحدثوا عنه.
– التهم التي وجهت للعقود كانت تتمحور طروحاتها حول مواضيع لا تمس بنود العقد، لكنها تؤشر على ضعف عام في إدارة العقود من قبل وزارة النفط واللجان المشتركة التي تتصدى بشكل مباشر لإدارة العقود.
– هناك اتهامات للعقود النفطية وهي في حقيقتها تتعلق بهدر المال العام وإدارة سيئة لهذا المال، فما ذنب العقود النفطية عندما تكون إدارة المال العام من قبل الحكومة غير كفوءة؟
– أما الباقي فهو القيام بأخطاء حسابية من قبل حتى بعض المختصين، وهذا لا يمكن اعتباره خللا في العقود ذاتها ولكن ضعفا لدى من تصدى للموضوع.

ومن الأخطاء الشائعة هو خلط ثلاثة أنواع من الكلف واعتبارها كلفة الإنتاج، ففي الواقع أن الكلف هي:

• الأولى كلف رأسمالية، وهي الأكبر وتستمر حتى تنتهي عمليات التطوير الأساسية، وهي تتعلق بكلف إنشاء المحطات بأنواعها وكلف مد الأنابيب الرئيسية والثانوية وحفر الآبار وغيرها من المشاريع التطويرية أو التوسعية مستقبلا.
• والثانية هي كلفة الإنتاج، وهي كلفة تتعلق بالموازنة التشغيلية للشركات، معظمها يذهب كرواتب للموظفين وعمليات لوجستية، وكلف صيانة.
• أما الكلفة الثالثة فهي أجور الشركات، وهي بالمتوسط الوزني العام أقل قليلا من دولار واحد للبرميل بحسب العقود.

وفي الحقيقة وجدت أن معظم المتصدين للموضوع يخلطون بين هذه الكلف ولا يستطيعون التمييز بينها فيخرجون علينا بأرقام ما أنزل الله بها من سلطان، ومضحكة أحياناً.

– ومن الأخطاء الشائعة هي تلك التي يتسبب بها الإعلام، فغالبا ما ينقل أرقاما مشوهة كون الصحفي غير متخصص بهذا المجال، وما أكثرهم، حتى أنني وجدتهم موجودين في وسائل إعلام عالمية مرموقة.
– أما الأخطاء الأخرى فهي متعمدة لخلط الأوراق ولأسباب متعددة منها كيدية وأخرى ذات بعد سياسي، ولا تأخذ المصلحة العامة بنظر الاعتبار، وما أكثرها أيضا.

مقدمة:

لقد أسيء كثيرا لعقود الخدمة خلال الفترة الأخيرة من قبل سياسيين ومحللين بعيدين عن المهنية والموضوعية، ولكن جاءت الإساءة مؤخرا هذه المرة من أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة الدكتور نبيل جعفر. ففي مقالة له، أو دراسة مطولة، نشرت على صفحة شبكة الاقتصاديين العراقيين مؤخرا، كانت المقالة مليئة بالمغالطات والأخطاء وجمعت كل الادعاءات الباطلة التي تناولها الآخرون، كيدا مرة، وسوء فهم مقصودا أو غير مقصود مرة أخرى. لذا وجدت نفسي ملزما بالرد عليها وعلى نفس الموقع، تاركا الحكم لأعضاء الشبكة وغيرهم من الفنيين في مجال النفط والاقتصاديين.

بهذا الصدد، عقد مجلس النواب في 14 من كانون الأول 2015 جلسة خاصة حضرتها وزارة النفط ودعي لحضورها مختصين محايدين اثنين كشهود، وهم الأستاذ الفاضل فؤاد الأمير، صاحب أربعة كتب في هذا الموضوع، وأنا شخصيا. حضر الندوة، أو الجلسة أعضاء لجنة النفط والطاقة ولم يحضرها أولئك الذين تحدثوا من خلال الفضائيات متهمين عقود الخدمة بأنها تهدر الأموال العراقية وتكيل التهم الباطلة موضوعيا لها وتحملها أخطاءً هي بريئة منها بالمرة.

تحدث جميع أعضاء لجنة النفط والطاقة وأدلوا بآرائهم ووجهوا أسئلتهم للوزارة التي كان فريقها يرأسه وزير النفط. وكان المتحدث الرئيسي فيه هو مدير عام التراخيص والعقود في الوزارة، وقدم الرجل محاضرة تفصيلية عن كيفية احتساب مستحقات الشركات الأجنبية صاحبة التراخيص، وتبيّن أن ما تستلمه الشركات يعتبر أقل بكثير مما تستلمه الشركات العاملة في كوردستان، أو في أي مكان آخر من الكرة الأرضية، وتحقق ثوابت وطنية لم تضمنها أية نماذج أخرى للعقود، هذا فضلا عن أنها تعتبر، من الناحية الاقتصادية والفنية، قفزة تاريخية بعقود النفط أطلقت رصاصة الرحمة على جميع أنواع العقود القديمة التي دأبت الشركات التعامل بها لنهب الشعوب، وحولت الشركات الاحتكارية الكبرى من متغطرس ناهب للشعوب إلى مجرد عامل أجير للشعوب التي بقيت تملك ثروتها دون شريك.

أجاب مدير عام العقود في الوزارة، هو والوزير، على أسئلة الحضور، وأعقبه الخبراء المحايدون بتوضيحات غاية بالأهمية أغنت الجلسة وسدت جميع الفراغات الموضوعية التي أثيرت أثناء النقاش، مما ولد قناعة تامة بأن العقود تعتبر من أفضل العقود في الصناعة الاستخراجية على مستوى العالم.

للحق نقول إن المشكلة ليست بالعقود وبنودها، بل بإدارة هذه العقود من قبل كادر الوزارة والكوادر الذين تولوا مهمة الانخراط في اللجان المشتركة مع الشركات صاحبة العقود. وهذا سنبينه في هذه المقالة أيضا، والتي ستركز من حيث الأساس على الأخطاء القاتلة التي وقع فيها الدكتور نبيل جعفر وغيره ممن تناولوا هذه العقود دراسة أو نقدا من على وسائل الإعلام المحلية والأجنبية المختلفة.

فهم سطحي للعقود أسس للأخطاء:

يقول الكاتب “تحقق شركات النفط العالمية ارباحا هائلة من استثماراتها الكبيرة في قطاع استخراج النفط، وفي بعض الاحيان تجازف في استثمار اموالها في استخراج النفط بسبب احتمال عدم وجود النفط عند حفر الآبار فتخسر رأسمالها. لكنها في احيان كثيرة تعثر على حقول ومربحة، كما هي حال الحقول العراقية التي تبلغ نسبة العثور على النفط فيها عند الحفر نحو 70% مما يتيح لشركات النفط العالمية العاملة تحت مظلة عقود التراخيص ان تحصل على ارباح طائلة مقابل استثماراتها في قطاع النفط في العراق. لذلك تختلف شركات النفط عن شركات الخدمة مثل (هاليبورتون) التي تحقق ارباحا من عقود يمكن التنبؤ باحتمالاتها””.

إن كاتب المقال لم يستطع التمييز بين التطوير والاستكشاف والخدمات النفطية لحد لحظة كتابته للدراسة، أو المقال، فهو يعتقد أن عقود الجولتين الأولى والثانية عقود فيها استكشاف، وهذا غير وارد مطلقا، فهي عقود تتعلق بحقول تم اكتشافها وبعضها، عقود الجولة الأولى، منتج منذ زمن بعيد، فلا وجود للاستكشاف في هذه الحالة على الاطلاق.

كما وأن الشركات لا تحجز النفط كما هو الحال في عقود المشاركة أو عقود الامتيازات، فالشركات لا تستطيع إدراج هذه الاحتياطيات على أنها ملكا لها في البورصات العالمية، كما وأن الاستثمارات فيها محدودة وتسترجع خلال ثلاثة أشهر فقط من النفط المنتج، وهذا يعني أنها ليست استثمارية، لذا أعتقد أن سوء الفهم هذا ما كان يجب أن يحدث.

جميع أنواع العقود في العالم ملزمة لأطرف العقد:

في مكان آخر يقول إن الشركات قيدت الحكومة العراقية بعقود طويلة الأمد وقيدت العراق من القيام بأية تغييرات محتملة قد تقوم بها الحكومة العراقية، وهذا غير صحيح البتة فالمادة 12، التي اقتطع نصا مهما منها وضمنه في مقاله، تشير بوضوح إلى إمكانية التغيير. وهناك بنود أخرى تعطي الطرفين الحق بالتعديل لأسباب موضوعية مقنعة. كما أن بنود العقد لا تشكل قيدا على الحكومة بشكل عام، بل تشكل التزاماً قانونيا وأخلاقيا، فجميع أنواع العقود وفي أي مجال من مجالات الحياة تلزم الأطراف المتعاقدة ببنودها، فإذا كانت الالتزامات تشكل قيدا على الأطراف المتعاقدة، فهذا يعني أن على الإنسان وعلى العراق أو دول العالم أجمع أن لا تلزم نفسها بأية عقود ومن أي نوع كان، حتى عقود الزواج هي ملزمة للطرفين، فهل أن ما يطلبه الكاتب ممكن التحقيق؟

الحمايات الأمنية للعاملين الأجانب:

يورد الكاتب الفقرة 5 من البند 7، والذي يفرض على شركة نفط الجنوب توفير الأمن، ويضع النص المتعلق بذلك: “توفير الامن الكافي من خلال القوات المسلحة العراقية داخل منطقة العقد وأي مناطق أخرى في جمهورية العراق التي تجري فيها العمليات النفطية أو العمليات المتعلقة بتجهيزات النقل بما في ذلك أثناء التنقل من والى تلك المناطق. في حالة أن المقاول بالتشاور مع شركة نفط الجنوب يرى أن الأمن الذي يتم توفيره لموظفيه لا يتفق مع سياسات الصحة والسلامة المهنية والبيئية او مع أفضل الممارسات الدولية في مجال الصناعة النفطية، او غير كافية للسماح بأن يتم اجراء العمليات النفطية بأمان وبدون تهديد للحياة، يوافق الطرفان بموجب هذا العقد على أتخاذ اجراءات اضافية من جانب المقاول وقسم تشغيل الحقل، حيث يمكن أن تشتمل الحالة ولكن لا تقتصر على مشاركة مزودي أمن خاص مختصين ومرخصين للعمل في جمهورية العراق مع اعتبار ان هذه التكاليف تكاليف نفطية.” انتهى النص.

هذا البند يبين بوضوح أن القوات المسلحة العراقية هي التي يجب أن توفر الأمن للعاملين من الأجانب في الحقول النفطية، أما إذا كان هناك اعتراض من قبل المقاول على مستوى هذه الحماية للأسباب المذكورة أعلاه، يوافق الطرفان على اتخاذ إجراءات أخرى. وهذا يعني التفاوض وليس مجرد الرضوخ لرغبة المقاول بجلب شركات أمنية لحماية موظفيه من الأجانب وبأسعار عالية جدا، حيث يمكن جلب مدربين بعدد محدود لتدريب القوات العراقية لتعمل على وفق المعايير العالمية. فمثلا، لدينا قوات التدخل السريع وسوات وغيرها من القوات الخاصة، أثبتت أنها تضاهي القوات الأجنبية، ودخلت في تنافس مع قوة دلتا الأمريكية وغيرها من القوات العالمية وأحرزت المرتبة الرابعة عالميا. هذا المثال يبين بوضوح أن العراقي لديه القدرة على التكييف مع الظروف والارتقاء بمستواه المهني، لا أن يرضخ المفاوض العراقي لمجرد رغبة من أجنبي دون اللجوء لبدائل تقلل الكلف العالية.

من الواضح هنا أن الخطأ ليس في العقد، لأن المقاول يريد أن يضمن سلامة العاملين لديه، وهذا حق طبيعي له، لكن المشكلة تتعلق بالمفاوض العراقي الذي لم يستطع إقناع الأجانب، بقوة المنطق والتجربة، أن الحماية التي يوفرها لهم كافية، بل وحتى أفضل من الأجنبية، كون العاملين من أفراد الحماية هم من أبناء البيئة العراقية ويعرفوها جيدا ويعرفون مداخلها ومخارجها واسلوب الناس بالتفكير.

باختصار، فإن الخلل في إدارة العقد من قبل المفاوض العراقي هو الذي جعل المقاول يلجأ للبدائل الأخرى.

يورد الكاتب أيضا نصا مهما تتضمنه العقود وهو المادة 12 الفقرة 5 بالكامل، وهي المادة التي تمنح العراق الحق بإعادة النظر بمستويات الإنتاج المستهدفة والبرامج السنوية للإنتاج والأدوات التي يستطيع المفاوض العراقي استغلالها بالتفاوض. وقد بينت جميع الحالات المحتملة الحدوث خلال فترة العقد، بحيث يمكن لهذه البنود تحقيق أي تعديل يراه الجانب العراقي مناسبا لحقوله. البنود واضحة جدا وتفسر نفسها بنفسها وتبين حجم المرونة التي تمنحها للمفاوض العراقي: المادة 12 البند 5 ينص على:

“لشركة نفط الجنوب الحق في اعادة النظر في المستوى المقترح أو المستهدف للإنتاج فيما يتعلق بأي برنامج عمل سنوي مقترح أو موافق عليه ويجوز لها، مع تبرير معقول وبناء على أشعار خطي، الطلب من المقاول والمشغل زيادة أو خفض معدل الانتاج من منطقة العقد لأي سبب من الأسباب التالية:
‌أ- تجنب الاضرار الكبيرة التي قد تلحق بالمكامن.
‌ب- التقليل من الفاقد من الغاز المرافق، ولكن شريطة وجوب بذل شركة نفط الجنوب، في جميع الاوقات قصارى جهودها لاستلام كل الغاز المرافق.
‌ج- لاعتبارات خاصة بالحكومة.
‌د- لاعتبارات تشغيلية.
‌ه- لتقليص مفروض من الحكومة.
‌و- لتقليصات بسبب فشل الناقل في استلام الانتاج الصافي عند نقطة النقل عملياً لأسباب خارجة عن أرادة المقاول أو المشغل.
يجب أن يتفق الطرفان مع توخي حسن النية على آلية على تعويض المقاول بالكامل في أقرب وقت ممكن عملياً. والذي يمكن أن يشمل، من ضمن أمور أخرى، على جدول زمني معدل لإنتاج الحقل أو على تمديد لفترة العقد أو تسديد للدخل المفقود للمقاول فيما يتعلق بالأحجام المقدرة غير المنتجة خلال الفترة التي يتم فيها خفض مستويات الانتاج.”

المادة أعلاه ببنودها التي تفسر نفسها بنفسها، كما أسلفنا، تعتبر أدوات فعالة بيد المفاوض العراقي لخفض أو رفع الإنتاج للأسباب الوارد ذكرها في بنود هذه المادة، وهي ليست بحاجة إلى تفسير.

لذا لم أجد مبررا لتعديل زمن العقد أو نسبة الشريك العراقي عندما اقتضت الحاجة لذلك بالتفاوض مع الشركات الأجنبية، وهذا ما سنتطرق له مرة أخرى من خلال السياق، فهذا التنازل أعتبره ضعفا واضحا بالمفاوض العراقي وليس بالعقد، وأن المسألة مسألة إدارة عقود وليس ضعف بالعقود.

أخطاء إعلامية تتحمل وزرها عقود الخدمة:

وقع الكاتب كغيره بالخطأ الذي تسبب به الإعلام الأمي، فقد ورد تصريح لوزير النفط، أساءت فهمه الصحافة ونقلته بهذا الشكل المشوه:

أن خسارة العراق خلال الفترة من 2011 ولغاية 2014 كانت تزيد على 14 مليار دولار دفعتها الحكومة للشركات الأجنبية العاملة في العراق كتعويضات، وهذا الأمر غير صحيح. الصحيح هو أن العراق قد خسر فعلا هذه المبالغ ولكن بسبب عدم القدرة على تصدير كميات من النفط كان يمكن إنتاجها ولكن لم يستطع ذلك بسبب ضعف منظومة التصدير التي تصدى لها الكادر العراقي في الوزارة والشركات التابعة لها، بالخصوص شركة نفط الجنوب.

هذه الأموال لم تدفع للشركات، ولكنها أموال خسرها العراق كنتيجة لعدم قدرته على تصدير النفط المنتج من قبل الشركات، كما أسلفنا، وما دفعه بالفعل هو مبلغ 270 مليون دولار كتعويضات، وهذه هي التعويضات التي دفعها العراق للشركات، على اعتبار أنها استطاعت إنتاج نفط فشل العراق بتصديره.

وبالرغم من تصحيح الوزارة لهذه المعلومة وعلى لسان وزيرها، لم ينتبه كاتب المقال لهذا التصحيح ووقع بنفس الخطأ الذي وقعت به الصحافة، وتناوله على أنه ضعف في العقود. ما ذنب العقود عندما تفشل وزارة النفط بإكمال منظومة التصدير في الجنوب؟

توظيف وفق العقود:

بالرغم من أن الكاتب قد نقل في مقاله نص المادة 26 البند 1 والذي تضمن تشغيل أقصى عدد ممكن من العراقيين، لكنه رشق العقود باتهامات هي بريئة منها.

في الواقع إن عقد الرميلة، الذي أخذه الكاتب كمثال، حظي بنسبة لا تقل عن 85% من العراقيين، ولا أعتقد أن الجانب العرقي قد فشل بتشغيل أكبر عدد ممكن من العراقيين في عمليات الشركات الأجنبية.

إعادة التطوير أكثر صعوبة والتحديات أكبر من التطوير العادي:

تساءل كاتب المقال عن سبب إعطاء الحقول الكبيرة والعملاقة والتي تم تطويرها منذ زمن بعيد للشركات الأجنبية. وهذا التساؤل يكاد أن يكون مشتركا بين الجميع دون علم منهم بأهميته.

مرة أخرى أقول إنه تساؤل مشروع لشخص غير متخصص بالصناعة الاستخراجية من الناحية الفنية، ذلك لأنه لا يستطيع فهم السبب الحقيقي من وراء ذلك. السبب هو أن الحقل القديم، وخصوصا حقولنا التي أنتجت منذ أواسط القرن الماضي، على وفق سياسة إنتاج جائرة بحق المكامن النفطية كما بدأتها الشركات الاحتكارية، فإن هذه الشركات لم تكن تهتم بما يسمى بمعامل الاستخلاص للمكمن، وهذا المعامل يعني نسبة النفط المستخرج من المكمن من النفط الكلي الموجود فيه. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، فإن حقل كركوك أنتجته الشركات وتبين فيما بعد أن نسبة الاستخلاص كانت لا تتجاوز الـ9%، أي ما يترك في الأرض من نفط هو 91%، وهذه نسبة جائرة جدا وغير معقولة، وفي أفضل الأحوال كانت المكامن يتم إنتاجها بنسب متواضعة لا تزيد عن 25% في أحسن الأحوال، في حين أن حقول العالم تنتج بنسب استخلاص عالية نسبيا قد تصل إلى 60%، أي أنه مازال في حقولنا كميات نفط كبيرة قد تجاوزتها المياه، ولكن، وباستخدام التكنولوجيا الحديثة، يمكن استخلاصها ورفع نسبة الاستخلاص، وهي أيضا بحاجة إلى إدارة مكمنية متطورة غير التي عرفها المهندس العراقي، وحتى لو كان قد عرفها فإنه لم يضعها تحت التطبيق إلا في نطاق محدود.

هذه الحقول القديمة كانت قد استحقت إعادة تطوير منذ عقود من الزمن لكنها لم تحظى بذلك لكون الحكومات التي تعاقبت على العراق لم تعطي هذا الموضوع أهمية ولم تأبه للأمر كون هذه المكامن أكبر من عملاقة وبقيت مستمرة بالإنتاج دون توقف. ولكن، في الواقع، تناقص الإنتاج منها بشكل كبير، فحقل كركوك، مثلا، تناقص الإنتاج فيه من مليون برميل يوميا من قبة بابا ليصل إلى 200 ألف برميل يوميا في الوقت الحالي، وحقل الزبير تناقص الإنتاج فيه أيضا، والرميلة تناقص الإنتاج فيه إلى مستويات مروعة دون أن تحظى هذه الحقول بأية عناية أو برنامج حقيقي لإعادة التطوير.

فالحقول النفطية، في العادة، يعاد تطويرها عدة مرات خلال عمرها ما عدا الحقول العراقية التي بقيت دون برنامج لإعادة تطوير يعتد به.

الشركات العالمية، على سبيل المثال، تعهدت برفع مستوى الإنتاج من حقل الرميلة بقسميه الشمالي والجنوبي إلى مليونين و850 ألف برميل يوميا بعد أن تدنى إنتاجه ليصل إلى مليون برميل يوميا، وهكذا باقي الحقول حيث أن برامج التطوير هذه بحاجة إلى تكنولوجيا متطورة وبرامج لإدارة المكامن متطورة ومعقدة وكوادر متدربة ومؤهلة للقيام بهذه المهمة العسيرة في بعض الأحيان. من هنا جاءت أهمية منح تراخيص لإعادة التطوير في الجولة الأولى، حيث تخصصت هذه الجولة بالحقول من هذا النوع فقط.

كان على الكاتب أن يسأل المختصين عن حقيقة إعادة التطوير وحجم التحديات التي ترافقها ومقارنتها بعمليات تطوير الحقول الخضراء قبل أن يتهم العقود أو سياسة الوزارة بمنح هكذا عقود.

الفرق بين العقود الخدمية طويلة الأمد وعقود الخدمة الأخرى:

يبدو أن كاتب المقال لحد الآن لم يستطيع التمييز بين نوعي العقود من حيث المضمون، فقد قارن النموذجين من حيث الهيكلية وليس من حيث المضمون، لأن مدة العقد ليست هي القضية الحاسمة. كما أن العقود، من حيث الأساس، تهدف إلى إدارة مُثلى لتنفيذ عمليات التطوير، وليس القيام بعمليات التطوير وحسب، كما وأن الشركات لا تقوم بنفسها بعمليات التطوير، بل ما تقوم به هو تحديد المهمات الواجب القيام بها لعمليات التطوير، كأن تمنح عقودا لحفر مجموعات من الآبار، أو تمنح عقدا لبناء محطة لعزل الغاز أو عقودا لمد أنابيب رئيسية أو ثانوية وما إلى ذلك من مفردات عمليات التطوير والواسعة، والأهم من هذا وذاك تلك العقود التي تتعلق بالدراسات المكمنية وإدارة المكامن، حيث أن الشركات التي تنفذ هذه العقود تعتبر شركات خدمية وعقودها تنتهي باكتمال المهمة، ويكون العامل الزمني مرتبطاً ببرنامج التنفيذ لأي مشروع من هذه المشاريع.

مما تقدم نفهم أن الشركات صاحبة التراخيص لا تقوم بنفسها بأعمال التطوير، وإنما تقوم بإدارة عمليات التطوير، ومن ثم الإنتاج، وتمويل هذه العمليات نيابة عن العراق، وسرعان ما يسدد العراق كلف هذه المشاريع خلال فترة ثلاثة اشهر فقط، أي على أساس ربع سنوي. فالعمليات التطويرية قد تحتاج من 7 إلى 10 سنوات، في حين أن أي مشروع ضمن عمليات التطوير تقوم به الشركات الخدمية قد يحتاج من بضعة أشهر إلى ثلاثة سنوات، وربما أربع سنوات.

من هنا يتبين الفرق بين عقود الخدمة طويلة الأمد، كعقود جولات التراخيص، وعقود الخدمة المحدودة وقصيرة الأمد، كمشروع مد أنبوب أو ما إلى ذلك من مشاريع محدودة، فهذا النمط من العقود يكون ملائما للمنظومات الكبرى كالموانئ الكبيرة أو المجمعات البتروكيماوية أو المصافي العملاقة، وغيرها كثير، لأن معظم هذه المنظومات تكون صعبة التشغيل على كوادر غير مدربة جيداً عليها، لذا يترك تشغيلها لشركات كبيرة مختصة بتلك الصناعات، فهي تكون مسؤولة عن عمليات التطوير ومن ثم التشغيل لأمد كاف من الزمن بحيث تتمكن الكوادر المحلية من القيام بجميع المهمات التشغيلية بكفاءة عالية.

في عقود التراخيص النفطية تكون المهمات التي تقوم بها الشركات التي تحمل التراخيص كثيرة جدا ومعقدة، وتوضع لها أولويات وشروط عقدية متطورة لا يمكن التعاطي معها دون وجود المتخصص بهذه الصناعة، كأن تقدم الشركة، وفق برنامج التطوير، أنها بحاجة إلى دراسة مكمنية لعدة سيناريوهات مختارة لتطوير مكمن ما، لكي تختار الأفضل منها لأسلوب الإنتاج الفعلي وكذلك الإنتاج المستهدف خلال السنوات القادمة لغاية الوصول لسقف الإنتاج النهائي، وأخيرا مُعامل الاستخلاص الأمثل لذلك المكمن النفطي، حيث تُقدمُ نتائج هذه الدراسة للمالك، أي الجانب العراقي، وهو الذي يقرر اختيار الأسلوب الأمثل وفقا للعقد.

ولنأخذ هذه الفعالية أو المشروع كمثال، فإن الشركة العالمية تقوم بطرح تندر tender لبيوت الخبرة في مجال هندسة المكامن لإجراء الدراسة المكمنية المطلوبة، وتدير عملية اختيار المتنافسين، واستقبال العروض، واحالة العقد على الشركة الفائزة، ومن ثم استلام نتائج الدراسة المكمنية وتقييمها من النواحي الفنية والمالية وادارة السلامة والصحة HSE لاختيار الأفضل من بين المتنافسين، وأخيرا تزود الشركة الاستشارية بالمعلومات الكافية وتجري متابعة لعملها حتى النهاية، ويتم صرف أجر الشركة الاستشارية، بيت الخبرة، على وفق العقد المبرم.

ما تقدم يعتبر خدمة بحد ذاتها، وهي بحاجة إلى خدمات أخرى ضرورية لتكامل المعلومات التي تقدم للاستشاري، كالقيام بالمسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد، على سبيل المثال وليس الحصر، ومن ثم يعاد نفس المسح بعد فترة زمنية ليكون رباعي الأبعاد. هذه الدراسة أو المسح يجب أن يتم وفق عقد مع الشركات الجيوفيزيائية الخدمية. هذه احدى أهم الخدمات التي تقوم الشركة حاملة الترخيص بإدارتها، وهناك خدمات تطويرية أخرى كثيرة كما هو معلوم، حيث يجب إقامة منشأة عملاقة لعزل الغاز، وأخرى لعزل الماء وتحلية النفط، وغيرها لمحطات الضخ، ومحطات كبس الغاز، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، ومد الأنابيب، وحفر الآبار للأغراض المختلفة، وكلها خدمات نفطية تقوم الشركة حاملة الترخيص بإدارتها فنيا واقتصاديا وماليا ودفع نفقاتها نيابة عن المالك على أن تستقطعه خلال الربع التالي من الفترة التي تم الصرف خلالها، أي أنها تقوم بالصرف وتستعيد الأموال التي صرفتها بعد ثلاثة أشهر فقط. وهذه خدمة غير معتادة في العقود، وسببها هو الوضع المالي المتدني للعراق والتصنيف الائتماني للعراق عالميا، حيث لم يكن العراق وقتها مصنفاً ائتمانياً من قبل البنوك العالمية.

إن هذه الخدمات تنتهي أو تتضاءل تقريباً إلى حد بعيد بعد الانتهاء من عمليات التطوير الرئيسية خلال فترة قد تصل الى سبع سنوات أو حتى عشر سنوات، ومن ثم تبدأ عمليات التشغيل الفعلي والتي يجب أن يقوم بها خبراء مختصون إلى جانب عراقيين يستفيدون من خبراتهم الواسعة، وهذه الفترة قد تحتاج إلى وقت طويل قد يصل لعشرة سنوات أخرى.

فالعقد هنا ليس استثمارا لأموال الشركة والمجازفة بها، كما هو الحال في عقود المشاركة، وما تقوم الشركات المستثمرة به هو خدمات إدارة لتطوير الحقول والانتهاء منها، ومن ثم إدارة عمليات الإنتاج لفترة أخرى. أي أن العقد يتضمن فترتين من حيث الأساس، الأولى القيام بعمليات التطوير وإدارة الإنتاج خلال عمليات التطوير الأساس؛ والفترة الثانية هي إدارة عمليات الإنتاج والقيام بعمليات تطوير ثانوية خلال فترة العقد. فالفترة الأولى لا تتعدى عشرة سنوات والثانية يمكن أن تطول أيضا لعشرة سنوات أو أكثر قليلا. لذا فهي عقود خدمة وليست عقود مشاركة بالإنتاج بالرغم من طول فترة العقد للأسباب الموضوعية آنفة الذكر، ولا يصح مقارنتها من حيث هيكلية النموذج العقدي، كما فعل كاتب المقال الذي نحن بصدد نقده من الناحية الموضوعية.

الضريبة:

كما أن ضريبة النفط تسري على عقود الخدمة ولا تسري على عقود المشاركة، فالشركات تستحق وفقا للعقد أجرا يصل بالمعدل لدولارين، يستقطع منه حصة الشريك العراقي البالغة 25% ومن ثم يخضع المتبقي لضريبة النفط البالغة 35%، بحيث يكون الصافي كأجر للشركات، هو بالمعدل الوزني العام، أقل قليلا من دولار. أما في عقود المشاركة فلا تسري الضريبة على حصة المستثمر من الإنتاج، وقد يكون هناك شريك محلي أو لا يكون.

تخفيض حصة الشريك العراقي:

أما مسألة تخفيض حصة الشريك العراقي من 25% إلى نسبة أقل كنتيجة لتعديل سقوف الإنتاج فهذا يندرج تحت باب ضعف الإدارة من قبل الجانب العراقي وليس العقد، كما أسلفنا، حيث أن المادة 12 تمنح الطرف العراقي أدوات لم تستغل بالمطلق عند التفاوض، وهذا يعني وجود ضعف عند المفاوض العراقي وليس العقد، إذ أن المادة 12 الفقرة 5 عندما نقرأها، بعين خبيرة، فنياً، نجد أن الشركات تنتج المكامن بأساليب جائرة، لذا يقتضي تخفيض الإنتاج وليس الاستسلام لما تطلبه الشركات، فهذه المادة، أي المادة 12، تمنح الجانب العراقي في ثلاثة بنود منها فرصة التخفيض دون المساس بحصة الشريك العراقي أو زيادة مدة العقد.

باختصار، فإن إدارة العقود ضعيفة وهي بحاجة إلى مختصين غير موجودين في الوزارة أو شركاتها.

المأزق المالي للدولة:

إن مسألة المأزق المالي الذي يمر به البلد كنتيجة لانخفاض أسعار النفط، ليس لعيب في العقود بل عيب في إدارة المال العام.

كان يجب على الحكومات السابقة أن لا تتوسع بالتزاماتها التشغيلية لتبتلع كل عائدات النفط، وهذا من أغرب الطروحات لمحاكمة عقود الخدمة، فعقود الخدمة هي التي توفر المال للعراق في الوقت الحالي رغم انخفاض أسعار النفط، ولولا هذه العائدات لم استطاع العراق الصمود أمام التحديات الكثيرة التي تواجهه، فهي صاحبة الفضل الأكبر على العراق، لا أن تكون متهمة لأن الحكومات السابقة والفاسدين والمفسدين أهدروا المال العام وببدوه، بل يتوجب عليها رفع قبعاتهم احتراما لها وصيانتها من أي سوء، ومحاسبة الأطراف التي تحاول تبديلها بعقود مشاركة بالإنتاج.

صدقوني لو تم للفاسدين تبديل العقود إلى عقود مشاركة بالإنتاج سيكون النفط العراقي نهبا للفاسدين من السياسيين ذوو النفوذ من خلال الحصول على عقود لشركات عالمية يتقاسمون معها النفط العراقي على غرار ما حصل في كردستان العراق.

العقود ليست استثمارية بالمعنى العام:

هذا الاستثمار ليس استثمارا بالمعنى الاقتصادي حينما يسترجع مباشرة بعد ثلاثة أشهر من صرف أي مبلغ على وفق هذه العقود، بل أن هذا الصرف يندرج كخدمة مالية بسبب ظروف العراق التي كان يمر بها يوم ابرمت هذه العقود. وقد تضمنت العقود شروطا على العراق بإضافة 1% كنسبة فائدة على القرض الذي تحصل عليه الشركات في حال تخلف العراق عن الدفع بنهاية الثلاثة أشهر، لذا فهي ليست عقود استثمارية بل عقود خدمية بفترة طويلة نسبيا وذلك لضرورة موضوعية تمليها طبيعة عمليات التطوير والإنتاج عند المستويات القصوى التي فيها الكثير من التحديات. وهذا ما تعرضنا له سابقا في السياق، وأهمها تحديات الإدارة المكمنية السليمة التي لم تمارس في العراق مسبقا، فكل الإنتاج العراقي كان يجري على وفق إدارة مكمنية بدائية بعيدة عن مستويات التطور بهذا المجال من العمل، حيث أن هذه الإدارة تعتمد على دراسات مكمنية دورية، تكون الأساس لبرامج مراقبة مكمنية دقيقة وتجمع المعلومات للفترة القادمة، أو الدورة القادمة، والتي لا تزيد عن سنة واحدة وتقسم برامجها على أساس ربع سنوي في أغلب الأحيان، وهي بحاجة إلى قياسات حقلية متطورة وتكنولوجيا متطورة أيضا. أما تحليل المعطيات فإنه لا يمكن القيام به دون اللجوء للحواسيب الكبيرة، وأحيانا العملاقة، وبرامج التمثيل الرياضي المعقدة، وهذه الأساليب ليس للعراقي أي خبرة بها، بل وحتى لا يعرفها في كثير من مفاصلها.

لذا فإن مدة العشرين سنة أعتبرها، كمهندس نفط مختص بإنتاج وتطوير الحقول النفطية والغازية، أعتبرها قصيرة، وقد لا تكفي لتأهيل على الأقل جيلين أو ثلاثة أجيال من مهندسي المكامن وتطوير الحقول وإدارة عمليات الإنتاج فيها إدارة متطورة ترتقي للمستويات العالمية. وحقولنا العملاقة تستحق كل اهتمام من قبل هذا النوع من المهندسين والفنيين.

نماذج من الإدارة السيئة لعقود التراخيص:

يورد د. نبيل جعفر في معالجته للعنوان الفرعي “تكاليف الشركات الاجنبية في جولات التراخيص” مسألة غاية في الأهمية حول النفقات، ويصنفها إلا ثلاثة، وهي النفقات التشغيلية، والنفقات الرأسمالية، والنفقات الإضافية، وهذا الأمر قد التبس على الكثير من الذين تحدثوا عن هذه العقود، فمعظمهم لم يفرق بين أنواع النفقات وكيفية صرفها، لذا فإن ما ذكره أعتبره بديهيا من استاذ الاقتصاد الذي يجب أن يميّز بين أنواع النفقات.

لكن للأسف نجده عند التفاصيل يورد 8 نقاط، وهي صحيحة بالمطلق، لكنها لا تعتبر ضعفا في العقود، ولكنها تندرج تحت باب ضعف إدارة العقود من قبل الجانب العراقي.

• فهو يقول مرة “إن بعض الشركات تقوم بتجزئة بعض المناقصات المتشابهة ليكون مبلغ الإحالة ضمن صلاحية الشركة.” وهذه مسألة بيد الجانب العراقي ولا يستطيع الجانب الأجنبي فرضه على الجانب العراقي فيما لو تمسك بحقوق العراق، وذلك لسببين. الأول، هو أن الدائرة التشغيلية في الحقول يكون مديرها العام عراقي تحديدا على وفق العقد، ويستطيع الامتناع عن توقيع أي عقد من هذا النوع. الثاني، هو أن لجنة الإدارة المشتركة Joint Management Committee (JMC) هي بغالبية عراقية، حيث تتشكل من ثمانية اشخاص، أربعة من كل جانب، وأن جانب الشركة حاملة الترخيص فيه للشريك العراق حصة الربع، أي يكون في اللجنة المشتركة خمسة من الجانب العراقي مقابل ثلاثة من جانب الشركات، ويمكن لهذه اللجنة رفض العقد المجزأ أو قبوله، حتى لو كان هناك صوتا واحدا معارضاً من أصل الخمسة. إذا فهي مسألة إدارة وليست ضعفا في العقد.
• ويقر الكاتب أيضا أن الشركات تتبع أسلوب إخفاء المعلومات الحسابية واللجوء إلى مفاهيم حسابية غير مفهومة للكوادر العراقية، وهذا بحد ذاته إقرار بأن العقد بريء من الضعف ولكن التهمة توجه لإدارة العقد من قبل الجانب العراقي لضعفه.
• أما الإحالة المباشرة على شركات من جنسية الشركة صاحبة عقد التراخيص، التي رصدها الكاتب، فهي من أوضح أنواع الفساد الذي لم تستطع اللجان المشتركة منعه ولم تستطيع الوزارة من إيقاف مثل هذه العقود وهي تمتلك لكل الصلاحيات في نهاية المطاف، وهذا الأمر يدلل مرة ثالثة على ضعف إدارة العقود وليس لضعف أو خلل في العقود.
• كما ولاحظ د. نبيل أن بعض العقود الخدمية لا تحدد المناشئ، وهذا أيضا حق، ولكن يؤكد للمرة الرابعة، دون أن يدري، أن عقود الخدمة سليمة ولكن الخلل يكمن بإدارة عقود التطوير من قبل الشركة حاملة الترخيص ولم يقم الجانب العراقي بواجبه بمنع مثل هذه الممارسة ورفضها، كما ولم تقم الوزارة بواجبها وترفض هذا التندر قبل إعلانه وليس قبل توقيع العقد المتعلق به.
• ومرة أخرى يقول إن الشركات غير مقتنعة بالإجراءات الأمنية العراقية لذا فإنها تكلف شركات أمنية عالمية، في حين كان على اللجان المشتركة القيام بواجبها وإقناع الشركات بالإجراءات الأمنية العراقية، كما أسلفنا، أو على الأقل الوصول إلى نقطة في منتصف الطريق لتقليل الكلف الأمنية. وهذه النقطة تؤكد للمرة الخامسة أن هناك ضعفا بإدارة العقود من قبل الجانب العراقي وليس ضعفاً في عقود الخدمة المتهمة زورا وبهتانا.
• وهنا يؤكد د. نبيل بصراحة إن كوادرنا التي تدير العقود محدودة الخبرة في النقطة السادسة التي أوردها، وهذه ليست بحاجة إلى تعليق، فهي ضعف واضح لدى الكوادر العراقية التي تتعامل مع هذه العقود وليس العقود نفسها.
• أما النقطة 7 من ملاحظات د. نبيل فهي الأخرى لا يمكن السماح بها على وفق عقود الخدمة، ولكن اللجان المشتركة قد قبلت بها، ويجب مسائلة أعضاء هذه اللجان عن السبب، وليس توجيه الاتهام لعقود الخدمة.
• وأخيرا يُقرُّ بما هو واجب، وهو أن العراقيين الذين يتصدون لإدارة العقود بحاجة إلى تدريب وتأهيل ولم تقم به الشركات. وهنا نتساءل: هل يعقل أن تساهم الشركات بتطوير كادر ينغص عليها عيشها الهانئ ويقف عائقا بوجه فسادها الواضح؟

إن هذا الأمر واجب على الوزارة، ومن الواجب أيضا على الوزارة تشكيل خلية استشارية من خبراء عراقيين، وما أكثرهم، أو أجانب، إن شح وجود العراقيين، بحيث تقوم هذه الخلية بتقديم خدمات استشارية وتأهيلية للمتصدين لإدارة عقود الخدمة ورفع مستواهم، لا أن تعيد كتابة العقود التي لم يستطع أحد لحد الآن من اكتشاف ضعف حقيقي فيها.

خطأ قاتل وقع به كاتب المقال:

وفي معرض تحليل الكاتب للأرقام التي عرضتها وزارة النفط عن مجموع إنتاجها خلال فترة العقد لحد الآن ومجموع عائداته ومجموع مستحقات الشركات، نجده يشكك في هذه الأرقام وكأن وزارة النفط وكالة أنباء وليست وزارة سيادية تتمتع بمصداقية وتخضع لشروط الشفافية في الصناعة الاستخراجية الصارمة ومسائلة الحكومة.
بالرغم من أن د. نبيل قد ذكر في بداية دراسته ثلاثة أنواع من الكلف وهي تشغيلية ورأسمالية ونفقات أخرى، والتي هي من حيث الأساس أجر الشركة، إلا أنه يقع في معرض تحليله للأرقام التي ذكرها الوزير، يقع بالخطأ القاتل الذي اقترفه الآخرون من الأميين في مجال الاقتصاد الصناعي، حيث أنه احتسب كلفة الإنتاج دون أن يتبع التصنيف الذي وضعه هو نفسه، فخلط كلف الإنتاج مع أجر الشركات والكلف الرأسمالية وأعتبرها جميعا كلفة الإنتاج بحساب هذه الكلفة بشكل تعسفي، فتظهر النتيجة عنه 20.5 دولار للبرميل.

من المعروف أن الكلف الرأسمالية تتعلق بكلفة إنشاء المشروع الذي يبقى منتجاً خلال فترة طويلة حتى نهاية عمر المشروع الاستثماري، فالعمر الافتراضي يكون طويلا نسبيا، أي بعد 30 أو 40 سنة وربما 50 سنة من بدء التشغيل، ولا يمكن حساب الكلفة الإجمالية للبرميل، ومنها الرأسمالية، لفترة محدودة خلال بدء الإنتاج، فحساب هذه الكلفة يكون تخمينيا على أساس مجموع الكلف الرأسمالية المحتملة خلال فترة الإنتاج حتى آخر قطرة نفط في الحقل.

وفي الواقع فإن الكلفة الرأسمالية تساوي حجم النفط المنتج خلال فترة الإنتاج حتى آخر قطرة من النفط حتى لو انتهت فترة العقد، مقسوما على مجموع الكلف الرأسمالية للتطوير الأولي والتطويرات اللاحقة خلال فترة الإنتاج.

وهذه الأرقام لا يمكن توفيرها بدقة حاليا، لأن هناك كلف رأسمالية لم تصرف لحد الآن، وحتى فترة التطوير الأولية لم تنتهي لحد الآن، تعقبها عدة مشاريع تطويرية أثناء فترة الإنتاج التي قد تطول إلى 50 سنة أو أكثر. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن حجم الإنتاج الكلي حتى نهاية العقد غير معروفة ولا يمكن تحديدها حتى ينتهي النفط من الحقل.

أما كلف الإنتاج فهي الأخرى لا يمكن تحديدها إلا من خلال الأرقام التفصيلية للمصروفات على وفق الميزانية التشغيلية لكل حقل سنويا، وهذه الأرقام غير متوفرة لدى كاتب المقال، هذا ما ناحية ومن ناحية أخرى، فلو افترضنا أن الشركة الأجنبية قد أوقفت جميع المشاريع التطويرية وأكتفت الآن بحفر مزيد من الآبار، فإن الإنتاج سيزداد بزيادة عدد الآبار المضافة دون أن تكون هناك اضافات أخرى على الكلف التشغيلية. بناءً على ما تقدم، لا يمكن احتساب كلفة الإنتاج حاليا، لأنه مع تقدم الوقت وزيادة الإنتاج ستقل كلفة الإنتاج كثيرا حتى تبلغ مداها الأدنى عندما يكتمل التطوير الأولي للحقل، وهذا ما لم يحصل لحد الآن.

