د. نبيل جعفر عبد الرضا*: العالم يغرق في النفط!

لاأحد كان يتوقع هذا الانهيار الدراماتيكي لأسعار النفط الخام الذي فقد نحو 80% من سعره الاسمي خلال مدة وجيزة لا تزيد عن العام والنصف، بل انه فقد خلال العشرين يوماً […]

لاأحد كان يتوقع هذا الانهيار الدراماتيكي لأسعار النفط الخام الذي فقد نحو 80% من سعره الاسمي خلال مدة وجيزة لا تزيد عن العام والنصف، بل انه فقد خلال العشرين يوماً الأولى من عام 2016 نحو 25% من سعره ليتدحرج من 115 دولاراً للبرميل الى 30 دولاراً في واحدة من أكثر المشاهد التراجيدية في تأريخ النفط لاسيما بعد ارتفاع كلف الانتاج للنفط التقليدي في العديد من حقول الانتاج الصعبة والمغمورة تحت المياه الى نحو 30 دولارا للبرميل فيما تفوق كلفة انتاج النفط الصخري هذا الرقم.

ما الذي يحصل في العالم اليوم؟ هل صحيح ان الاقتصاد العالمي يعيش في حالة من الركود قد تدفع به الى براثن الكساد ليحصل الذي حصل؟ هل ان المعروض النفطي العالمي قد ارتفع الى الحد الذي ضرب فيه اساسيات السوق النفطية العالمية واوجد حالة من اللا توازن بين العرض والطلب؟ هل غادر العالم النفط الى مصدر آخر للطاقة وإن عصر النفط قد انتهى بعد أن اعتلى عرش ميزان الطاقة العالمي لأكثر من قرن من الزمان؟ أم أن السياسة قد فعلت فعلتها مرة اخرى ودفعت بالدول الخليجية الى اغراق السوق النفطية بفائض كبير من المعروض النفطي؟ هل أن قرار تخفيض سعر النفط هو قرار امريكي لمعاقبة روسيا وايران وفنزويلا ؟ هل عدنا مرة اخرى الى استخدام الاقتصاد في السياسة؟

لمناقشة هذه المحاور علينا الرجوع الى حزيران من عام 2014 حيث كان سعر النفط 115 دولارا للبرميل ثم انخفض بشكل كبير الى 55 دولارا في كانون الاول من العام ذاته أي ان سعر النفط قد انخفض الى النصف تقريبا خلال ستة اشهر فقط مع ان الاقتصاد العالمي في عام 2014 كان ينمو بمعدل 3,4% وهو ذات المعدل الذي كان ينمو فيه عام 2013: وحافظت الولايات المتحدة على معدل نمو قدره 2,2% عامي 2013 و 2014 فيما تحول النمو السالب الذي حققته منطقة اليورو في عام 2013 والبالغ 0,4% الى نمو ايجابي بمعدل 0,8%. في حين انخفض معدل النمو الاقتصادي في الصين بنسبة ضئيلة من 7,7% عام 2013 الى 7,4% عام 2014. وقد انعكس معدل النمو الاقتصادي العالمي في ارتفاع حجم الطلب العالمي على النفط الخام بمقدار 700 ألف برميل يوميا عام 2014. وفي عام 2015 حقق الاقتصاد العالمي نمو بمعدل 3,1%، ويتوقع صندوق النقد الدولي ان يرتفع النمو الاقتصادي العالمي الى 3,4% عام 2016. ونتيجة لذلك ارتفع الطلب العالمي على النفط بحوالي 1,2 مليون برميل يوميا عام 2015.

اذن معدلات النمو الاقتصادي في العالم عامي 2014 و 2015 والتوقعات لعام 2016 تشير الى ان العالم لا يعيش في حالة من الركود الاقتصادي بل ان الاقتصاد الامريكي كان في افضل احواله عام 2015 إذ وفر أكثر من 14 مليون فرصة عمل، وكان قطاع السيارات الاكثر ازدهاراً اذ وفر نحو 900 ألف فرصة عمل. كما وفر تخفيض الاسعار للولايات المتحدة اكثر من 230 مليار دولار في السنة من تدني كلفة مستورداتها من النفط الخام، فضلا عن تحفيز الاقتصاد الامريكي بفرق السعر للإنتاج المحلي وهو ما يعادل 360 مليار دولار في السنة.

الاستنتاج المهم الذي يمكن تـأشيره هو ان النمو الاقتصادي، وهو المؤثر الكبير على حجم الطلب العالمي على النفط، لم يشهد تراجعا بل العكس هو الذي حصل اذ استمر النمو في الطلب العالمي على النفط؛ وهو ما يعني ان الجانب الحقيقي للاقتصاد العالمي سليم ومعافى والطلب على النفط في تزايد مطرد، ومن ثم لا يمكن ان يعزى الانخفاض الكبير في اسعار النفط الى الطلب العالمي على النفط.

وفي الجانب الآخر من المعادلة التي تتحكم الى حد كبير في اسعار النفط، وهو جانب العرض، نلاحظ ان المعروض النفطي من خارج اوبك وبالذات من الولايات المتحدة وروسيا والبرازيل وكندا قد حقق زيادة قياسية قدرها 2,4 مليون برميل يوميا عام 2014 انخفض الى 1,1 مليون برميل يوميا عام 2015 ومن المتوقع ان ينخفض الى 200 ألف برميل يوميا عام 2016**، في حين زادت اوبك من معروضها النفطي بمقدار 1,7 مليون برميل ليصل سقف انتاجها الى 31,7 مليون برميل يوميا. وهذا يعني ان فائض العرض ( العرض – الطلب ) قد بلغ 3,4 مليون برميل عام 2014 ثم انخفض الى 1,8 مليون برميل يوميا عام 2015 ومن المتوقع حسب تقرير وكالة الطاقة الدولية الا يزيد فائض العرض في العام 2016 عن 1,5 مليون برميل يوميا بعد الزيادة المتوقعة لإنتاج النفط في ايران التي ربما ستضخ نحو نصف مليون برميل يوميا الى السوق النفطية العالمية. واذا كان التعويل على فائض العرض الكبير في تفسير التدني الهائل في اسعار النفط عام 2014 مقبولا الى حد ما، رغم انه لا يشكل سوى 4% من اجمالي حجم المعروض العالمي، إلا انه لا يمكن الركون في تفسير انهيار الاسعار عام 2015 وبداية عام 2016 الى التخمة في المعروض النفطي بعد ان تدنى فائض العرض الى نحو 2% فقط من المعروض النفطي العالمي وهي نسبة غير كبيرة ولا يمكن التعويل عليها في تفسير انهيار اسعار النفط. ومن ثم فإن القول بأن العالم يغرق في النفط هو كلام غير دقيق ويفتقد الى الواقعية في تحليل العوامل المؤثرة على اسعار النفط . كما ان القول بأن عصر النفط قد انتهى هو نوع من السراب اذ مازال النفط يحتل الاهمية النسبية الاكبر بين مصادر الطاقة في العالم، وما زال الطلب عليه في تصاعد مستمر.

لنبتعد عن الاقتصاد الذي لم نجد فيه لوحده تفسيرا كاملا ومقنعا للتداعي الخطير بل للزلزال الخطير الذي دفع بأسعار النفط نحو الهاوية ولنقترب من السياسة لعلنا نجد فيها ضالتنا لاسيما وإن النفط قد أدخل في باب السياسة والاقتصاد وهو ليس مجرد دراسات واحصاءات وبحوث وتأملات، هو صراع يدور في السر والعلانية وتتراوح إيقاعاته بين المحافل الاكاديمية المعنية بالنفط وبين القرارات السياسية للقصور الرئاسية والملكية وبين الترسانات العسكرية التي يتحكم فيها الجنرالات. وبهذا الصدد يقول الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر ( ان النفط ليس مادة استراتيجية تدخل ضمن مقومات الامن القومي الامريكي فحسب بل انه دم الحياة بالنسبة للولايات المتحدة ) ولذلك فإن السيطرة على سعر النفط وكمية انتاجه من ركائز الامن القومي الامريكي.

هل أن قرار تخفيض اسعار النفط هو قرار امريكي ؟ سؤل السيد احمد زكي يماني وزير النفط السعودي الاسبق ذات يوم عن اهمية الدور النفطي للسعودية فأجاب قائلا: ( لتدمير دول اوبك الاخرى يكفي ان ندفع انتاجنا الى اقصى طاقته ولتدمير الدول المستهلكة يكفي ان نخفض معدلات انتاجنا ) لكن قوة التدمير هذه تمتلكها السعودية ولكن الذي يقرر استخدامها هو الولايات المتحدة . في عام 1986 كان سعر النفط 26 دولارا للبرميل ثم هبط الى 10 دولارات بقرار امريكي لتحفيز الاقتصاد الامريكي وتدمير الاتحاد السوفيتي الذي كان يحارب في افغانستان. من الناحية السياسية فإن المستهدف الآن هو روسيا وايران وفنزويلا.

وقد ركز المحلل الأمريكي الشهير توماس فريدمان في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” في 14 تشرين الأول/أكتوبر عام 2014 على أهمية خفض أسعار النفط عالميًا كإحدى أدوات الضغط الأمريكية على الدول المعادية للمصالح الأمريكية، والتي تأتي في مقدمتها عالميًّا روسيا تحت حكم بوتين، والنظام الإيراني إقليميًّا في الشرق الأوسط. فكتب فريدمان: “إذا نجح التحالف النفطي السعودي الأمريكي عن طريق خفض أسعار النفط الممنهج، فلن تستطيع ميزانية موسكو أو طهران تحمل أعباء مصاريفهما، ولن يكون اقتصاد تلك الدولتين قادراً على الحياة”.

نجحت الولايات المتحدة في تخفيض اسعار النفط من خلال دفع اوبك وفي مقدمتها السعودية الى زيادة انتاجها كما ان العراق كان ملزما بموجب عقود التراخيص على زيادة انتاجه وصادراته النفطية وهو ما خلق نوعا من حرب الاسواق بين الدول المنتجة للنفط سواء داخل اوبك او خارجها واصبح المهم هو المحافظة على الحصة السوقية لكل دولة وهو ما نجحت فيه دول اوبك مقابل استنزافها الكبير لثروتها النفطية وخسارتها لمئات المليارات من الدولارات. كما استخدمت الولايات المتحدة ماكناتها الاعلامية الهائلة وادوات الحرب النفسية لإحداث تقلبات عنيفة في سعر النفط وهو ما هيأ الارضية المناسبة لتشجيع المضاربات في السوق النفطية بالاتجاه الضاغط نحو الاسفل لمسار اسعار النفط ، لذلك وجدنا الولايات المتحدة تستخدم وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي للإيحاء من خلال تقاريرها الدورية بأن الاقتصاد العالمي في تراجع كبير وان هناك تخمة هائلة في المعروض النفطي ، فضلا عن استخدمها لأرقام المخزونات النفطية الاستراتيجية والادعاء بأنها في مستويات مرتفعة جدا بل وانها الاعلى منذ عام 1982 للمحافظة على الزخم الكبير للقوى الدافعة للاتجاه المعزز لانخفاض اسعار النفط.

