مهدي محمد رضا *: العلاق

 دخل علينا من باب غير متوقعة، كانت مفاجأة. إنه علي العلاق، محافظ البنك المركزي بالوكالة. دخوله كان درامياً، من باب جانبية، المشهد كان ينقصه تصفيق، أو أي مؤثر آخر. صافحنا جميعاً، […]

 دخل علينا من باب غير متوقعة، كانت مفاجأة. إنه علي العلاق، محافظ البنك المركزي بالوكالة. دخوله كان درامياً، من باب جانبية، المشهد كان ينقصه تصفيق، أو أي مؤثر آخرصافحنا جميعاً، فمحا بذلك كل الهالة السابقةكان وديعا، متأملا، يأمل أن تصل رسالته إلينا بسهولة، ربما يعلم أننا لا نفقه جيداً الذي سيقوله، وليس لنا قدرة على المداخلات. كان يجلس على يمينه، نائب المحافظ منذر الشيخلي، ومدير الإدارةكنتُ أعتقد بنفسي، محملاً بأسئلة، تفي بالغرض، أنتظرتُ الى أن يكمل كلامه، حول إنجازات البنك المركزي، منذ فترة تسلمه المنصب. تحدث عن أهمية استقلالية البنك المركزي، وعن الاستقرار النقدي، والسيطرة على التضخم. وعن أهم التطورات التي حصلت في البنك، بإدارة الاحتياطي الاجنبي، والاستثمار فيها، بعد أن طوّر كادراً لهذه المهمة، وبات هو يشرف على تلك العمليةتحدث أيضاً عن دور المركزي في الاشراف والرقابة، على القطاع المصرفي الحكومي والأهلي. كان حديثه حول المصارف الحكومية، الممثلة بالرشيد والرافدين، مؤلما، محملاً بأثقال تركة الماضي، التي لا حلّ لها، سوى اقتلاعها من جذورها وتصفيتها. لا أظنّ سيستطيع عمل ذلككذلك تطرق الى القطاع المصرفي الأهلي، الذي ليس له علاقة بأن يكون في البلاد 70 مصرفا، لا تمتلك أدنى مقومات المصارف في عملهالقد قال لم أمنح إجازة واحدة لأي مصرف جديد، سوى المصارف الاسلامية، وذلك بإحراج من البرلمان، حيث صوّت على ذلكتحدث أيضا، بفخر، عن امتلاك البنك المركزي رقابة استباقية للمصارف الأهلية، في حالة حدوث أي خلل، تتداخل فيه الرقابة الشخصية والتقنيات الفنيةومن أسوأ ما استمعنا اليه: إن المتعاملين مع المصارف في العراق، هو 11 بالمئة فقط من العراقيين. وهذا أمر يوحي بما يوحي اليه من فشل في ثقة المواطنين بالمصارف، بررها هو بثقافة مجتمع (المجتمع العراقي يميل الى وضع أمواله بين يديه بصورة الكاش)، ربّماتطرق أيضا الى قيام البنك بإقراض المشاريع الصناعية والزراعية، حوالي 6 مليون دولار ونصف، وهذا كان انجازا موفقا، لم يكن واضحا تماما. كيف صرف هذا المبلغ، وما كان تأثيره في الواقعوأهم ما ذكر، أن ارتفاع الاحتياطي في البنك المركزي، لا يتوقف على البنك، وربما على وزارة المالية نفسهاوتحدث عن طريقة بيع الدولار في مزاد العملة، وتكون كما يأتي: المالية تتسلم ايرادات النفط بالدولار، فتعطيها للبنك المركزي، لكي يبيعها، لكون البنك، أكثر معرفة، في سير عملية البيع، وارتباط المصارف وشركات التصريف والتحويل به. لهذا فهو يسهّل عملية البيع. وبما أن المالية هي التي تحدد الحاجة من البيع، لغرض تسديد الرواتب، مثلا، بالدينار، وميزانية الوزارات أيضا، لذا قصة البيع وكميته، تحدد من وزارة المالية، وليس البنك المركزيوأوضح لنا أخيرا، بأن لا بديل لمزاد العملة، الا ان يأخذ البنك الدولار، ويطبع مقابله دينارا، وهذا يعني كارثة في التضخموبهذا حتى سؤال انخفاض الاحتياطي لا يوجه الى المركزي، بل الى المالية. “نحتاج هنا لمعلومات أوفر حول موضوع الاحتياطي“. انتهى الرجل من الاسترسال بحديثه، وبدأ في انتظار أسئلة ضيوفه. بدأها الأكبر سنا، عدنان حسين، ووجه أسئلة، من الواضح أنها كانت عامة وغير متخصصة. وتحدث الآخرون كذلك، وتبين تماما أن لا أحد متخصص بالشأن الاقتصاديهل تم استدعاؤنا لهذا السبب، كوننا غير متخصصين؟ لكن ماذا يفعل الرجل؟ كيف ستصل رسالته الى الاعلام، ومن ثم الجمهورالحقيقة ليس هو الملام، انما الملام هنا نحن جميعا، أصحاب الصحف، وأنا أحدهم، ليس لدي صحافي اقتصادي واحد، “هذا إنْ توفر في البلاد“.

 

عندما وصل دور الأسئلة اليّ، شكرته أولا على الدعوة الكريمة، ثم ذكرت له، بصراحة، بأننا لا نمتلك صحافة اقتصادية مختصة. والسبب فينا. نعم، نمتلك أكاديميين وخبراء مهمين، لهذا فكرت، قبل تلبية الدعوة، في أن أتصل ببعض الخبراء لأحصل منهم على أسئلة.

 

مصيبتي، أن الأسئلة التي بعثها لي أحد الخبراء الاقتصاديين، كانت فيها كيدية واضحة، وتحيز واضح للمحافظ السابق. وجميع الأسئلة تدور حوله. وان المحافظ الحالي قد مارس ضغوطا كبيرة عليه عندما كان مديرا في مجلس الوزراء، وانه كان يقوم بجلسات تشبه المحاكمات للمحافظ السابق، تلاشيتُ الدخول في تلك الصراعات الازلية.

 

سألته سؤالا واحد يتعلق بالمحافظ السابق، فقلت: حسب معلوماتنا، جنابكم كان أحد المنتقدين للسياسة النقدية، وبالاخص لمزاد العملة، خلال فترة (سنان الشبيبي ومظهر محمد صالح)، وما هي التغييرات الجوهرية، التي أحدثتموها خلال فترة عملكم على مزاد العملة، عدا تغيير اسمه الى نافذة العملة؟

 

سؤال آخر: كذلك وصل الى مسامعنا بأنك خلال تبوؤكم لمنصب الأمين العام لمجلس الوزراء، كنتم على خلاف شديد مع المحافظ السابق، وحاولتم إخضاع إدارة البنك المركزي تحت إشراف مجلس الوزراء، لكن الشبيبي رفض ذلك، بشدة، واصرّ على استقلالية البنك.

وسألته أيضا: لماذا أوقفتم الاعلان عن الطلب في شراء العملة، واقتصرتم على كمية البيع. هذا يسبب نقصاً لدى المحللين والمتابعين، في معرفة العرض والطلب ودراسة الفرق، وإيجاد الحلول.

كذلك سألته:

إنكم فرحون بالتقارب بين السعر الموازي للدولار وبين السعر الرسمي. هل سيستمر هذا مستقبلا؟ الى متى؟

وكان سؤالي الأخير عن شركة ضمان الودائع المصرفية لحماية ودائع المواطنين؟

عندما بدأ الاجابة، كان واضحا انزعاجه من اتهامه بأنه على خلاف مع المحافظ السابق، وأكد عدم وجود هكذا خلاف مطلقا. بل أنه ما زال متواصلا مع الشبيبي، وأنه الآن يساعده في إنجاز معاملة تقاعده. وأنه ذهب الى النزاهة بنفسه، مستنكرا كتابا (لم يوضح مضمونه)، كان موجها للشبيبي.. وأوقفه.

بينما ذكر خلافا وحيدا كان بينهما، يتعلق بموضوع غسيل الأموال، حين كان الشبيبي يرفض التدخل ويشير الى أن ذلك مسؤولية الأمن وليس المصرف، وأنه كان مهتما جدا ـ أي العلاق ـ بموضوع غسيل الاموال، واستطاع أن يحدّ منه خلال فترة تسنمه إدارة البنك.. وكان متمتعاً بهذا الإنجاز.

وقد تطرق الى الاسئلة الأخرى، بإجابات مختصرة، وليست واضحة لديّ، كما هي حال أسئلة المدعوّين الأخرين، التي بدت لي غير واضحة أيضا، واجاباتها تشبهها تماما.

انتهينا بعد أكثر من ساعتين، وتسلّمنا هدايا بسيطة، لها قيمة معنوية عالية، ثم ذهبنا الى مأدبة غداء في كافتيريا البنك، التي منحها المركزي ـ استثمارا ـ لفتاتين ذكيتين كما يبدو في الترتيب. أعتقد كانت لمسات اللبنانيين طاغية على المكان، لأن الذائقة البصرية للمكان كانت مميزة، وكان الأفضل من ذلك وجبة الغذاء الفاخرة، (seafood) ـ المأكولات البحرية.

جلستُ أمام المحافظ الذي بدأ أنه يرفض التنوع في الطعام، مكتفيا بالصحن الذي أمامه. تحدثنا عن المطابخ في العالم. كانت لديه ذائقة جميلة في الاختيار والتحدث عن الطعام، وحبّه له، برغم رشاقته.

ذكر لي، مرّة، الراحل أحمد المهنا، أن الذي لا يحب الأكل لئيماً! لا أعرف مقدار صحة ذلك، لكن التجربة أثبتت لي ذلك.

الحقيقة، كان تواضع العلاق ملفتاً للغاية، وكانت فيه بقايا لوسامة وترف في أيام شبابه، وابتسامة تعلو محيّاه، وتناسق في ألوان ملابسه، مدروس بعناية.

بعد أن شربنا الشاي، الذي لم يستسِغه كونه (teabags)، بهدوء ذهب يساراً، ونحن ذهبنا يميناً.

وهكذا انتهى لقائي الأول مع العلاق..

 

 

المصدر : جريدة العالم البغدادية الاعداد 1941 و1942  في 8 /4/2018  و 9/4/2018

 

http://www.alaalem.com/?aa=news&id22=46112

 

 

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"