هناك كلفة واحدة يمكن حسابها وهي أجر الشركات، فهي تساوي “بالمعدل العام الوزني” لجميع الحقول أقل قليلا من دولار، لذا يمكن حسابها من حجم الإنتاج المتحقق لحد الآن كنتيجة لنشاط جولات التراخيص، وهي تساوي مجموع الإنتاج الكلي – ناقصا – الإنتاج عند نقطة الشروع، ويضرب الناتج بواحد دولار، وهو بالضبط ما تحصل عليه الشركة فقط، لأن الكلف الرأسمالية تذهب للمصنعين وشركات البناء للمشاريع، أما كلف الإنتاج فإن معظمها يذهب كرواتب للموظفين العراقيين وللشركات اللوجستية العراقية، وقليلا لشراء قطع غيار أو تجهيزات لا توفرها الأسواق المحلية، وهذه الكلفة كما أسلفنا لا تزيد بالمعدل العام على دولار ونصف. وعلى وفق تخمين شركة بوز أند كومباني الاستشارية فإن كلفة الإنتاج قبل الشروع بعمليات التطوير وزيادة الإنتاج كانت تساوي دولار وثمانين سنتا للبرميل فقط، وكلما ازداد الإنتاج فإن كلفة إنتاج البرميل تقل، وتكون عند أدنى مستوياتها عندما تتحقق السقوف الإنتاجية القصوى، أي بعد أربع أو خمس سنوات من الآن.

لذا فإن حساب كلف الإنتاج من قبل د. نبيل على أنها 20.5 دولار للبرميل يعتبر خطأ قاتلا. فقد أعطى الكاتب لنفسه المبرر بالوقوع بهذا الخطأ القاتل كون الأرقام التي تحدث عنها الوزير لا تتضمن هذه التفصيلات، وأنتهى د. نبيل إلى توجيه الاتهام للعقود، الذي أعتبره اتهاما كيديا أو غير منصفا في أحسن الحالات.

سبب قبول الشركات بعقود تعتبرها مجحفة لها:

وتساءل الكاتب عن سبب قبول الشركات بهذا الهامش البسيط للربح من قبل الشركات الاحتكارية التي تتحكم بأهم السلع الاستراتيجية في العالم. الحقيقة وراء قبول الشركات بهذه العقود وشروطها القاسية عليهم هو أن العالم كان قد اقترب، أو كان على تخوم، حقبة جديدة لإنتاج النفط، والتي سميت بالـ Peak Oil، وهو مصطلح اقتصادي تقني يتعلق بحجم الاكتشافات النفطية الجديدة التي يمكنها تغطية الطلب عالميا من ناحية، ومن ناحية أخرى تغطية التناقص الطبيعي في إنتاج الحقول المنتجة في وقتها، وهو السبب الرئيس الذي دفع أسعار النفط خلال عام 2008 للاندفاع نحو الـ 140 دولار، وكان يمكن أن ترتفع أكثر في ظل الشبح المخيف للأسواق الذي أسموه الـ Peak Oil، وفي حال عدم القبول بشروط العراق بعقوده التي اعتبروها مجحفة لكانت الأسعار قد ارتفعت إلى مستويات أعلى من ذلك لأن احتياطيات العراق الكبيرة وغير المطورة هي التي دفعت حكومات الشركات العملاقة للقبول بعقود الخدمة، لأنه مهما كانت أرباح الشركات قليلة لكنها تبقى أرحم على دولهم من ارتفاع سعر النفط إلى أكثر منـ 140 دولار للبرميل، وكان مقدرا وقتها أن يصل إلى 200 دولار للبرميل. ولهذا السبب بالذات نجد أن الشركات التي تقدمت وقبلت بالشروط العراقية هي تلك الشركات التي تعود معظم، أو كل، ملكيتها للدولة، ومعظم هذه الدول هي دول مستهلكة للنفط أكثر منها منتجة له، وبذات الوقت رصدت هذه الدول ما مجموعه 15 ترليون دولار للفترة الممتدة لغاية 2035 لاستكشاف وتطوير الحقول النفطية، وكذلك تطوير أنواع من النفط الذي سمي بالنفط غير التقليدي ومنه النفط الصخري، وغيره من النفوط التي يمكن إنتاجها، ولكن بكلف إنتاج عالية جدا تصل إلى 100 دولار للبرميل.

إن هذا السبب الاقتصادي الفني هو الذي دفع الشركات للتعاقد، وكنا قد أوضحناه في مقالة سابقة، يبدو أن الكاتب كان قد قرأها لكن لم يفهم مضمونها، لذا استخف بها في المقدمة التي كتبها لمقالته التي نحن بصدد الرد عليها.

(*) خبير نفطي عراقي ومستشار سابق لنائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة

(**) نسخة منقحة ومعدلة خاصة بشكبة الاقتصاديين العراقيين والتي تحتفظ بحقوق النشر. 28 كانون الأول 2015

لتنزيل نسخة بي دي أف سهلة الطباعة انقر على الرابط التالي

Hamza Al-Jawahri-Service contracts critisim-final edited version 1

 

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"

أبحاث ومقالات أخرى للكاتب

Hamza Foto

حمزة الجواهري*: ما العمل بعد هبوط سعر النفط إلى 33 دولار للبرميل

Hamza in Economy week

حمزة الجواهري *: استمرارا بالحوار… هل الخلل في عقود التراخيص أم بإدارتها؟

Hamza in Economy week

حوار مع الخبير النفطي حمزة الجواهري حول عقود الخدمة النفطية

Hamza Foto

حمزة الجواهري *: أسعار النفط…. إلى أين تتجه؟

Hamza Foto

حمزة الجواهري*: رب ضارة نافعة – رؤيا متواضعة لخلق مسار جديد للخروج من الاقتصاد الريعي

Hamza Foto

حمزة الجواهري *: حوار مع الدكتور فاضل عباس مهدي حول السياسة النفطية وعقود الخدمة

حمزة الجواهري

عن حمزة الجواهري

مهندس وخبير نفطي عراقي