فاضل علي عثمان البدران:* ما هو مستقبل قطاع النفط في العراق

كنت قد كتبت هذه المقال لنشره في شبكتكم ولكنني فوجئت بقرار وزارة النفط لتأجيل وتحوير اعلان الوزارة في 23 تشرين الاول 2016 ودفعه الى منتصف عام 2017، وإضافة بعض الحقول […]

كنت قد كتبت هذه المقال لنشره في شبكتكم ولكنني فوجئت بقرار وزارة النفط لتأجيل وتحوير اعلان الوزارة في 23 تشرين الاول 2016 ودفعه الى منتصف عام 2017، وإضافة بعض الحقول الى التنفيذ المباشر من قبل شركاتنا الوطنية التشغيلية. وتبع ذلك تأييد البعض لهذا الاتجاه، وبدون معرفة الأسباب المقنعة لهذا التأجيل والتحوير. لذا فقد بدا لي ان هذا المقال أصبح هامشياً. الا انني لا زلت اعتقد اننا لا نذهب بالاتجاه الصحيح في عمليات تطوير الحقول النفطية والغازية. أوجز ما يلي بعض الأسباب لذلك:

  1. خلال الخمس والست سنوات القادمة، كيف لوزارة النفط القدرة على الحصول على مبالغ تزيد عن المليار دولار لتضعها في استثمار هذه الحقول؟
  2. ان الحقول المعلنة سوف لن يزيد إنتاجها عن 500 ألف برميل يومياً، وسيضاف هذا الإنتاج على الأكثر في منتصف العقد الثالث ليتزامن مع ما تنشره الأدبيات النفطية من إمكانية استيعاب الاسواق النفطية الى المزيد من انتاج النفط، وسيبقى العراق كما كان في العقود السابقة بدون طاقة انتاجية احتياطية او الحصول على حصة مقنعة في الاسواق النفطية.
  3. كان متوقعاً أنه بإضافة هذه الحقول للتطوير الى الحقول المنتجة ان تستوعب الوزارة وشركاتها التشغيلية المزيد من الخريجين والعمالة العاطلة والذي لا تجد لها عملاً الا في القطاع النفطي.
  4. اما الحقول التي أعطيت ضمن جولة التراخيص الثالثة والرابعة فهي حقول غازية وقطع استكشافية ولا يتوقع كذلك وصولها الى الانتاج المستديم الا خلال العقد الثالث.
  5. كان الإعلان عن حقول صغيرة ومتوسطة، وكان بالأحرى للوزارة تعديل شروط التأهيل للشركات حتى تتمكن الشركات الصغيرة والمتوسطة بالاشتراك او تكوين تآلفات، او السماح للمصارف العالمية بالاشتراك مع الشركات الصغيرة والمتوسطة في هذه العطاءات.
  6. ان الوزارة والشركات التشغيلية بحاجة الى كوادر كفوءة لإدارة تطوير الحقول، وسوف لن يكون مثل هذا الكادر مهيأ الا في بداية العقد الثالث من خلال عمله مع الشركات الأجنبية التي تعمل في تطوير الحقول حالياً.
  7. لو نظرنا الى الجارة إيران ورغبتها في وضع 50 حقلاً نفطياً وغازياً للاستثمار ورغبتها في زيادة إنتاجها بعد الحصار المفروض عليها لسنتين او ثلاث، فنحن في العراق ومنذ عام 1980 وحتى الآن نعاني من تخلف قطاعنا النفطي بسبب الحروب والحصار الاقتصادي والظروف الأمنية. لا يمكن الآن ان نحجم النشاط في القطاع بسبب الظروف الامنية، وهناك مجال للعمل في مناطق آمنة.
  8. ان ما يجري من تطوير في حقولنا النفطية لا يبدو مشرقاً بل متعثراً بالنظر لأنها عقود خدمة وليست عقود استثمارية، ولا يمكن للدولة حتى نهاية هذا العقد ان تلتزم بوضع استثمارات ضخمة في هذا القطاع.
  9. لا ندري مع الأسف، هل ان قرار التأجيل جاء من قبل الحكومة او مجلس النواب، ولا يمكن للوزارة ان تأخذ مثل هذا القرار خلال فترة شهر بدون دراسة جدية لحالة السوق النفطية خلال العشر سنوات القادمة.
  10. إن تذبذب هذه القرارات المستعجلة والمعكوسة يدل على عدم ثبات سياستنا وصناعتنا النفطية، علماً بأن تطوير الحقول سيكون بالاستثمار من قبل الشركات المحلية والأجنبية، وسوف لن تتكفل الحكومة بأي كلف في تطوير هذه الحقول.