في خضم هذه الاوضاع التراجيدية التي تعاني منها الدول المنتجة للنفط وانعكاساتها الاقتصادية السلبية عليها تغدو الحاجة ملحة الى اتخاذ قرارات مناسبة توقف هذا النزيف الهائل من موارد الدول النفطية وتعيد السوق الى مسارها الصحيح وهو ما يتطلب التنسيق بين دول اوبك وبالذات السعودية والعراق مع وروسيا لان هذه الدول الثلاث تمتلك طاقات انتاجية كبيرة تزيد عن 25 مليون برميل يوميا. لذلك فإن السبيل الوحيد لإعادة الاسعار الى مسارها الصاعد يكمن في تخفيض السعودية وروسيا لإنتاجهما بما يعادل 1,5 مليون برميل يوميا وان يحافظ العراق على مستوى صادراته النفطية عند مستوى 3 مليون برميل يومياً وان يوقف برامج تطوير طاقاته الانتاجية. وخلاف ذلك سيظل الوضع في السوق العالمية على ما هو عليه وستبقى اسعار النفط منخفضة خلال عامي 2016 و 2017 أو إلى أبعد من ذلك حتى تستعيد سوق النفط حالة التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سيؤدي الى الحاق المزيد من الخسائر في العائدات النفطية التي تشكل العصب الاساس للحياة الاقتصادية وستجني الدول المستهلكة وفي مقدمتها الولايات المتحدة المزيد من المكاسب الاقتصادية وفي مقدمتها تخفيض فاتورة استيراداتها النفطية وتخفيض كلف الانتاج للعديد من صناعاتها وتعزيز قدراتها التنافسية اذ ان تخفيض النفط بنسبة 10% يرفع من النمو الاقتصادي للبلدان الصناعية بنسبة 0,2%، وهو ما يحقق رخاء الغرب الذي يرتبط دائما بعذاب الشرق!

(*) أستاذ في كلية الادارة الاقتصاد في جامعة البصرة – اختصاص تنمية ونفط
(**) نعتقد ان الكاتب يشير هنا الاى وجود تباطئ في الزيادة للعرض النفطي من قبل الدول المذكورة من 2,4 مليون برميل يوميا عام 2014 الى 1,1 مليون برميل يوميا عام 2015 ومن المتوقع ان تنخفض الزيادة الى 200 ألف برميل يوميا عام 2016 عن مستوى العرض الاجمالي في عام 2013 بالمقارنة مع الزيادة في عام 2014. هذا يعني ان اجمالي العرض سوف لن ينخفض عن مستوى عام 2013. وياحبذا لو اعد الكاتب جدولاً بالارقام المطلقة والزيادات للمعروض النفطي. المحرر

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. 24 كانون الثالني 2016

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"

أبحاث ومقالات أخرى للكاتب

Nabil Al-Marsoumi image

أ.د. نبيل جعفر المرسومي * : البرنامج الحكومي – تقييم البرنامج الخاص بوزارة النفط

Nabil Al-Marsoumi image

أ.د. نبيل جعفر المرسومي*: الخسائر المالية المترتبة على عقود التراخيص النفطية في حقول العراق الجنوبية

Nabil Al-Marsoumi image

أ.د. نبيل جعفر المرسومي *: ترامب يطلق العنان للنفط المجنون

Book cover Nabil Al-Marsoumi

أ.د. نبيل جعفر المرسومي* / مهندس مصطفي جبار سند **:كتاب تكاليف انتاج برميل النفط الخام في شركة نفط البصرة 2009-2016

Nabeel-Abd-Ridha-image-4

أ.د. نبيل جعفر المرسومي *: المكاسب والخسائر المحتملة من الاتفاقيات الاقتصادية العراقية – الاردنية

Nabil Al-Marsoumi image

أ.د. نبيل جعفر المرسومي*: من ربح ومن خسر في موازنة العراق لعام 2019 ؟

Nabeel Abd Ridha image 3

أ.د. نبيل جعفر المرسومي*: الاهمية النفطية لخط الانبوب العراقي – الاردني

Nabeel Abd Ridha image 3

أ. د. نبيل جعفر المرسومي*: أهمية تأسيس مركز اقتصادي متخصص في العراق

د. نبيل جعفر المرسومي

عن د. نبيل جعفر المرسومي

أستاذ علم الاقتصاد في جامع البصرة وخبير نفطي