د. سهام يوسف:
في العراق، لا تنفصل العلاقة بين المجتمع والسلطة عن طبيعة الاقتصاد الذي يعيد إنتاجها. فحين يُنظر إلى المسؤول بوصفه “أبو الخبزة” أو صاحب الفضل في أرزاق الناس، فإن ذلك لا ينشأ من فراغ، بل من بنية اقتصادية ريعية تجعل الدولة الموزّع الأكبر للثروة، وتدفع المجتمع، من حيث يدري أو لا يدري، إلى إعادة صياغة علاقته بالسلطة على أساس المنفعة لا المواطنة.
تفسير هذه الظاهرة يتطلب العودة إلى طبيعة العلاقة بين تمويل الدولة وبنيتها السياسية. فحين تقوم الدولة على مساهمة المواطنين عبر الضرائب والعمل والإنتاج، تنشأ تلقائياً مطالبة مقابلة بالحقوق والرقابة والتمثيل، وهي الفكرة التي حضرت مبكراً في تصورات العقد الاجتماعي عند جون لوك وجاك روسو، حيث تقوم الشرعية على تبادل واضح بين السلطة والمجتمع. فالمواطن لا يموّل الدولة لكي يتلقى مِنّة، بل لكي يحصل على حماية وعدالة ومشاركة في القرار.
أما في الاقتصاد الريعي، حيث تأتي الموارد من الخارج عبر بيع النفط، فإن الدولة لا تحتاج المجتمع مالياً بالقدر نفسه، بينما يحتاجها المجتمع بوصفها بوابة للرواتب والوظائف والعقود والإعانات. وهنا يختل ميزان العلاقة.
ومن زاوية الاقتصاد السياسي، وخصوصاً في إطار نظرية الاختيار العام، فإن سلوك الفاعلين داخل الدولة يتأثر بالحوافز أكثر من النوايا ، وبناءً على ذلك، فإن من يتحمل &كلفة الدولة يمتلك حافزاً أقوى لمراقبة إنفاقها والمطالبة بالكفاءة والشفافية. أما حين تأتي الموارد من خارج المجتمع، كما في الاقتصادات النفطية، يضعف هذا الرابط، ويتحوّل السؤال العام من “كيف تُدار أموالنا؟” إلى “كيف نحصل على نصيبنا؟”.
وقد تناولت أدبيات الدولة الريعية، ومن أبرزها أعمال حازم بيبلاوي، هذا النمط من الدول التي تعتمد على دخل خارجي ريعي، فتغدو أقل اعتماداً على المجتمع مالياً، بينما يزداد المجتمع اعتماداً عليها اقتصادياً. ومع الزمن، لا يقتصر أثر ذلك على المالية العامة، بل يمتد إلى الوعي السياسي نفسه، إذ تعمل هذه الدول ضمن منطق حوكمة يختلف عن الدول القائمة على الضرائب والإنتاج. فحين لا تقوم المالية العامة على مساهمة المواطنين، يضعف الرابط التقليدي بين التمويل والتمثيل، وتتراجع المطالبة بالمحاسبة السياسية المرتبطة تاريخياً بمبدأ “لا ضرائب بلا تمثيل”.
لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:
الاقتصاد الريعي وإعادة إنتاج السلطة الأبوية. الدكتورة سهام يوسف

دكتوراه في الاقتصاد الدولي، المدرسة العليا للإحصاء والتخطيط، وارشو، بولندا. تقيم حالياً في المغرب


شكرا دكتورة لتسليطك الضوء على احدى المشاكل المركبة في المجتمع العراقي خصوصا من خلال مفهوم “الدولة الريعية”. ولايفوتني هنا بالأشارة الى مفهوم “ابو الخبزة” في بلد آخر يعتبر ريعيا غير انه غير نفطي وهو مصر حيث المثل الشائع “ان فاتك الميري، تمرغ في ترابه” وهو مثل قديم يعود الى فترة الأربعينات من القرن الماضي على اكثر الظن.
لا اختلف كثيرا مع ما تفضلت به من وجود هذه العلاقة بين المجتمع والسلطة او الدولة وهي ايضا علاقة تحتاج الى تفكيك ومداخلة اجتماعية قد يتطلب الأمر كتابة مقال لبيانها، ولكن سأدرج الأمر من خلال هذا التعليق المختصر لمجمل القراءة فيما ورد اعلاه. ان اكثر الأسباب الفاعلة في ترسيخ هذا المفهوم هو مفهو قد ترسخ اجتماعيا منذ بدايات القرن الماضي ولعله منذ بداية تأسيس الدولة العراقية وقبل اكتشاف النفد طبعا. فمفهوم “ابو الخبزة” هو مفهوم يطلق على صاحب العمل او دافع الأجور الذي يدفع المال الى العاملين. وقد انتقل هذا المفهوم عن طريق الناس فيما بينهم بالأشارة الى المحاسب احيانا الذي يعد موظفا يقوم بدفع الأجور الى العمال او الموظفين في القطاع الخاص او العام.
اتفق جدا مع ماتفضلت به من ارتباط العلاقة ومفردات تكوينها واختلافها طبعا بين ماهو موجود في العراق وخاصة ما ترسخ لدى المجتمع من ضرورة العمل في مؤسسات الدولة وخاصة بعد (التأميم) لأن العمل لديها كان يؤمّن لقمة العيش التي كانت تتراقص في قيمة نقدها بين افضل العملات العالمية مقابل العملات القوية الأخرى لدى الدول الرأسمالية مما اتاح العيش في بحبوحة لم تجر على الفرد العراقي قبل ذلك بشكل عام، وقد كان بسبب النهج الأشتراكي للسلطة.
علينا اليوم القيام بعملية تصحيح فكري مجتمعي اولا قبل الولوج الى تصحيحات اقتصادية على مستوى التحول من الشكل السابق الى ما يتطلبه الأمر اليوم لأن هنالك نسبة كبيرة من الناس مازالوا يعيشون تحت مفاهيم تلك الفترة وان العراق بلد نفطي و و و. نعم ان الأحزاب السياسية اليومية تقوم بسياسة العصا والجزرة كما هو متبع في دول اخرى ولكن تقادم الحالة الخاطئة ادى الى تفاقم حالتها الذي انتج طبقة من الفاسدين الذين انشأوا طبقة انتهازية تستغل هذا المفهوم لصالحها.
لا اود الأطالة، غير اني اؤكد على ضرورة البدء في تصحيح المفاهيم على المستوى الأجتماعي ابتداءا اذا ما اردنا اقتصادا ينعم بأنتاجية صناعية وزراعية تترسخ عند الأفراد بضرورة القيام بمشاريعها الصغيرة من اجل التكامل فيما بينها لكي يرتقي المواطن من مرحلة الأنصياع “لفضل التوظيف” الى مستوى المقصرين والتساؤل عن مايعتبر ملكية عامة، خاصة وان غالبية الناس تعيش على ان المال العام ليس له “مالك”.
تحياتي
شكراً جزيلاً على هذه المداخلة الغنية، خصوصاً الربط الذي تفضلتم به بين البعد الاقتصادي والجذور الاجتماعية والتاريخية لمفهوم “أبو الخبزة”.
أتفق معكم أن الظاهرة لم تنشأ فقط مع الاقتصاد الريعي، بل لها امتدادات أقدم في علاقة العمل والأجر، وقد جاء الريع ليُوسّعها وينقلها من نطاق فردي (عامل/صاحب عمل) إلى نطاق عام يشمل علاقة المجتمع بالدولة.
التأميم بحد ذاته ليس إشكالاً، بل قد يكون خياراً مشروعاً في سياقات معينة، لكن أثره يعتمد على كيفية إدارته. ففي حال ترافق مع كفاءة مؤسسية وتنويع اقتصادي، يمكن أن يكون أداة تنموية، أما إذا قاد إلى تضخم دور الدولة دون إنتاجية موازية، فقد يسهم في ترسيخ الاعتماد عليها كمصدر رئيسي للدخل.
ما تفضلتم به حول ضرورة “التصحيح الفكري” للمفاهيم الاجتماعية يكتسب أهمية خاصة، لأن الإصلاح الاقتصادي وحده قد لا يكون كافياً ما لم يترافق مع تحول في نظرة الفرد إلى العمل والإنتاج والمال العام بوصفه ملكية مشتركة تستوجب المساءلة.
وربما هنا تكمن نقطة الالتقاء: أي محاولة للتحول نحو اقتصاد منتج تحتاج إلى مسارين متوازيين—إصلاح اقتصادي ومؤسسي من جهة، وتغيير تدريجي في الثقافة الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى.
خالص التقدير لقراءتكم المتعمقة