د.نبيل جعفر عبد الرضا *: حديث هادئ في موضوع ساخن – الخلل في عقود التراخيص ام في ادارتها ؟

ثمة جدل محتدم حاليا بين السياسيين والاقتصاديين وخبراء النفط حول موضوعة عقود التراخيص النفطية ومدى الجدوى الاقتصادية التي حققها العراق من هذه العقود وفيما اذا كانت هذه العقود مثالية لا […]

ثمة جدل محتدم حاليا بين السياسيين والاقتصاديين وخبراء النفط حول موضوعة عقود التراخيص النفطية ومدى الجدوى الاقتصادية التي حققها العراق من هذه العقود وفيما اذا كانت هذه العقود مثالية لا يجوز المس بها او تعديلها . ام ان الضرورة والحاجة تقتضي اعادة النظر بنصوص هذه العقود وتعديلها بما يحقق اقصى منفعة ممكنة للعراق . وفي المقابل يرى البعض بان التهم التي وجهت للعقود كانت تتمحور طروحاتها حول مواضيع لا تمس بنود العقد لكنها تؤشر ضعفا عاما في ادارة العقود من قبل وزارة النفط واللجان المشتركة التي تتصدى بشكل مباشر لادارة العقود . وللخوض في غمار هذا الموضوع علينا التطرق الى المحاور الآتية :
1- يقول المؤيدون لعقود التراخيص ((بانه لم يستطع احد تأشير خلل حقيقي لعقود التراخيص)) . اذا كان هذا الكلام صحيحا وان العقود سليمة تماما فلماذا تدخل وزارة النفط في مفاوضات مع شركات النفط الاجنبية العاملة في العراق ؟ هل ان المفاوضات تقتصر على ضغط التكاليف أم مراجعة العقود ؟ ان وزارة النفط الاتحادية ملزمة بموجب قانون الموازنة العامة لعام 2016 على مراجعة العقود لتعديل بنودها استنادا الى المادة 38 التي تنص على الآتي : (( تلتزم الحكومة الاتحادية ووزارة النفط بمراجعة عقود جولات التراخيص النفطية لتعديل بنود العقود بما يحفظ مصلحة العراق الاقتصادية ويدفع بزيادة الانتاج النفطي وتخفيض النفقات وايجاد الية لاسترداد التكاليف بحيث تتلاءم مع اسعار النفط )).
اذن الخلل موجود في نصوص عقود التراخيص وهو ما دفع البرلمان العراقي الى تضمين مادة في قانون الموازنة الزم بموجبه وزارة النفط بتعديل هذه العقود ومن ثم يغدو قول المؤيدين لعقود التراخيص (( بانها من الناحية الاقتصادية والفنية قفزة تاريخية بعقود النفط )) بانه مجافي للحقيقة ولا ينسجم مع النتائج العملية التي ترتبت عليها بما في تلك المستحقات المالية الكبيرة لشركات النفط الاجنبية ومن ثم على المؤيدين لعقود التراخيص ان يكفوا عن وصف منتقدي عقود التراخيص بالاساءة لها وكانها عقود مقدسة لا يجوز مسها او انتقادها بل انها واجبة التعديل في العديد من موادها وخاصة المادة المتعلقة باحتساب التكاليف التي تضع شروط معقدة وصعبة التنفيذ لجعل التكاليف منسجمة مع اسعار السوق. اذ تشير الفقرة 8 من المادة 20 في عقد الرميلة إلى الآتي : ( اذا كان لدى شركه نفط الجنوب اعتراض على اي من التكاليف و النفقات كما هي مبلغه او مفوترة من قبل المقاول فأن شركه نفط الجنوب سوف تقوم بأشعار المقاول باعتراضها خطيا ولكن يجب ان تدفع كلا من المبالغ الموضع الخلاف والتي لا خلاف عليها على حد سواء بأنتظار التوصل الى حل للمسأله وفي غضون شهر واحد من تاريخ استلام المقاول لاعتراض شركه نفط الجنوب للوصول بحسن نيه الى حل مقبول او تعيين خبير واحد او اكثر لتسويه المسأله وفي حاله احاله المسألة الى خبراء يجب على الخبراء في غضون ثلاث اشهر تلي تعيينهم و تقديم حلهم للخلاف الذي يتماشى مع احكام هذا العقد و الملحق و في حال فشل التسويه بهذه الطريق يجوز لاي من الطرفين احاله المسأله التحكيم بمقتضى الماده37 .) والمادة 37 تشير الى التحكيم الدولي في باريس .
2- يقول مؤيدو التراخيص بان (( المشكلة ليست بالعقود وبنودها ، بل بادارة هذه العقود من قبل كادر الوزارة والكوادر في اللجان المشتركة مع الشركات صاحبة العقود وان تخفيض نسبة الشريك العراقي يعد ضعفا واضحا بالمفاوض العراقي وليست بالعقود ، وان المسالة مسالة ادارة عقود وليس ضعف بالعقود )) .
اذا كانت كوادر الوزارة والمفاوض العراقي على هذه الدرجة الكبيرة من الضعف في الاداء فكيف يمكن القول بان عقود التراخيص مثالية ! وانها تحقق المصلحة الاقتصادية العليا للعراق . اليست العقود ناجمة عن تفاوض بين طرفين متكافئين ؟ فاذا كان الطرف العراقي ضعيفا فمعنى ذلك ان العقود قد صيغت لمصلحة الطرف الأقوى وهو الطرف الاجنبي وهو ما حدث فعلا في هذه العقود التي صيغت موادها بالشكل الذي يحقق مصالح الشركات النفطية الاجنبية اولا . ان القول بأن العقود مثالية والمفاوض العراقي ضعيفا يعني ان هذه العقود تم صياغتها من قبل شركة او مؤسسة اجنبية وليس من وزارة النفط ! وهذا الامر في غاية الخطورة ، وبغض النظر عن هذا وذاك كيف يمكن لوزارة النفط ان تتوصل الى اطار تعاقدي او توقع مجموعة من العقود تطال معظم حقول النفط الكبرى وتنتج معظم النفط العراقي ولا يتوافر فيها او في الشركات الوطنية الكوادر القادرة على ادارة ملف هذه العقود ؟ اليس من المنطق والمسؤولية ان توفر وزارة النفط مستلزمات تطبيق هذه العقود قبل اقرارها ؟ وعندما يتضرر البلد ماليا واقتصاديا لا يغدو مهما جدا للمواطن ان يحدد من المسؤول عن هذا الضرر طبيعة العقود ام ادارتها مع ان الخلل يطال الاثنين معا .
3- يعترف مؤيدو التراخيص بان الشركات الاجنبية تمارس عمليات الفساد على نطاق واسع وهو ما يحول دون قيام الشركات بتدريب وتأهيل العراقيين لادارة العقود اذ يتساءل مؤيدو التراخيص (( هل يعقل ان تساهم الشركات بتطوير كادر ينغص عليها عيشها الهانئ ويقف عائقا بوجه فسادها الواضح ؟ )) واذا كانت الشركات الاجنبية على هذا القدر من الفساد فكيف يقول المؤيدون بان (( الشركات الاجنبية هي صاحبة الفضل الاكبر على العراق ويتوجب على الحكومات السابقة رفع القبعات احتراما لها وصيانتها من اي سوء )) واذا كانت الشركات الاجنبية قد نجحت باضافة 1,5 م.ب/ي الى الطاقة الانتاجية وبكلفة كبيرة تفوق 48 مليار دولار خلال المدة 2011- 2015 فان الشركات النفطية الوطنية قد نجحت برفع مستويات الانتاج من اقل من (1) مليون ب/ي عام 2003 الى اكثر من 2,5 م.ب/ي عام 2009 وباستثمارات قليلة جدا وبكوادر وطنية . واذا ما اردنا ان نرفع القبعات فهي لكادرنا الوطني الذي نهض بمهام مسؤولية تشغيل وادارة قطاع النفط لاكثر من نصف قرن رغم الدعم الضعيف الذي كانت تقدمه له الحكومات السابقة والذي اصبح اليوم مهمشا بنعمة جولات التراخيص إ

4- من غير الصحيح الا تعلن وزارة النفط الاتحادية والشركات الوطنية عن كلفة استخراج برميل النفط العراقي قبل وبعد عقود التراخيص وان يترك للشركات الأجنبية حرية التصرف بهذه التكاليف وتضخيمها وليس من الصحيح القول بتعذر حساب كلفة استخراج النفط فالموضوع يتعلق بحساب الكلفة وهو من اختصاص المحاسبين وليس الفنيين ، ويفترض ان تصل الوزارة الى ارقام دقيقة حول الكلف حتى ولو كان جزءا منها يدخل ضمن الكلف الراسمالية من خلال حساب اقساط الاندثار السنوي .وبسبب عدم حساب كلفة البرميل او عدم الشفافية بهذا الموضوع نجد هناك تصريحات غير متسقة حول التكاليف مثلا وزير النفط يقول ان كلفة الاستخراج تتراوح بين 5 دولارات في حقل الرميلة و10 دولارات في الحقول الاخرى فيما يضع السيد حيان عبد الغني مدير شركة نفط الجنوب التكاليف ما بين 4,5-11 دولار فيما تذكر الكثير من الدراسات ومنها ما نشر في مجلة الايكونومست بان تكاليف استخراج نفط العراق يبلغ حاليا ضعف مثيلاتها في السعودية . واذا كانت ارقام المسؤولين ناجمة عن حسابات كلفة حقيقية فعليهم التدقيق عن اسباب الارتفاع الكبير في التكاليف التي تقدمها الشركات الاجنبية ويدفعها العراق بموجب العقود المبرمة بينهما مع ان هناك كلف اخرى تضاف الى برميل النفط ومنها كلف النقل والتسويق وانشاء البيئة التحتية لقطاع النفط . وهي كلف كبيرة تستنزف الجزء الاكبر من موازنة وزارة النفط التي تقدر بنحو 14 مليار دولار عام 2016.علما ان كل الارقام التي تم ذكرها في مقالنا السابق هي مستقاة من وثائق رسمية لاحدى الشركات النفطية العاملة في البصرة وليست تخمينات او تقديرات او ارقام كيدية هدفها ( الاساءة) الى عقود التراخيص !
5- مع ان قطاع النفط العراقي بحاجة ماسة الى التكنولوجيا والخبرات الاجنبية التي توفرهما عقود التراخيص الا ان هذه العقود بغض النظر عن كونها عقود خدمة كما يراها البعض او عقود مشاركة فهي تتضمن شروطا قاسية ومكلفة للاقتصاد العراقي من خلال استنزافها لجزء كبير من عوائد الصادرات النفطية لا سيما وان التغيرات الهيكلية التي تشهدها السوق النفطية العالمية ربما ستدفع باتجاه البدء بعصر جديد للنفط الرخيص فضلا عن كون عقود التراخيص تحد كثير من دور السياسة النفطية في تكييف الانتاج والصادرات النفطية على ضوء متطلبات المصالح العليا للعراق .

6- يقول المؤيدون ( ان وراء قبول الشركات بهذه العقود وشروطها القاسية عليهم هو للحد من ارتفاع الاسعار التي بلغت 140 دولارا عام 2008 وكان مقدرا لها كما يقول المؤيدين ان تصل الى 200 دولار للبرميل بسبب تراجع الانتاج النفطي في العالم ولهذا السبب قبلت الشركات الاجنبية وهي في معظمها تعود الى الدول المستهلكة للنفط بالشروط العراقية نظرا لاحتياطيات العراق الكبيرة وغير المطورة ) هذه الحقيقة توضح بجلاء بان عقود التراخيص جاءت لمصلحة الشركات الاجنبية اذ اسهمت ( مع عوامل اخرى ) في تحويل فائض الطلب في السوق العالمية الى فائض من المعروض النفطي دفع باسعار النفط نحو الهاوية (37 دولار حاليا ) وهو الامر الذي يصب في خدمة هذه الشركات ودولها بعد ما نجحت في توفير النفط باسعار متدنية مما خفض من فاتورة استيراداتها وانعش قطاعات اقتصادية وخدمية عديدة فيها، فيما الحق الضرر الفادح بالدول المنتجة للنفط ومنها العراق واسهمت بشكل مباشر في الازمة المالية والاقتصادية التي يعيشها العراق اليوم . اذ انخفضت قيمة الصادرات النفطية العراقية عام 2015 باكثر من 40 مليار دولار بالقياس الى عام 2014 مع ان العراق قد زاد انتاجه وصادراته باكثر من نصف مليون برميل يوميا. وفي هذه النقطة بالذات يكمن الخطأ القاتل والاستراتيجي الذي ارتكبه موقعو عقود التراخيص . فما تحقق للعراق اليوم هو المزيد من انتاج النفط والقليل من الاموال !
(*)أستاذ في كلية الادارة الاقتصاد في جامعة البصرة – اختصاص تنمية ونفط
الاراء الواردة في كل المواد المنشورة على موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين لاتعكس بالضرورة رأي هيئة التحرير وانما رأي كاتبها وهو الذي يتحمل المسؤولية العلمية والقانونية.

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"

أبحاث ومقالات أخرى للكاتب

Nabil Al-Marsoumi image

أ.د. نبيل جعفر المرسومي * : البرنامج الحكومي – تقييم البرنامج الخاص بوزارة النفط

Nabil Al-Marsoumi image

أ.د. نبيل جعفر المرسومي*: الخسائر المالية المترتبة على عقود التراخيص النفطية في حقول العراق الجنوبية

Nabil Al-Marsoumi image

أ.د. نبيل جعفر المرسومي *: ترامب يطلق العنان للنفط المجنون

Book cover Nabil Al-Marsoumi

أ.د. نبيل جعفر المرسومي* / مهندس مصطفي جبار سند **:كتاب تكاليف انتاج برميل النفط الخام في شركة نفط البصرة 2009-2016

Nabeel-Abd-Ridha-image-4

أ.د. نبيل جعفر المرسومي *: المكاسب والخسائر المحتملة من الاتفاقيات الاقتصادية العراقية – الاردنية

Nabil Al-Marsoumi image

أ.د. نبيل جعفر المرسومي*: من ربح ومن خسر في موازنة العراق لعام 2019 ؟

Nabeel Abd Ridha image 3

أ.د. نبيل جعفر المرسومي*: الاهمية النفطية لخط الانبوب العراقي – الاردني

Nabeel Abd Ridha image 3

أ. د. نبيل جعفر المرسومي*: أهمية تأسيس مركز اقتصادي متخصص في العراق

د. نبيل جعفر المرسومي

عن د. نبيل جعفر المرسومي

أستاذ علم الاقتصاد في جامع البصرة وخبير نفطي