بسام أديب جيلميران 2-4
في متابعة مستمرة للشأن الاقتصادي العراقي، واستكمالًا لما تم تناوله في مقال سابق بعنوان ”قراءة في الواقع الاقتصادي العراقي: بين إرث الريع وأمل الإصلاح”، وجدت من الضروري أن أواصل هذه الرؤية التحليلية على ضوء ما شهدته من تفاعل واسع ونقاشات مثمرة مع عدد من المختصين والمهتمين، الذين أسهموا بأفكارهم وتطلعاتهم في إثراء النقاش.
لقد برز من خلال هذا التبادل المعرفي نوع من الإجماع بين المهتمين بالشأن الاقتصادي حول مواضع الخلل الهيكلي، خاصة فيما يتعلق بطريقة إدارة الاقتصاد الوطني ومؤسسات الدولة، حيث أجمعت الآراء على ضرورة تطوير، بل وإعادة صياغة، الآلية التي تُدار بها دفة الاقتصاد، بما يضمن تحقيق الكفاءة والاستدامة.
ومع أن هذا التوافق في التشخيص يمثل خطوة أولى مهمة، إلا أن المعضلة الأساسية لا تزال ماثلة، وهي غياب رؤية وطنية موحّدة تتبنى منهجًا علميًا واضحًا في التخطيط والتنفيذ، بعيدًا عن الاعتبارات الآنية أو المنفعية الضيقة التي لطالما أعاقت مشاريع الإصلاح في العراق.
ان المنهجية المقترحة لإصلاح الاقتصاد العراقي تستند إلى تجربتي العملية الممتدة في المجال الاقتصادي، والدور الاستشاري الذي أديته محليًا ومع مؤسسات استشارية دولية، حيث أرى أن هناك أحد مسارين رئيسيين يمكن اتباعهما لإصلاح الأنظمة الاقتصادية، ولكل منهما خصائصه ومواطن فعاليته.
المسار الأول يقوم على تفكيك الواقع الاقتصادي القائم من خلال دراسة تفصيلية للوحدات القطاعية المختلفة وتحليل عناصرها وفقًا لمنهجية تحليل القوة والضعف والفرص والتهديدات (SWOT). بعد هذا التشخيص، يتم اقتراح خطة إصلاح من داخل المنظومة، تُبنى الأهداف لاحقًا لتتماشى مع ما هو ممكن ضمن الإطار المؤسسي القائم. هذا المسار يُعد محافظًا بطبيعته، ويهدف إلى التطوير التدريجي ضمن بيئة العمل الحالية.
أما المسار الثاني وهو ما أراه أنسب لحالة العراق فيقوم على تبني منهج إصلاحي يبدأ أولًا بوضع رؤية وطنية واضحة وأهداف استراتيجية محددة، ثم تُعاد هيكلة المؤسسات وقطاعات الدولة لتكون أدوات فعالة في تحقيق هذه الأهداف.
لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:


تقدّم مقالة زميلنا بسام جلميران طرحًا فكريًا في تشخيص الاختلالات البنيوية للاقتصاد العراقي، وتستند إلى تجارب دولية ناجحة، ما يمنحها عمقًا تحليليًا وقيمة معرفية واضحة. غير أن قوة الطرح النظري تفتح في الوقت ذاته بابًا مشروعًا للتساؤل حول البعد التطبيقي للرؤية المقترحة.
فالمقالة، رغم وضوحها في المفاهيم والمسارات، لا تزال تتحرك في مستوى الإطار العام، دون أن تُترجم هذه الرؤية إلى أدوات تنفيذية ملموسة، مثل:
• من هي الجهة القائدة للإصلاح؟
• ما الإطار الزمني الواقعي للتنفيذ؟
• كيف يمكن تجاوز القيود السياسية والمؤسسية القائمة؟
• وما هي الأولويات القابلة للتطبيق فورًا في السياق العراقي الحالي؟
بعبارة أخرى ان المقالة نجحت في الإجابة عن سؤال “ماذا نريد؟” لكنها تترك سؤالًا “كيف نبدأ؟ ومن أين؟ بحاجة إلى نقاش او الاستفاضة، وربما يكون هذا مقصودًا لفتح حوار أوسع، إلا أن تحويل الرؤية إلى برنامج مرحلي قابل للقياس سيمنحها قوة أكبر، ويجعلها أقرب إلى صانع القرار لا إلى القارئ النخبوي فقط.
ومن هنا ارى ان هذه المقالة تأتي على شكل تأطير فكري تمهيدي او كنواة لبرنامج إصلاحي عملي سيُفصَّل لاحقًا، وهو ما سيُثري النقاش ويمنحه بعدًا تطبيقيًا طال انتظاره في الخطاب الاقتصادي العراقي
يشكل الطرح الذي قدمه استاذنا بسام جليمران فيما يخص واقع الاقتصاد العراقي تمثل قراءة واقعية وعميقة لطبيعة التحديات التي يواجهها الاقتصاد العراقي، وهو يعبّر عن إحساس مهني مسؤول يستند إلى متابعة طويلة وخبرة عملية لاسيما التأمين والجهود الاستشارية الحكومية. إن الإشارة إلى هشاشة البنية الاقتصادية وتفاقم الاعتماد على النفط ليست مبالغة، بل تعكس حقيقة موثّقة في تقارير المؤسسات الدولية والوطنية، وتكشف عن خطورة الاستمرار في النهج ذاته دون معالجة جذرية.وتسليط الضوء على ما يمكن تسميته بـ“الأزمة البنيوية المزمنة”، حيث تُبرز هيمنة الإيرادات النفطية مدى العجز عن بناء اقتصاد متنوع قادر على امتصاص الصدمات الخارجية. كما يشير بحق إلى أن تراجع دور القطاعات الإنتاجية والخدمية ليس نتيجة ظرفية، بل هو حصيلة تراكمات طويلة من سوء الإدارة وضعف الحوكمة وغياب التخطيط الاستراتيجي الفعّال ، فالتنمية الحقيقية—كما يوحي النص—لا يمكن أن تُبنى ما لم يصبح المواطن محورًا لها، وما لم تتحول الثروة النفطية من مصدر ريعي جامد إلى رافعة لبناء اقتصاد منتج ومستدام لاسيما ان العراق يمتلك بالفعل مقومات نادرة، لكن تحويلها إلى فرص يتطلب إرادة سياسية واعية، ومؤسسات قادرة، ومناخًا اقتصاديًا يفتح المجال للقطاع الخاص ليقوم بدوره الطبيعي في خلق القيمة وتوليد الوظائف.