د. مظهر محمد صالح *: رحلة الى منزل رامبرانت

في مساء شديد البرودة من العام 2011 سار قاربنا الجميل التصميم والغريب الاطوار منطلقا بقوة هادئة في محيط قنوات مدينة امستردام الهولندية في وقت اخذت فيه انوار المدينة المكتضة بابنيتها […]

في مساء شديد البرودة من العام 2011 سار قاربنا الجميل التصميم والغريب الاطوار منطلقا بقوة هادئة في محيط قنوات مدينة امستردام الهولندية في وقت اخذت فيه انوار المدينة المكتضة بابنيتها الجميلة على ضفتي الانهر والجداول والقنوات المتقاطعة، التي مررنا فيها ، تسطع بالوانها، جاعلة من امواج المياه التي تلونت بالوان الاشعة اللامعة الصادرة من الابنية المحيطة ونوافذها المطلة، لوحة فنية متشابكة الالوان لا يحل لغزها الا فنان هولندا التشكيلي رامبرانت في اثناء توجهنا لزيارة مسكنه التاريخي الذي يقع على مقربة من واحدة من انهر امستردام.

كان الضياء الساطع يظهر حركة سكان المدينة من شبابيك منازلهم في عمارات كلاسيكية شديدة الجاذبية و من على ضفتي الانهر او القنوات وكأنما نحن نشاهد مسرح يؤدي على خشبته الاف الناس قصص اسرار يومهم ونهارات غدهم من دون موعد! وقلت في سري : ما هو هذا القارب الغريب في سحره ومجلسه الاْخاذ الذي يحملنا على ظهره وهو يضفي على حياتنا متعة رومانسية يصعب وصفها نحن القادمون من الشرق! ؟ اذ يظهر لك في الوهلة الاولى كأنما انت على ظهر سفينة سياحية عملاقة على غرار سفن كروز التي تجوب المحيطات.
وعلى الرغم من شدة صغر ذلك القارب الساحر ، اجابتنا الفتاة التي كانت المرشد السياحي في هذه الرحلة المائية المتوجهة الى منزل رامبرانت ، موضحة بان هذا القارب كان يعود لمالك غني من سكان مدينة امستردام ، وعندما دخلت جيوش الاحتلال النازي امستردام في الحرب العالمية الثانية، قام المالك الغني باغراق قاربنا الذي نحن فيه كي لا يتمتع العدو المحتل بجماليته او ينتفع منه. ولكن اعيد انتشاله وتعميره بعد انهزام الجيوش النازية وخروجها من هولندا.

وقد تمتع بهذا القارب السياحي، الذي اصبح اليوم جزءا لا يتجزء من تاريخ مدينة امستردام النهري منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الوقت الحاضر، و تجول فيه كبار المشاهير من الفنانين والملوك والامراء والزعماء والقادة السياسيين وكبار الشخصيات ممن زاروا مدينة امستردام خلال العقود الستة الاخيرة ومر في قنواتها وانهارها .

حدثني مضيفي الهولندي، ونحن في الطريق المنحدر مع مجرى المياه صوب منزل الفنان رامبرانت، وكان الرجل احد كبار موظفي الحكومة الهولندية العاملين في بنك هولندا الوطني، متسائلا.. كيف وجدت مدينة امستردام ؟ فاجبته انها مدينة كلاسيكية رائعة الجمال بكل ما تحمله امستردام من صفات حضارية! ولكن الرجل تحسر كثيرا واجابني ، قائلا: كانت امستردام يومها تشع بالجمال والنظافة التي نفتقر اليها اليوم ! سألني مضيفي كرة اخرى… هل شاهدت كم هي الاوساخ والقمامة في هذه المدينة !؟ فجاملته وقلت له لا، ولكن ربما يوجد القليل منها هنا او هناك! وفي قرارة نفسي اقول كلا انها مدينة تزدهر بباعة الزهور والورد الجميل في كل مكان ! اجابني محدثي مسترسلا، هذه مشكلة امستردام اليوم ، فقد تبدل الناس وتغيرت طباعهم فالمدينة ليست تلك في ايامها الخوالي بعد ان امست شديدة القذارة، والسبب ان اهلها اصبحوا اليوم عديمو الاهتمام في ازبالهم ، فالبعض يضع اكياس القمامة بعد مواعيد تجميعها بايام او قبل تجميعها بساعات طويلة او باوقات متباعدة غير متناسبة مما يتسبب في كارثة بيئية لم نعهدها نحن الامة الهولندية! وقلت في سري لا تخشى الكثير يا سيدي، فلم يعد في بلادكم وجود للقطط او الكلاب السائبة او الجرذان كي تعبث بقمامة امستردام قبل ان ترفعها بلدية مدينتكم.! وسألني هل تقبل بمثل هذا الحال لعاصمة هولندا المالية ؟ فاجبته من فوري كلا لا اقبل ذلك وفي نفسي هو ان اوجه له الدعوة لزيارة بلادي؟ ولكن الشي الذي حيرني ماذا سيشاهد هذا الرجل في بلادي وكيف سأصف له حال قمامتنا واكداسها وانا سارافقه حتما وهو من كلمني قبلها عن حلمه لزيارة بلاد السندباد والف ليلة وليلة والتي مر عليها في طفولته عبر حكايات والدته ! وقلت في نفسي وبالطريقة العراقية …. يا ساتر!!

نسيت بعدها الموضوع تماما عندما اصطف قاربنا بجانب مرفأ هاديْ جدا قبل ان يغادرنا قارب السعادة وحكايات القمامة المروعة كي نعتلي ادراج المرفأ الصغير التي تصلك الى المنزل الذي عاش فيه الفنان التشكيلي رامبرات والذي مرت ذكرى ميلاده ال407 ، يوم ولد الفنان العملاق في 15 تموز/يوليو 1606 في مدينة ليدن الهولندية وتعلم في جامعتها قبل ان يستقر في مكان اقامته في امستردام وحتى وفاته .

في منزل مدهش باكثر من طابق انتشرت قاعات الرسم وادواتها وبقايا من اقلام والوان وعدد ونماذج فنية جمعها رامبرانت من مستعمرات هولندا عبر عهودها الامبراطورية الماركنتالية ، عندما كانت هولندا تركب البحار تحت شعار اينما تصل الرايات تصل التجارة وان التجارة والراية تتحركان معا! لقد نسبت لهذا الفنان التشكيلي اكثر من ستمائة لوحة وهي منتشرة في متاحف العالم الوطنية وان نماذج مختارة منها قد نصبت في بيت رامبرانت نفسه.

عد رامبرانت فنان اوربا التشكيلي الاول… فبالقدر الذي برع في تصوير الاشخاص ، بما في ذلك اهتمامه في تصوير نفسه بحوالي 43 لوحة. كانت رسوماته تعبر عن فلسفة العاشق المعذب ولاسيما في لوحته امرأة شابة وغيرها ، مما جعله من اقرب فناني القرن السابع عشر الى قلب الانسانية. وعرف رامبرنت كيف ينقل في رسوماته الافراح والاحزان ويحيلها الى اشكال لونية رائعة من الظلال والنور. اذ كان يرسم لوحاته عادة على خلفية رمادية فاتحة ليجسد المشاعر العميقة والمتداخلة والمفعمة بالحزن والمعاناة والشقاء.

فجع رامبرانت بوفاة زوجته ( ساسكيا ) التي اسعدته بطفل ظل على قيد الحياة بعد ان فقدت ثلاث من الاطفال قبله!كانت وفاة زوجته نقطة تحول في حياته لفقدان الامل فيها، ليعود بعدها فقيرا اثر ثراء وغنى ، كما ولدته امه من ابوبن فقيرين

توفي رامبرانت في الرابع من تشرين الاول اكتوبر 1669ميلادية قبل ان يكمل لوحته المسماة : الطفل يسوع في الهيكل

ذكرني ذلك القارب الجميل الذي سار بنا في انهر وقنوات امستردام والذي افعم جو حديثنا وقتها عن تطور القمامة الهولندية، بمفارقة في تاريخ النقل في العراق

ففي خمسينات القرن الماضي وحتى تاريخ تدهور النقل بالسكك الحديدية ، ظل قطار البصرة الصاعد المتجه من المعقل وصولا الى محطة قطار غربي بغداد، هو الواسطة العظمى في نقل المسافرين والبضائع.. وهو قطار الامة الذي كان يسير صعودا من البصرة الى بغداد ، عكس مياه دجلة والفرات.

استوقفتني في تلك الحقبة من طفولتي مشاهد حادة عفوية جميلة جدا وهي موروثة في التعبير عن تصرفات راكبي ذلك القطار. فقبل شروق الشمس يتوقف القطار عند محطة من محطات الفرات الاوسط/ السدة حيث تهرع النسوة الى نوافذ القطار وهن يتزاحمن في بيع اواني فخارية محلية الصنع لونها كان بلون تربة وادي الرافدين الطينية شديدة النقاء اصيلة العطاء ومعبئة بمنتج حليب محلي هو القشطة او القيمر مع اقراص من الخبز المعدة هي الاخرى في تنانير او افران من الطين لبيع ما بحوزتهم ، اذ تقول الدراسات المتعلقة بالتاريخ الزراعي للعراق ان طريقة اعداد الخبز بهذا الشكل هي الاخرى ، لم تتغير في السهل الرسوبي منذ العهد البابلي القديم وحتى يومنا هذا !

همً المسافرون واستيقضوا من نومهم جميعا استعدادا لشراء تلك الاواني الفخارية ذات اللون الطيني المائل للاحمرار والمعبئة بالقشطة البيضاء، ليجري رميها بعد دقائق من نوافذ القطار حال الافراغ منها كوجبة افطار لا تعوض، لتعود تلك القطع الفخارية ثانية الى حضن امها الارض الطينية .

كانت واحدة من اكبر عمليات البيع والشراء للوجبات السريعة في تاريخ نقل مسافري قطارات جنوب العراق في القرن الماضي.

الذي اثار شجوني هو تلك الاكداس المكدسة من الاواني الفخارية ومخلفاتها على مدى الايام والسنوات الطويلة لهذه السوق اللحظية والتي تمتد في منظرها الى مسافة بضع كيلومترات من على جانبي سكة الحديد في مسار قطارنا المتجه الى العاصمة بغداد و التي سيصلها ببطىْ شديد ولكن قبل حلول وجبة الغذاء حتما!!.

اللافت، قبل ايام قليلة ، قادتني الصدفة لاجتاز بقايا سكة حديد قطار نقل مسافرين يمر عبر ضاحية من ضواحي بغداد، والامر الذي فاجأني ان نقطة تقاطع سكك ذلك القطار التي تقتضي التوقف قرب الباعة قد اشرت، ان راكبييه قد قاموا بممارسات رمي المخلفات من شبابيكه ايضا ، كما لو كنا في خمسينيات القرن الماضي ولكن بشكل مختلف هذه المرة عما عهدناه في العقود الزمنية الماضية تماما ! فالمسارات على جانبي السكة ، غدت اليوم حاوية ارضية واسعة كي ترمى الازبال فيها وعلى جانبيها او بين ثنايا السكة نفسها بعد ان تتطايرها الريح، والذي ادهشني ان تلك النفايات كانت من نوع واحد، وهي من القناني البلاستيكية الشفافة التي يطغو عليها اللون الازرق وهي جافة بلا مياه حتما والمستوردة ربما من واحدة من بلدان الخليج التي تنقصها المياه العذبة كما اعتدنا!! ليروي اهل العراق عطشهم بعد ان شحت مياههم وتبدلت قطاراتهم دون ان تتبدل سرعتها !

تبدلت حقا سلوكيات راكبي قطاراتنا وتبدلت عادتهم في رمي المخلفات من نوافذه، ليعبر التطور التاريخي للبلاد عن انتهاء العصر الطيني الوافر المياه وغزير الانتاج في زراعته وماشيته كما كان عليه امسنا، لنتحول اليوم الى عصر بلاستيكي ضعيف المياه قليل الزراعة .

وبهذا ومع تبدل الحال استبدل مسافرونا سلوكياتهم ، من رمي الاواني الفخارية التي كان مصدراعدادها تربة بلاد مابين النهرين اللصيقة بالارض والزراعة، الى القناني البلاستيكية التي لا تنتمي الى الزراعة ولا تتزاوج مع سطح الارض لانها قمامة حقا. فصانع القناني هو عامل اجنبي وهو غير صانع الفخارالطيني الوطني ، وانه صانع ليس من وطننا والمياة القادمة هي من خارج رافدي بلادي باستثناء واحد ان الشارب هو وطني متعطش لمقايضة النفط بالماء!!

ختاما : لا اريد من اتباع مدرسة رامبرانت في الفنون التشكيلية العراقية الا ان يرسموا لنا لوحة اسمها العراق ، على ان تكون موادها فخارية مصنوعة من طين العراق ومياهه وتحكي قصة حضارة وادي الرافدين قبل ان ترسم على قطعة بلاستيكية جاهزة من مخلفات مقايضة النفط بالماء !!!

(*) أقتصادي، نائب محافظ البنك المركزي السابق و المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"

أبحاث ومقالات أخرى للكاتب

الزميل د. مظهر محمد صالح يتحدث عن مديونية العراق

الزميل د. مظهر محمد صالح يتحدث عن مديونية العراق

mudher-m-saleh-image

د.مظهر محمد صالح *: مبادلة الديون بالطبيعة

Mudher M. Saleh image

د. مظهر محمد صالح *: الاسباب الكامنة وراء ارتفاع سعر صرف الدينار العراق في السوق الموازي

الزميل د. مظهر محمد صالح يتحدث لقناة الموصلية حول الاوضاع الاقتصادية الراهنة

الزميل د. مظهر محمد صالح يتحدث لقناة الموصلية حول الاوضاع الاقتصادية الراهنة

Mudher-M.-Saleh-image-305x218

د. مظهر محمد صالح* : نظرية التامل في اتخاذ القرار الاقتصادي

Mahdi Al-Hafedh image

د.مظهر محمد صالح *: مهدي الحافظ :العقل و الضمير و الحرية – بمناسبة اربعينية رحيله**

Mudher-M.-Saleh-image-305x218

د. مظهر محمد صالح*: الصندوق السيادي الغاطس وضمانات التنمية الاقتصادية

Dr. Mudher image

د.مظهر محمد صالح *: ربح العملة الأجنبية…التحديات والفرص**

د. مظهر محمد صالح

عن د. مظهر محمد صالح

Former Deputy Governor of the Central Bank of Iraq. Currently Economic Advisor to the Prime Minister of Iraq نائب محافظ البنك المركزي السابق والمستشار الاقتصادي والمالي لرئيس الوزراء العراقي