)المقال المعد سابقاً للنشر(

منذ عام 2003 وحتى الان لم يتمكن العراق من بناء سياسة نفطية واضحة وعملية لوضع نشاطه النفطي في مساره الصحيح، ولكونه الركيزة الأساسية في اقتصاد العراق، وبالرغم من المناشدات المستمرة لبناء هيكلية جديده للقطاع، الا ان الهزات المستمرة في أسعار النفط وخاصة ما حدث عام 2008 وفي منتصف عام 2014 الزم الكثير من العاملين في القطاع الى التوجه نحو معالجة هذه الحالات الطارئة بقرارات مستعجلة، منها جولات التراخيص التي ساعدت في إيقاف هبوط انتاج النفط الخام وزادت من وتائر الإنتاج، وقد تصور الكثير انها المسار الذي ستسير عليه الوزارة في تطوير الحقول النفطية والغازية وفي مجال الاستكشاف. الا ان هبوط الأسعار منذ منتصف عام 2014 وحتى الآن قد بيَّن بعض السلبيات في تلك العقود والمحاولات المستمرة في تعديل بعض بنودها، وكذلك أدى الوضع الى انسحاب بعض الشركات وتحجيم بعضها من العمل في العراق، ولم تقم الوزارة بإعطاء أسباب مقنعة لهذه الانسحابات.  كان من المفروض ان تقوم الحكومة ومجلس النواب ووزارة النفط الفيدرالية ووزارة النفط في الإقليم وضع أسس صحيحة للعمل في القطاع من خلال:

  1. إصدار قانون موحد للنفط والغاز
  2. اعادة تأليف شركة نفط وطنية لتوحيد نشاط الشركات الاستخراجية
  3. تأليف مجلس اتحادي فيدرالي للنفط والغاز لوضع سياسة نفطية موحدة
  4. اعادة النظر في هيكلية وزارة النفط واساليب عملها
  5. توزيع الموارد النفطية (علماً بأنه ترددت انباء بإقرار مجلس النواب لقانون توزيع الموارد المالية خلال الايام الاخيرة)

ومع الأسف الشديد وبالنظر للمناكفات السياسية والمشاكل الامنية المستمرة، لم تتمكن الحكومة ولا مجلس النواب من تنفيذ اي من الأسس المذكورة أعلاه.

تناوب على وزارة النفط منذ عام 2003 وحتى الآن عدة وزراء حاول قسم منهم التوجه نحو حلحلة بعض المشاكل التي يعاني منها القطاع، الا ان هذه التوجهات جوبهت باعتراضات شارك فيها قسم كبير من خبراء النفط كل بصورة انفرادية، وضاعت الحقيقة وأصبحت هذه المناكفات جزءاً من حياة المجتمع الذي يفتقد بالأساس الى المنظمات الاستشارية التي تكون حيادية بإعطاء الآراء الصحيحة سواء بالمسارات الجديدة او تصحيح المسارات الخاطئة، مما أدى الى شللية القطاع وعدم إمكانية وضع مسار صحيح لتطوره.  ومن الملاحظ جداً بعد منصف عام 2014 وحتى الآن ما يلي:

  1. عدم تمكن وزارة النفط من وضع خطة لتطوير الحقول المتبقية او التوسع في مجال الاستكشاف، بل ان البعض يدفع باتجاه عدم الذهاب لتطوير حقول جديدة وابقاء ما تم اعطاءه خلال جولات التراخيص الاربعة وتخبط وزارة النفط في تنفيذ قرارات استراتيجية مهمة.
  2. عدم وجود خطة للاستكشاف سواء في مناطق العراق المختلفة او المكامن العميقة.
  3. بالرغم من استمرار وضع مصافي جديدة في مجال الاستثمار، الا ان قانون الاستثمار في المصافي لم ينجح في جلب مستثمرين بالرغم من التعديلات المتعددة للقانون التي لم تكن بالمستوى المطلوب، ولم نجد من الوزارة اي تفسيرات لعدم نجاح القانون، او انها ذهبت الى بناء مصافي مشتركة في الدول المستهلكة للنفط إسوة بالمملكة العربية السعودية والكويت وفنزويلا.
  4. تباطؤ كبير في معالجة الغاز الطبيعي المصاحب لإنتاج النفط الخام او تطوير الحقول الغازية.
  5. تآكل الكادر الفني والاقتصادي والقانوني في القطاع سواء في مركز الوزارة او الشركات التشغيلية.
  6. تسييس القطاع والمناكفات السياسية والطائفية والعنصرية وانعكاساتها على القطاع.
  7. اثبتت طريقة المناقصات في نشاط القطاع النفطي بانها لم تكن ناجحة بصورة متكاملة، وان طريقة المباحثات المباشرة والوصول الى أفضل العقود واقرارها من قبل مجلس النواب هي الطريقة الافضل للوصول الى أفضل النتائج. وهناك من يحاول ان يعتقد بان العقود ان لم تكن مربحة لكلا الطرفين سوف لن تكون عقود ناجحة، اذ سيحاول كل طرف تعقيد وتصعيد المشاكل للحصول على مكاسب على حساب الآخر. واثبتت عقود التراخيص وجود بعض الخلل فيها عندما لم تحدد وزارة النفط السقوف الانتاجية للحقول، وبالتالي ذهبت الشركات الى تضخيم السقوف الانتاجية المتوقعة وإعطاء ارقام مختلفة لما تتوقعه من كلف انتاجية، ولم يؤخذ بنظر الاعتبار احتمال هبوط اسعار النفط، وبالتالي اضطرت الوزارة الذهاب الى تعديل العقود والاستمرار بطلبها الى تعديلات اخرى، مما أدى ذلك الى انسحاب بعض الشركات النفطية وتحجيم بعضها من العمل في العراق بعقود خدمة، وتذهب الى مقارنتها مع عقود مشاركة في دول نفطية اخرى.
  8. عدم استغلال العراق للظروف السياسية والاقتصادية سواء للدول المنتجة للنفط، او الدول المستهلكة، للحصول على أفضل العروض لصالحه.
  9. التوتر السياسي بين الإقليم والحكومة المركزية مما سبَّب شللية في القطاع، سواء في تطوير الحقول في المنطقة الشمالية من العراق خارج الإقليم، والتذبذب في كميات التصدير من المنطقة الشمالية.
  10. اختلاط السياسة النفطية بالصناعة النفطية
  11. الفساد الاداري والمالي
  12. تصيد الهفوات والفشل وتضخيم الأخطاء
  13. التركيز على حل المشاكل الامنية وترك الحلول للمشاكل الاقتصادية لوقت لاحق

هناك عوامل رئيسية تؤثر في نمو هذا القطاع او شلله وهي:

  1. العامل السياسي
  2. العامل الاقتصادي
  3. العامل الفني
  4. العامل الاجتماعي

وعند معالجة مشاكل القطاع يجب دراسة هذه العوامل مجتمعاً، الا انه مع الأسف الشديد فإن كافة دراساتنا لهذا القطاع تنصب على معالجة أحد المشاكل او اثنين منها وتهمل العوامل الاخرى مما يجعل دراساتنا دائماً ناقصة او غير قابلة للتنفيذ

فمثلاً يرتأي البعض عدم التوسع في تطوير حقول اخرى والإبقاء على ما تم التخطيط لتطويره، او التباطؤ في عمليات الاستكشاف في مناطق العراق المختلفة، مثل هذا الرأي لا يأخذ بنظر الاعتبار الا العاملين الاقتصادي والفني ولا يأخذ بنظر الاعتبار ان القطاع النفطي هو القطاع الوحيد الذي يؤمن عملاً لقطاعات الشعب المختلفة وخريجي الجامعات الفنية والانسانية بدلاً من التوظيف في قطاعات مشلولة وخلق بطالة مقنَعة. اما العامل السياسي فإن تطور القطاع يعني وضع الاحتياطي الكبير للعراق والإنتاج المتصاعد وزيادة التصدير ووجود قابلية انتاجية احتياطية كعامل مهم في استراتيجيات الدول المستهلكة للنفط. وعندما يضع العراق 12 حقلاً نفطياً للتطوير ويكلَف الشركات الوطنية بتطوير 10 حقول بنفسها، او بمشاركة شركات الخدمات النفطية، ومحاولة الذهاب الى الاستثمار، كيف يمكن مقارنة ذلك بإيران التي وضعت 50 حقلاً من النفط والغاز للاستثمار الأجنبي والمحلي واعترفت بفشل عقودها السلبية؟ والتي وضعت عقود استثمار جديدة ومشجعة للشركات الاجنبية بموافقة الحكومة الإيرانية والبرلمان الإيراني، بينما تتجنب وزارة النفط العراقية من الذهاب الى مجلس النواب نظراً للمنافات السياسية والطائفية والعنصرية التي تتميز بها قرارات مجلس النواب. ثم اننا لا نجد تآلفاً وانسجاماً في أفكار خبرائنا النفطيين والاقتصاديين حول المسار الصحيح للاقتصاد في العراق، وقسم منهم يركزون على الجوانب السلبية بدلاً من اقتراح الحلول المناسبة وحتى ان وجدت دراسات جيَدة ذات ابعاد استراتيجية مفيدة، لا نجد ان هناك من يأخذها بنظر الاعتبار سواء من قبل الحكومة او مجلس النواب.

كما ان المؤتمرات النفطية والاقتصادية التي تقوم بها الشركات الأجنبية المعدة لهذه المؤتمرات تركز، مع الأسف الشديد، على محاولة جمع المسؤولين العراقيين ذوي المراكز المتقدمة مع الشركات الأجنبية التي تروم العمل في العراق، ومن ثم انحدر مستوى هذه المؤتمرات في السنين الأخيرة الى عدم أخذ ما يجري فيها بنظر الاعتبار. اما المنظمات العراقية التي تركز اهتمامها على الاقتصاد والنفط فلا يمكنها الاستمرار في عملها لعدم وجود التمويل اللازم لها، والتي تتجنب بصورة كبيرة مساهمة الشركات الأجنبية في تمويلها ودعمها وبالتالي فشلت في نشاطاتها وقلصت مؤتمراتها الى الحد الأدنى.

اعترف بأنني اكتب هذا للدفاع عن توجهات وزارة النفط الأخيرة، سواء أكانت هذه التوجهات من قبل وزير النفط الحالي وبدون انسجام مع كادر الوزارة، او ان هذا التوجه تم بدون تأييد من مجلس الوزراء او لجنة الطاقة في مجلس النواب. أما التلكؤ وانتظار إتمام تحرير أراضي العراق المتبقية، والتي بدأنا نربط كل توجهاتنا السياسية والاقتصادية به والتركيز على ذلك، ومن ثم قيام الحكومة اجبار وزارة النفط من تعديل توجهاتها، فإن ذلك سيقلل احترام الدول والشركات التي تروم الاستثمار في العراق – ومن سيكون الخاسر الأكبر؟ يجب ان ندعم توجه وزارة النفط وخاصة في هذه الفترة الحرجة نحو عدم الالتزام بسقف إنتاجي، وعلى الأقل لسنتين او ثلاث، لأننا وخلال الثلاثين سنة السابقة لم ننعم بإنتاج وتصدير نفط حتى ضمن السقف الإنتاجي الذي تم تخصيصه للعراق في ثمانينيات القرن الماضي. يجب ان ندعم الوزارة في توجهها لإكمال البنى التحتية الجديدة وإصلاح المنشآت النفطية والبنى التحتية التي دمرها الإرهاب.

يجب الذهاب الى الاستثمار في الحقول الصغيرة والمتوسطة في مواقع مختلفة من العراق وعدم التركيز على تطوير الحقول الكبرى فقط، والتباحث مع الشركات النفطية الصغيرة حيث ان الشركات الكبرى تفضل الحقول العملاقة والحقول الكبرى وعقود المشاركة والامتياز ولا تفضل اي نوع اخر من العقود.

واردد في النهاية المثل الصيني:

“ان الذي يرى بيته يحترق لا يجلس ويؤلف كتاباً في المنطق”

(*) خبير نفطي عراقي

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح باعاده النشر بشرط الإشارة الى المصدر. 19/11/2016

http://iraqieconomists.net/ar/

لتنزيل نسخة بي دي أف سهلة  انقر على الرابط التالي

future-of-oil-sector-in-iraq-edited-copy

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"

أبحاث ومقالات أخرى للكاتب

Fadhel Ali Othman (1)

فاضل علي عثمان البدران *: إجتماع الجزائر: تحديات كبيرة وآمال ضئيلة

Fadhel Ali Othman (1)

فاضل علي عثمان*:عام 2016 سنة خريف النفطي العربي !!!

Fadhel Ali Othman (1)

فاضل علي عثمان*:منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) – دراسة نقدية

Fadhil Othman

عن Fadhil Othman