د. مظهر محمد صالح:
غاب رجل الاقتصاد، لا كما يغيب الآخرون، بل كما تغيب الأشياء التي اعتدنا حضورها حتى حسبناها جزءًا من الزمن نفسه. غاب فائق علي عبد الرسول، وبغيابه انطفأ مصباحٌ هادئ كان يضيء بلا ضجيج، ويعمل بلا ادّعاء، ويمنح المعنى دون أن يطلب مقابلًا.
غيّبته الأيام، رجلٌ أحبّه الله وأحبّه الناس. وكنتُ أحد المحظوظين الذين عملوا معه في مقتبل العمر الاقتصادي، متعايشًا مع مدرسةٍ حملت دفءَ التجربة الأكاديمية من أميركا الشمالية إلى ممرّات أقسام الأبحاث في البنك المركزي العراقي، حيث كانت الأرقام تُقرأ بضميرٍ قبل أن تُدوَّن في الجداول.
كنّا نفرح لفرحه كأنه فرحنا، ونحزن لحزنه الطويل، ذاك الذي كان يلوّنه حنينه لأطفاله في سبعينيات القرن الماضي. كان رجلًا يجمع بساطة العيش بصرامة الإخلاص في العمل، ويوازن بين النكتة الجميلة والوفاء للأصدقاء دون كللٍ أو ملل.
مثّل البلاد قرابة نصف قرن في المحافل الاقتصادية الدولية، وكان مقياسًا للقوة التكنوقراطية الرصينة ، تلك التي تعرف مداخل الخطر ومخارج التفاؤل، وتؤمن بأن التقدّم يُبنى بالصبر لا بالضجيج. كنّا نجلس سويّة في مطعمٍ بغدادي صغير، نمشي طويلًا على أقدامنا، ونتحدّث عن العراق كما يُتحدّث عن حبيبٍ عنيد: عن أحلامه، وضغوط الحياة، وفرص المستقبل التي لا تموت.
كان حاضرًا بين الجميع، حتى في لحظات الغضب ، تعلوه ابتسامة تُجلي الهموم، وتطفئ فورات الغضب الشرقي التي ورثناها في جينات العروق، بهدوءٍ ييسّر الحياة أمامنا. يعلّمك دون أن يُلقي درسًا: بساطة القلب، نزاهة اليد، وقوة العقل حين تتصالح مع الأخلاق. كان يجمع الأصالة البغدادية بضمير الوطن كله.
لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:
د مظهر زالاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية