د. مظهر محمد صالح
جلستُ أتأمل ذلك الشاب الذي خطفته يدُ المنون على حين اكتمال الحلم. لم يكن رحيله حدثاً عابراً في سيرة زمن، بل كان فجوةً في جدار قرنٍ كامل، قرنٍ يتلمّس طريقه بين رأسماليةٍ تتجدّد، وعولمةٍ تتبدّل، وثورةٍ رقميةٍ تعيد تعريف الإنسان قبل السوق. كان ليث يضع لبنات مدرسةٍ أراد لها أن تنتمي إلى المستقبل، لا أن تكون ظلاً لماضٍ عريق.
لم يكن باحثاً يكرّر، بل عقلاً يسائل. كان يرى في الفكر الاقتصادي تاريخاً للصراع بين الحرية والسلطة، بين الدولة والسوق، بين العدالة والكفاءة. وكان يقف طويلاً عند كتاب The Road to Serfdom لـ Friedrich Hayek، ذلك النص الذي وُلد في أتون الحرب العالمية الثانية، محذّراً من انزلاق التخطيط المركزي إلى تقييد الحرية. كان يقول إن هايك لم يكن يدافع عن السوق بقدر ما كان يدافع عن الإنسان، عن حقّه في الاختيار، عن كرامته في وجه الدولة المتضخّمة.
لكن ليثاً لم يكن أسير أطروحةٍ واحدة، ولا مؤمناً بيقينٍ مغلق. كان يرى أن الأفكار الكبرى تولد من جدلها، وأن الحرية نفسها تحتاج إلى حمايةٍ من تطرفها. لذلك كان يضع في الكفّة الأخرى كتاب The Road to Freedom لـ Joseph Stiglitz، الطريق الى الحرية ،حيث تُفهم الحرية هنا لا بوصفها إطلاقاً مطلقاً لقوى السوق، بل باعتبارها مشروعاً أخلاقياً يوازن بين الكفاءة والعدالة، بين المبادرة الفردية والمسؤولية الجماعية. كان يرى في هذا الجدل تأسيساً لنظريةٍ أعمق: شراكةٍ واعية بين الدولة والسوق، لا صراعاً صفرياً بينهما.
كان يقول لي:
“نحن جيلٌ وُلد بين قرنين، نحمل إرث القرن العشرين بكل حروبه وأزماته، ونعيش القرن الحادي والعشرين بكل تحوّلاته الرقمية. مهمتنا ليست أن نختار بين الماضي والمستقبل، بل أن نبني جسراً بينهما.”
في تلك الكلمات كنت أرى مشروعه يتشكّل: اقتصادٌ سياسيٌّ للرأسمالية يُعيد تعريفها في ضوء الإنسان، لا في ضوء الأرباح وحدها. كان يؤمن أن السوق وسيلة، وأن الدولة إطار، وأن القيمة العليا هي الكرامة الإنسانية.
ثم جاء الغياب…
جاء كريحٍ باردة أطفأت مصباحاً كان يضيء قاعة الأسئلة. لم يكن موتُه خسارةَ أسرةٍ فحسب، ولا فقدانَ جامعةٍ لطالبها اللامع، بل انكسارَ مسارٍ فكريٍّ كان في طور التكوّن. دخلتُ مجلس الفاتحة، فاستقبلني طفلان في عمر الورد. عندها أدركت أن التاريخ لا يُكتب بالحبر وحده، بل بالدموع أيضاً. دمعتان انهمرتا لا على فراق ابنٍ فحسب، بل على مشروع فكرٍ كان يمكن أن يغيّر كثيراً من مسارات النقاش في اقتصاد بلادنا.
أيقنت أن بعض الرجال، وإن رحلوا مبكراً، يتركون أثراً أطول من أعمارهم. فالتاريخ لا يقيس العظمة بطول السنين، بل بعمق الفكرة. وكم من عقلٍ شابٍ عاش قليلاً، لكنه أضاء دهراً.
إنه ليث محمد رضا…
اسمٌ سيبقى محفوراً في ذاكرة من عرفه، وفي ضمير زمنٍ كان ينتظر صوته.
رحل الجسد، وبقي السؤال.
وبين السؤال والدمعة… يولد الخلود.
لقراءة النص بصيغة PDF الرجاء الضغط على الرابط التالي:
د مظهردمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية