الدكتور أحمد إبريهي علي:
تقدم هذه الورقة مراجعة لدراسات نظرية وأمبريقية في الفساد لإعادة فهم الظاهرة بالحوار بين التفكير والتحليل والتجربة المعاشة في العراق، الفساد متعدد الأبعاد في الممارسة والتفسير. ورفضه والتكاتف الإجتماعي للتخلص منه دليل على الإستعداد للتطور الحضاري والإرتقاء الأخلاقي. النزاهة أشمل من عدم الفساد الإداري والمالي، هي الصدق الوجداني والأخلاص للحقيقة والشعور بالمسؤولية تجاه العضوية الإجتماعية، والكفاح ضد الغش والخداع، والدفاع عن كرامة الوجود البشري وسلامة الإجتماع الإنساني. عندما تُختزل النزاهة إلى عدم سرقة الأموال، وحسب، فهو الإنحطاط الذي يفضي إلى إنعدام المعنى وتفاهة الحياة. تزيين صورة الفساد، والتجهيل، إنحراف شنيع ، وتسويق إدعاءات كاذبة ومعلومات مزورة، بتجارة الكلمة والموقف، خيانة تؤسس لفساد شامل ينتهي إلى تمزيق المجتمع وشقائه.
تعطلت التنمية الإقتصادية في العراق منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي لكن السكان ينمو وكذلك التوسع التعليمي إلى جانب العجز عن توليد فرص عمل بالتنوع المناسب وإنتاجية تسمح باجور كافية لمعيشة مقبولة. لهذا السبب، إضافة على التفاوت الواسع بين مزايا العمل في الدولة والقطاع الخاص، صار الطلب على الإنتساب لأجهزة الدولة مطلقاً شاملا لكل العراقيين. في نفس الوقت لا توجد آلية إختيار محايدة فتولت العلاقات الشخصية والحزبية مهمة التوظيف في الدولة، إستثمار حزبي وإنتخابي وشخصي. وأصبح العمل في الحكومة إحساناً من ذوي النفوذ إلى مستلمي الرواتب. هدف التشغيل من جانب ذوي النفوذ سياسي ومن جانب المواطنين فرصة لكسب الدخل والإمتيازات. أما المصلحة العامة، وشروط التوازن والنمو، فقد ضاعت وهو فساد آخر شارك فيه الجميع واوصلنا إلى وضع صعب. ويتطلب وضع الإقتصاد العراقي على مسار آمن تدابير ليست حاضرة في ذهن النخبة. لأن فهم الإقتصاد إنتاج والتصنيع شرط ضروري لتنمية القدرة الإنتاجية للشعب العراقي، هذا الفهم مُغيّب خلف طبقات من الوعي الريعي للعالم، وتطلعات إلى مزيد من الريع، والمستقبل متروك لآلية السوق، المشوهة بالكامل ولا تسمح بأي إستثمار في نطاق السلع المتاجر بها دولياً، والمستثمر الأجنبي المُتخيّل، هذا الإطار النظري لإدارة الإقتصاد يكوّن بيئة مناسبة للفساد.
وثمة خوف عميق من المطالبة بالنزاهة وتحسين الأداء، لأن الألحاح في طلب الإصلاح، في القناعات العميقة، قد يذْهَب بهذه المجموعة الحاكمة لتأتي أخرى لا تكتفي بتدني الأداء والتواطؤ مع سرقة المال العام، بل تطلب الولاء المطلق وتُعاقب على زلة اللسان بالموت الزؤام. عميقاً في طبقات اللاوعي توجد تلك الهواجس المرعبة الكفيلة بإعادة إنتاج الأوضاع الجارية. من عاش جحيم السنوات الدامية لا يفكر، آنذاك، في مكافحة الفساد المالي والتنمية عندما يدلي بصوته بل يطلب ضمانات امنية.
الدولة في نظر الثقافة السائدة في العراق ليست جهازاً لأداء وظائف ضرورية منها تجهيز الخدمات العامة وتنمية الإقتصاد والأمن وحفظ الحقوق وحل النزاعات ما بين الأفراد بعدالة. بل هي نظام لتوزيع الشرف والمكانة الإجتماعية ومنها الرئاسات بمختلف مستوياتها ورواتب ورفاه … ، ولذلك يقول الناس فلان يستحق أولا يستحق وليس يستطيع أداء الواجب أم لا. ولذلك إنقسم الشعب وتنازع حتى الحرب حول من يستحقها. لأنها في التكوين النفسي – الثقافي امر عظيم متعالي لا يمكن النزول به إلى أداء وظائف بكفاءة وعدالة كما في الخطاب الحداثي.
لمواصلة قراءة الدراسة و تحميلها بصيفة PDF الرجاء الضغط على الرابط التالي:
الفساد الإداري والمالي في السياق الإجتماعي – الثقافي. الدكتور احمد ابريهي


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية