الرئيسيةالنفط والغاز والطاقة

د. مظهر محمد صالح*: المعادلة النفطية الصعبة في العراق

ثمة مسألتين تشكلان اليوم تركيب المعادلة النفطية الصعبة في العراق او ما يمكن تسميتها للمرة الأولى: oil hard equationفالمسالة الاولى، وهي تتعلق بالتزام العراق باتفاق (اوبك + ) اذ أمسى الالتزام بمبادئ الاتفاق واقع حال وليس خياراً ذلك لوجود تخمة glut نفطية عالمية اضافية بلغ رصيدها ٣٠٠ مليون برميل نفط او أكثر وعلى مستويين:

ا- تشبع اسواق النفط بمخزونات نفطية فاقت طاقة الخزن في العالم بسبب توقف دواليب النقل والصناعة والمصافي في العالم تحت ضغط الكساد الاقتصادي الناجم عن وباء كورونا، وان المعروض النفطي مازال يفوق الطلب بنحو ٣٠٪. اذ يستهلك النقل الجوي العالمي لوحده، على سبيل المثال، مشتقات نفطية بحوالي ١٥ مليون برميل نفط مكافئ يومياً من أصل انتاج نفطي عالمي يقارب ١٠٤ ملايين برميل نفط يومياً. وان ٧٠٪ من الطلب العالمي اليومي على النفط مازال مصدره قطاع النقل في العالم.

ب- في الوقت نفسه يعاني المعروض النفطي للعراق من مشكلة التخمة ايضاً إزاء التقلب في اسواق الطلب على نفوطنا حالياً. فالمعروض من النفط العراقي لدى بعض اسواق الطلب الرئيسة يتعرض للتعثر جراء قصور بعض المشترين وللسبب الاقتصادي الركودي الدولي نفسه وتوقف اقتصاداتهم عن العمل. اذ تقدر الكميات الفائضة من نفوطنا بنحو ٤٠ مليون برميل.

اما الطرف الثاني من المعادلة النفطية الصعبة، وهو ما تتولاه الادارة النفطية العراقية حالياً لبلوغ الحلول اللازمة المنصفة جراء تعاظم الافتراق بين كمية النفط الذي يسدد للشركات الاجنبية الدوليةIOCs ( عيناً in kind ذلك عن كلفة تطوير الحقول النفطية (وهي كلف ثابتة القيمة في الغالب) وبين قيمة النفوط المدفوعة عيناً لتسديد المستحقات وتسويتها وهي تدفقات كمية كبيرة منخفضة القيمة جراء استمرار حرب الاسعار او نتائجها الكارثية اللاحقة، ولاسيما في تكوين مخزونات كبيرة منخفضة القيمة تؤدي دورها الركودي في السوق النفطية كسوق احتكار قلة مشترين Monopsony والتحكم بالمسارات السعرية مستقبلاً.

اي لابد من الوقوف ازاء مشكلة تحمل كميات نفط تدفع عيناً بمقادير مضاعفة (على وفق الاسعار المتدنية حالياً للنفط ازاء تكاليف التطوير الثابتة) ما يتطلب التعويض كما ذكرنا بكميات تزيد مرتين ونصف عن متوسط المستويات التاريخية للتجهيز البالغة ٥٠٠ ألف برميل نفط يومياً بسعر ٦٠ دولار للبرميل الواحد، آخذين بالاعتبار هبوط اسعار النفط الى متوسط قد يبلغ ٢٤ دولار للبرميل الواحد طوال المدة المتبقية من العام الحالي مقارنة بنحو ٦٠ دولار للبرميل في نهاية العام ٢٠١٩. هذا ما يعني ان الكميات المسددة للشركات ستمثل مرتين ونصف الكميات المسددة للشركات النفطية الاجنبية العاملة نفسها في بلادنا مقارنة بالكميات المسددة عندما كان سعر برميل النفط المصدر يباع بنحو ٦٠ دولاركما أسلفنا في العام ٢٠١٩.

فالعراق يختلف اليوم في اوضاعه النفطية التي امست متغيرة جداً لقاء تعاقداته والتزاماته الثابتة. في حين سيتأثر تطوير الصناعة النفطية الاستخراجية التي ستكون تحت قيد الانتاج بموجب اتفاق (اوبك +) الذي سيبدأ تنفيذه في الاول من مايس ٢٠٢٠! وبهذا فإن ثبات تكاليف التطوير وتدهور الاسعار سيؤدي الى فجوة في كميات التجهيز قد تقود الى حرمان العراق من كميات انتاج كبيرة وهي كميات انتاج قيدت اساساً بموجب الاتفاق مع اوبك، لتعوض هذه المرة الانخفاض المخصص لكلفة العقود وتدفع لإطفاء التكاليف الثابتة بدلاً من ان تكون ايراداً مباشراً للخزينة. ان عدم الانتباه الى هذه المفارقة (الكمية-السعرية) سيؤدي الى ولادة فجوة تمويل ضارة للمالية العامة والبلاد مازالت مقيدة بطاقة انتاجية محددة حسب اتفاق اوبك تتراوح بين ٣،٥ مليون برميل نفط خام منتج في مطلع مايس ٢٠٢٠ ولغاية ٤ ملايين برميل نفط خام منتج حتى مايس ٢٠٢١ ذلك مالم تتحسن اسعار النفط لتجعل التصرف بالكميات تحت قيد أكثر مرونة وهو امر مشكوك فيه حالياً.

فالمعادلة النفطية الصعبة للعراق هي بطرفين حقاً محورها هو التناقض بين هبوط أسعار النفط عالمياً وبين فقدان الكميات الاضافية من النفط الخام والتضحية بها لتسديد المستحقات الثابتة القيمة للشركات النفطية الاجنبية IOCs خصوصاً اذا ما ظلت أسعار النفط تحوم حول معدل ٢٤ دولار للبرميل الواحد طوال العام ٢٠٢٠ .

ختاماً، سيظل هذا الامر محط انتباه عالي من جانب السلطات النفطية والمالية في العراق للبحث عن حلول تعظيم موارد الموازنة العامة وايجاد حلٍ للمعادلة النفطية الصعبة ولاسيما مع الشركات الأجنبية النفطية العاملة في العراق دون فقدان زخم الاعمال التطويرية المستقبلية لهذه الصناعة المهمة والخطيرة.

(*) باحث وكاتب اقتصادي ومستشار مالي للحكومة العراقية

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بإعادة النشر بشرط الإشارة إلى المصدر. 26 نيسان 2020

لتحميل المقال كملف بي دي أف انقر على الرابط التالي

د.مظهر محمد صالح- المعادلة النفطية الصعبة في العراق-محررة

 

Comments (2)

  1. استاذ عقيل جبر المحمداوي
    استاذ عقيل جبر المحمداوي:

    عفوا سيادة السيد المستشار المالي للسيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مظهر محمد صالح المحترم من وجهة نظرنا المالية التخصصية. ان التزام العراق مع أوبك لم يعّد التزام ثابت بل يعّد متغيراً نسبة الى المتغيرات والتطورات العالمية والتغيرات الحاصلة في انخفاض اسعار النفط واتفاق تخفيض حصص الدول المنتجة للنفط الذي سيفضي في شهر أيار تخفيض حصة العراق من انتاج النفط ، وهناك شواهد لبلدان اخرى تسعى جاهدة لحفظ مصالحها السيادية والوطنية وخصوصاً المصالح المرتبطة نفطياً واقتصادياً … ومنها دولة المكسيك برفض حصتها من تخفيض النفط الخام تقديراً لمصالحها الوطنية والسيادية ، وكذلك السعودية بزيادة كمياتها الحقيقية من انتاج النفط الخام ولكونها احد الأطراف الدولية البارزة في قيادة المفاوضات في اتفاق أوبك الاخير، من وجهة نظر مالية ان المصلحة العليا للبلد وضمان المصالح السيادية لمورد النفط العراقي والحفاطىظ على حصة العراق التصديرية من النفط من الضرورات الاستراتيجية وذلك لأثره الكبير على واقع مصادر ايرادات الموازنة العامة الاتحادية لتلافي الوقوع في الانهيار المالي والاقتصادي … ومن ثم لا يعّد التزام ثابت بل يعّد قابلاً للتغيير بحكم الظروف الموضوعية وتقدير المصلحة الوطنية والسيادية او واقع حال كما يراد ان يصور له ذلك … ونقترح ان تقوم لجنة عليا إشرافية للتقييم والتخطيط الاستراتيجي نفطية اقتصادية خبيرة بتقييم ومراجعة الاتفاق بشأن محضر اجتماع أوبك بلس الاخير وكذلك اعادة مراجعة عقود التراخيص النفطية ومدى الحاجة للتعديل او إنهاء العقود بمهنية وبحرص وطني وتحقيقاً للمصلحة الوطنية العليا … مع الاحترام
    الباحث المالي عقيل جبر علي المحمداوي

  2. Avatar

    دكتور شكرًا لحضرتك لرفدنا بمثل هكذا شروحات لما يجري من حولنا ولكن هل من الممكن ان تزودنا بالحلول التي يمكن ان تنقذنا من مثل هذه الكوارث
    وياليت لو حضرتك تعلمنا ايضا كم هي نسبة الشركات النفطية العاملة بالعراق بالدولار للبرميل متضمن كل المصاريف التي يتوجب على بلدنا دفعها لهم كصافي ارباح
    مع جزيل الشكر وفائق التقدير

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: