السياسة النقدية

دكتور علي مرزا – استقلالية البنك المركزي والاحتياطيات الدولية والميزانية العامة في العراق

لقد أثيرت قضايا عديدة, في الآونة الأخيرة, حول استقلالية البنك المركزي/السياسة النقدية ودور ووظيفة الاحتياطيات الدولية, من ناحية, وتمويل عجز الميزانية العامة المخطط ورصيد فائضها المتجمع, من ناحية أخرى. ونظرا لوجود بعض الاختلاف في الأسس والمفاهيم للجدل الدائر بين الاقتصاديين وغيرهم في العراق سأتناول, في هذا المقال, بعض من هذه القضايا المفاهيمية والمؤسسية وقضايا تتعلق بالسياستين النقدية والمالية.

أولاً: السياستين النقدية المالية

أ. ابتداءً, من الجدير ذكره انه في دولة نفطية, تُحَدِد الميزانية العامة, بدرجة كبيرة, خطى التوسع النقدي. فالنفقات العامة وما يترتب عليها من ضخ نقدي وحسابات الجهات العامة في المصارف تتحكم بشكل ملموس في عرض النقود. لا بل أن السلطة التنفيذية تستطيع, بواقع إدارتها للتصرف بالعوائد النفطية, حجب تأثير جزء من هذه العوائد على عرض النقود مباشرة. على سبيل المثال, تستطيع تخصيص نسبة من العوائد النفطية توجه إلى حساب احتياطي/مالي (كما تقوم به عدة دول مُصدِّرة للنفط) وبذلك تستثني تأثيره في عرض النقود. وبالرغم من وجود مقابل بالعملة المحلية لهذا الجزء المحجوب من العوائد النفطية إلا أن هذا المقابل يكون بشكل حساب لدى البنك المركزي وليس المصارف وبذلك فهو ليس جزء من عرض النقود. إن عملية الحجب هذه تسمى تعقيم أو إخماد:[i]

sterilization .

ب. إن الجهاز المصرفي, بأشراف البنك المركزي, مُلزمٌ بتوفير العملة الأجنبية تجاه نفقات الميزانية العامة (بالدينار) التي تنطوي على مدفوعات خارجية, بسعر الصرف السائد. هذا إضافة لإشباع طلب القطاع الخاص. وبالارتباط مع هذا الالتزام, وبالرغم من الأهمية الكبيرة والحاسمة لإدارة البنك المركزي للاحتياطيات الدولية, سأبين في أدناه, من بين أشياء أخرى, أن حجم رصيد الاحتياطيات الدولية, فوق حد حرج[ii])قد تتوقف معه حرية التحويل الخارجي(, يحدده العرض من والطلب على العملة الأجنبية وخاصة من قبل الجهات العامة وبالذات الميزانية العامة للدولة.

ثانياً: استقلالية وشفافية وصدقية البنك المركزي

أ. بعد سنوات التضخم العالي في العالم في سبعينات وثمانينات القرن الماضي ظهرت مفاهيم وأفكار اقتصادية تتعلق بفاعلية السلطة النقدية في مكافحة التضخم, مثل استقلالية البنك المركزي وصدقيته وشفافيته. ولقد أُدرِجت هذه المفاهيم في تنظير مفاده إن تفاعل عوامل الاستقلالية والشفافية والصدقية إيجابياً سيقود إلى تزايد الثقة بالسياسات الاقتصادية بحيث يتوفر مناخ من اليقين يساعد على معدل منخفض للتضخم ومن ثم يقود إلى استثمار منتج اكبر بعيداً عن اعتبارات العائد السريع بما فيها ألمضاربات وبالنتيجة زيادة مستديمة في الاستخدام وتخفيض للبطالة. ويحدث العكس إذا تفاعلت هذه العوامل سلبياً لتودي إلى حالة من اللايقين ومن ثم انخفاض معدل الاستثمار وارتفاع معدل التضخم. [iii]

إن استقلالية البنك المركزي, والتي تعني عملياً الاستقلال عن السلطة التنفيذية, قد تكون قانونية (قانون البنك المركزي أو الدستور) أو عَمَلياتية, في اختيار أهداف ووسائل السياسة النقدية, أو إدارية, في كيفية إدارة السياسة النقدية ومن الذي يعين محافظ البنك المركزي ومجلس إدارته ويقرر فترة خدمتهم. أما الصدقية فتنصرف إلى التوافق بين السياسة المعلنة وواقع التنفيذ. بعبارة أخرى, تجنب الإعلان عن سياسة معينة وتنفيذ عكسها. ولقد لوحظ أن التضارب بين ما يعلن من سياسات وما ينفذ يحدث في ممارسات السلطة التنفيذية في أكثر الدول تقدماً. فكيف إذن سيكون عليه الحال في دول تتسم بضعف بنى إدارتها ومؤسساتها الاقتصادية. ولهذا التضارب أثر مُخَرِّب على الثقة بالسياسات الاقتصادية. وتنصرف الشفافية إلى توفير معلومات متماثلة للسلطة النقدية وباقي أجزاء الإدارة الاقتصادية والمتعاملين على حد سواء بحيث يكون أمام الجميع ذات المعلومات, مثل الإعلان مسبقاً عن أهداف البنك ووسائله والبيانات التي ينشرها, الخ.

من هذا العرض يتضح الترابط الوثيق بين الاستقلالية والصدقية والشفافية بحيث من الصعوبة الفصل بينها في الحياة العملية .

ب. من المعلوم إن البنك المركزي العراقي اكتسب بعد عام 2003 استقلالية قُننت في قانونه (مادة 2 من القانون الصادر في آذار 2004). كما أكدت هذه الاستقلالية المادة (103) من الدستور. وحددت نفس المادة أن البنك مسؤول تجاه مجلس النواب. كما حَدَد قانون البنك هدفه الأساس (في مادة 3) وهو الحفاظ على استقرار الأسعار في الداخل (ومن ثم استقرار قيمة العملة). ولقد أتبع البنك الخطوات الرئيسية التالية في سبيل تحقيق هذا الهدف:

تثبيت سعر الصرف (تجاه الدولار الأمريكي) واستخدام الاحتياطي من العملة الأجنبية للحفاظ على هذا السعر.

تغيير سعر الفائدة بما يتناسب مع ضغط الطلب (إضافة لاستخدام وسيلة متطلبات الاحتياطي القانوني للبنوك لديه).

ج. ولكن استقلالية البنك المركزي الفعلية لا يمكن أن تكون مطلقة, خاصة في دولة نفطية للميزانية العامة تأثير مهيمن على عرض النقود. فالاستقلال في أحسن أحواله يكون نسبياً وهدفه تقليل التدخل المخلخل قصير المدى للسلطة التنفيذية/المالية في عمل السلطة النقدية. لهذا وبالرغم من الاستقلال القانوني, نص قانون البنك المركزي العراقي, في المادة (24), على عقد اجتماعات منتظمة بين المحافظ/ممثلي البنك المركزي والمسؤولين الحكوميين, للتشاور حول والتنسيق بين السياستين النقدية والمالية. وهذا الأمر ضروري ومطلوب لحسن تنفيذ السياسات الاقتصادية وتناسقها. لا بل أن هذا التنسيق والتشاور قد يكون أساس تقوية الثقة بالسياسات الاقتصادية عندما يعلم المتعاملون أن السلطتين النقدية (البنك) والمالية (وزارة المالية) على توافق فيما يخص خطى السياستين المالية والنقدية, وباقي السياسات الاقتصادية.

د. خلال السنوات المنصرمة, فإن قيود الطاقة الإنتاجية/العرض, من ناحية, وضعف البنية المؤسسية للإدارة الاقتصادية في الدولة عموماً وضعف الوساطة المالية وانتشار التعامل بالنقود وانفصال بعض الأسواق (كأسواق العقار مثلاً), من ناحية أخرى, كلها أدت إلى تقييد عمل السياسة النقدية والتأثير سلباً في تبعات التوسع المالي (السياسة المالية) في العراق. على سبيل المثال, فإن صدمات العرض الداخلية المتمثلة بحالة الأمن وشح الوقود ساهما بشكل كبير في تسارع معدل التضخم خلال الفترة 2003-2007 ثم انخفاضه بشكل حاد بعد 2007 والذي ساهم أيضاً فيه تخفيض الشح في الوقود. ولقد بينت هذه التجربة أن التضخم في العراق كانت تدفعه عوامل طاقة عرض السلع والخدمات أكثر منها ضغط الطلب.

هـ. ولكن في ضوء توقع زيادة النشاط الاستثماري من خلال التوسع في استثمارات الميزانية العامة وتزايد الإنفاق العام[iv], من ناحية, وتحسن الحالة الأمنية وتوفر الوقود والعمل على توسيع القدرة الكهربائية مستقبلاً, من ناحية أخرى, سيزداد تأثير إدارة الطلب في الوقت الذي يخف فيه تأثير محددات الطاقة الإنتاجية/العرض, على معدل التضخم والاستقرار الاقتصادي. لذلك من المناسب وجود جهة نقدية مستقلة تراقب تبعات التوسع النقدي وبروز ضغط الطلب الذي قد يؤدي إلى تخطي قيود الطاقة الاستيعابية وإشعال التضخم. وتتخذ هذه الجهة السياسات المناسبة لتخفيف أثر توسع الطلب, هذا في ذات الوقت الذي تستمر فيه سياسات وإجراءات توسيع الطاقة الإنتاجية والعرض التي تتخذها الجهات الأخرى خاصة الوزارات المختصة و(كذلك الأمل في زيادة) استثمارات القطاع الخاص.

و. مع كل المحددات التي جرى استعراضها فلقد استطاع البنك المركزي العراقي أن يبني صدقية جيدة وشفافية مناسبة خلال السنوات الثمانية الأخيرة استطاعت أن تحافظ على استقرار قيمة العملة وعلى سمعة داخلية وخارجية جيدة.[v] وبذلك ليس من المناسب ضعضعتها من خلال ألحاقها فعلياً كإدارة أخرى من إدارات السلطة التنفيذية. لأنها بذلك ستخضع إلى تجاذبات سياسية وفي بعض الأحيان دعوات وتصريحات اقتصادية مفتقرة إلى المهنية, ثم تصريحات معاكسة قد تقضي على شفافية البنك وصدقيته ومن ثم انهيار الثقة بالسياسات الاقتصادية. إن التضحية بهذا الدور ينطوي على إضعاف البنية المؤسسية لاقتصاد يشكو أساسا من ضعف كبير في مؤسساته الاقتصادية.

ز. في ضوء ما سبق, يمكن أن يثار التساؤل التالي: لماذا هناك إذن دعوة لإضعاف استقلالية البنك المركزي؟ من الناحية الاقتصادية, يمكن اقتراح سببين, كلاهما يتعلق بالميزانية العامة, قد تكون دفعت لمحاولة إضعاف هذا الاستقلال القانوني. الأول ينصرف إلى إيجاد مصدر سهل لتمويل العجز (بالذات الاقتراض المباشر من البنك المركزي). والثاني, تخفيض كلفة رأسمال التشغيل للمنشآت العامة من خلال تأمين سعر فائدة منخفض. وسوف نتطرق إلى هذين الأمرين في فقرة “عجز الميزانية وتمويله” في رابعاً.

ثالثاً: الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي

أ. يُعَرَّف رصيد الاحتياطيات الدولية (رصيد الاحتياطي من العملات الأجنبية) بأنه صافي الموجودات (الموجودات ناقصاً المطلوبات) الخارجية المتوفرة حالا للسلطات النقدية وتحت سيطرتها لتعديل الاختلال في ميزان المدفوعات, أو للتنظيم غير المباشر لهذا الاختلال من خلال التدخل في سوق الصرف للتأثير في سعر الصرف أو/و لأغراض أخرى. وتشمل الاحتياطيات الدولية على موجودات العملات الأجنبية (بشكل نقد أو ودائع أو سندات securities) وموجودات الذهب النقدي وحقوق السحب الخاصة والاحتياطي لدى صندوق النقد الدولي و موجودات claims أخرى.

ب. في الدول النفطية, يرتبط ارتفاع أو انخفاض الاحتياطيات الدولية, أساساً, بالعوائد النفطية وما تقرره الدولة/وزارة المالية في كيفية استخدام عوائدها وكذلك طلب القطاع الخاص على العملة المحلية والعملة الأجنبية أكثر من اعتماده على البنك المركزي (عدا عن عوائد الاحتياطيات). وفي حالة عدم وجود قيود جدية على تحويل العملة فإن البنك المركزي حسب قواعده هو طرف يستجيب لطلب تبديل العملات. هذا إلا إذا نزل رصيد الاحتياطيات الدولية عن حد حرج معين مما يتطلب معه إعادة فرض القيود على التحويل الخارجي. إن النقطة الأساسية هنا هي أن ما يُقَرِر حجم الاحتياطيات, فوق حد أدنى حرج, ليس البنك المركزي وإنما العوائد من العملة الأجنبية واستخداماتها سواء كان من قبل الدولة (والمهم في حالة العراق هو استخدامات الدولة) أو القطاع الخاص.

ج. لهذا السبب فلقد تنامت الاحتياطيات الدولية بشكل كبير في دول نفطية وبشكل أبطأ في دول نفطية أخرى بالرغم من ارتفاع عوائد النفط فيها جميعا. على سبيل المثال, بلغت الاحتياطيات الدولية في روسيا الاتحادية حوالي 484 مليار دولار, في نهاية 2010, في حين بلغت 39 مليار دولار فقط في دولة الأمارات. إن تنامي هذا الاحتياطيات في روسيا وعدم تناميه في الأمارات لم يكن يعود للسلطة النقدية (البنك المركزي) وإنما, بصورة رئيسية, إلى الطريقة التي تتصرف بها الدولة بفائض الميزانية العامة. فقد بلغت استثمارات دولة الإمارات الخارجية في نهاية 2010 حوالي 709 مليار دولار في حين بلغ الرقم المقابل لروسيا الاتحادية 143 مليار دولار. فلو أرادت السلطات المالية الروسية, على سبيل الافتراض, أن تصل في استثماراتها الخارجية إلى 150 مليار دولار, بدلاً من 143 مليار دولار, فعليها أن تستثمر 7 مليار دولار في الخارج. أي ما يعادل 29.34 × 7 = 205 مليار روبل. وعلى فرض أن لديها فائضاً كافياً بالعملة الروسية فستدفع للسلطة النقدية الروسية (أو تستخدم كل أو جزء من حساباتها المعقمة/الخامدة) بمقدار 205 مليار روبل لتزودها السلطة النقدية بما مقداره 7 مليار دولار لتستثمرها بالخارج. وإذا حدث ذلك فسينخفض رصيد الاحتياطيات الدولية في روسيا من 484 مليار دولار إلى 477 مليار دولار (484 ناقصاً 7). هذه هي الآلية التي يتغير بموجبها رصيد الاحتياطي: عملة وطنية مقابل عملة أجنبية, وبالعكس. وفي هذا المثال, يعود ذلك, افتراضاً, إلى أن وزارة المالية الروسية كانت قد “باعت” و/أو”عقمت/أخمدت” 7 مليار دولار من العوائد النفطية بالدولار مقابل 205 مليار روبل.  

د. تنامى في السنوات الأخيرة حجم الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي العراقي نتيجة لتزايد أسعار النفط وتصديره ومن ثم عوائده مما ساعده على استيعاب الطلب على العملة الأجنبية ومؤخراً الطلب الإضافي الذي يبدو أنه كان نتيجة لعدم الاستقرار في دول محيطة بالعراق. ولقد صرح محافظ البنك المركزي مؤخراً, حسب مجلة “الأسبوعية” (22-28 نيسان 2012 عدد217), بأن حجم الاحتياطيات الدولية بلغ 60 مليار دولار. وإذا صح إسقاط صندوق النقد الدولي, الوارد في تقرير مداولات القرض التحوطي, الصادر في آذار 2011, لواردات عام 2011 بمقدار 54-61 مليار دولار فإن هذا الاحتياطي يمثل حاجة 12-13 شهراً من الواردات.[vi] وبالمعايير الدولية لا زال هذا الحجم منخفضاً, خاصة في ضوء عدم توفر “احتياطي” آخر يمكن أن يستخدمه العراق, في أوقات الحاجة, كما في الدول التي لها صناديق سيادية/استثمارية خارجية كالدول الخليجية والنرويج وروسيا الخ.[vii]

رابعاً: عجز الميزانية وتمويله

أ. نتيجة لعجز الميزانية “المُخَطط” الذي أخذ يظهر بقوانين الموازنات العامة في بداية كل سنة (والذي ثبت لحد الآن أن معظمه قابل للتمويل من الفائض المتجمع بحسابات وزارة المالية أو/و ارتفاع عوائد النفط عن ما افُترِضَ عند وضع الميزانية, أنظر الفقرة التالية) ظهرت دعوات لاستخدام الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي لسد العجز. وفي الحقيقة فإن هذه الدعوات تنطوي على إخلال في وظيفة هذه الاحتياطيات ودورها وآلية استخدامها, كما تبين ذلك في الفقرة السابقة. إن أهم عمل لبنك مركزي هو الحفاظ على قيمة العملة من خلال استقرارها. ويتأتى ذلك من استقرار سعر صرفها. ويتأتى ذلك بدوره من تلبية الطلب على العملة الأجنبية بهذا السعر. لذلك فإن الدعوة لاستخدم الاحتياطيات الدولية لسد العجز في أحسن نواياها تترجم عملياً إلى أن يقوم البنك المركزي بإقراض وزارة المالية مباشرة أي ما يمكن التعبير عنه بعبارات غير فنية “طبع النقود” أي طبع الدينار العراقي.[viii]  

وباقتصاد يتسم بانخفاض مرونة الجهاز الإنتاجي (خاصة خدمات القطاع غير المتاجر به) فإن ذلك يقود إلى اختلال موازنة الإنفاق/الإنتاج, التي هي أصلاً مختلة نتيجة لغلبة عوائد الميزانية من الإيرادات النفطية على باقي الإيرادات. وهذا يعني بدوره تضخماً سيتحول نحو الجموح تدريجيا. مع العلم بأن المادة (26) من قانون البنك تمنعه من إقراض الحكومة (بالشكل المباشر المبين أعلاه).

ب. ولا نعتقد أن أحداً ينسى ما حدث خلال الفترة 1991-1995 من طبع للنقود بحيث وصل معدل التضخم حوالي 237 بالمئة سنوياً خلال تلك الفترة. كما أن من غير المناسب أن يُنسى ما جره ذلك من تبعات (أو في الحقيقة ويلات) اقتصادية واجتماعية سلبية عميقة.

ج. إن الحفاظ على سعر فائدة منخفض يفيد منشآت القطاع العام لأنه يُخَفِّض من كلفها التشغيلية وبالتالي يقلل من متطلبات إعانتها من قبل الميزانية العامة. لذلك فإن رفع سعر الفائدة (سعر فائدة السياسة النقدية) من 7 بالمئة في 2005 حتى وصوله 20 بالمئة في 2007 لابد انه زاد من الكلف التشغيلية لبعض منشآت القطاع العام. غير أن البنك خفض هذا السعر فيما بعد بحيث عاد إلى 6 بالمئة منذ نيسان 2010. وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع البنك المركزي في مدى فعالية سعر الفائدة في مكافحة التضخم فان البنك بموجب القانون له حق استخدام الوسائل التي يراها مناسبة في مكافحة التضخم. وأميل إلى الرأي إلى انه في ذلك أكثر حيادية من الجهات التي تحاول تخفيض كلفها من خلال تخفيض سعر الفائدة (أو رفع سعر صرف الدينار؟) فهو في ذلك أكثر اعتباراً لمتطلبات التوازن الاقتصادي العام منه إلى حاجة هذه الجهات لتمويل رخيص.

د. ومن المناسب ذكره أن البنك المركزي قام سابقاً بتسهيل إقراض الجهاز التنفيذي بشكل غير مباشر ولكن بما  يتناسب, بشكل أو بآخر, بقانونه وقواعد أداءه وذلك من خلال تخفيض الاحتياطي القانوني لديه لأحد المصارف ليتسنى لهذا المصرف تقديم قرض بالدينار العراقي يربو على ما يعادل 2 مليار دولار لإحدى الوزارات. وبالنتيجة فان هذا القرض عاد للجهاز المصرفي ومن ثم  للبنك المركزي بشكل طلب على العملة الأجنبية كان لابد من تمويله من رصيد الاحتياطيات الدولية.

خامساً: فائض الميزانية العامة المتجمع

أ. لقد أخذت مسالة تقدير رصيد فائض الميزانية المتجمع في العراق تنحى منحا يعتمد على شواهد من مصادر ثانوية أو غير مباشرة أكثر منه على مصادر أولية رسمية. في هذا الوقت كان يمكن لوزارة المالية نشر أرقام رسمية عن الفائض/العجز السنوي الفعلي (وليس فقط المخطط في الموازنات السنوية) والإضافة إلى والسحب من رصيد الفائض المتجمع في نهاية كل سنة, خدمة للشفافية والتي ستتيح للمهتمين تقييم ومعرفة أفضل الطرق لتمويل العجز. لحد الآن, حسب علمي, ليس هناك أرقام رسمية واضحة عن تطور رصيد الفائض المتجمع والإضافات أو السحب السنوي منه. لننظر إلى جدول (1) الذي يبين أرقام مجمعة من النشرات السنوية للبنك المركزي عن الإيرادات والنفقات الفعلية للميزانية العامة.

جدول (1) الإيرادات والنفقات الفعلية للميزانية العامة

ترليون دينار

الفائض (+) أو العجز (-)

المجموع العام للنفقات

المجموع العام للإيرادات

 

0.2

2.0

2.1

2003

0.9

32.1

33.0

2004

14.1

26.4

40.5

2005

11.0

38.1

49.1

2006

15.6

39.0

54.6

2007

20.8

59.4

80.3

2008

2.6

52.6

55.2

2009

5.2

64.4

69.5

2010

المصدر: البنك المركزي العراقي: النشرة السنوية 2007, جدول (20) والنشرة السنوية 2010, جدول (26).

في هذا الجدول, إذا كان فائض كل سنة يضاف إلى إيرادات السنة التالية فإن الفائض السنوي في العمود الأخير هو رصيد الفائض المتجمع منذ 2003. غير أن قراءة رصيد الفائض المتجمع من الجدول بهذه الطريقة تعتمد على افتراض غير ممحص ويحتاج إلى تأكيد من مصادر رسمية.

ومع ذلك وبالرغم من وجود شواهد على أن الفائض المتجمع في نهاية 2009 قد يكون أعلى مما يبينه هذا الجدول, أنظر: IMF (2010a) صفحة 17, سنفترض كما في الجدول أن رصيد الفائض المتجمع في نهاية 2010 هو 5.2 ترليون دينار. وفي ضوء تقديرنا لفائض سنة 2011 بما مقداره 8.2 ترليون دينار والذي ذكرناه في مقال سابق, أنظر مرزا (2012), فإننا نقدر أن الفائض المتجمع في نهاية 2011 كان حوالي 13.4 ترليون دينار (5.2+8.2).[ix] من ناحية أخرى, فإن بيانات وزارة النفط على موقعها الإلكتروني تبين أن عوائد تصدير النفط الخام للثلاثة أشهر الأولى من عام 2012 بلغت 22.2 مليار دولار. وبطرح 5 بالمئة تعويضات حرب الكويت يبلغ صافي العوائد 21.1 مليار دولار. وهنا من المناسب التذكير أن موازنة 2012 رُسمت على أساس سعر تصدير $85 للبرميل وصادرات 2.6 مليون برميل/يوم (م ب ي). أي أنها رسمت على أساس أن يبلغ صافي عائدات تصدير النفط الخام 19.1 مليار دولار, بعد طرح تعويضات حرب الكويت (85$ × 2.6 م ب ي×91 يوم × 95%). من هذه الحسابات يتبين أن صافي عوائد التصدير الفعلية للثلاثة أشهر الأولى من عام 2012 هي أكثر بملياري دولار مما تم توقعه عند رسم موازنة 2012. وهذين المليارين من الدولارات يعادلان 2.34 ترليون دينار. أي في الوقت الذي كان العجز المخطط في موازنة 2012 هو 14.8 ترليون دينار فإن الفائض المتجمع في نهاية 2011 زائداً الزيادة الفعلية في عوائد تصدير النفط في الثلاث أشهر الأولى من 2012 (عما رسم في الموازنة) يتيح تمويل إضافي بمقدار 15.74 ترليون دينار (13.4+2.34). وهذا المقدار يتخطى العجز المخطط لعام 2012 بحوالي 0.94 ترليون دينار.

ب. أما إذا كانت هذه السلسلة من الأرقام أو الإشارات غير دقيقة فنتمنى على وزارة المالية, وهي المصدر الأولي الموثوق للبيانات المالية, نشر الأرقام الرسمية الفعلية عن الفائض/العجز السنوي الفعلي ورصيد الفائض المتجمع (من السنوات السابقة حتى الآن) حتى تجنبنا مواقع الزلل والمبالغة. ولقد كنت قد ضربت تشبيهاً في مقالي, المشار أليه أعلاه, عن الشفافية في معرفة المتجمع من فائض ميزان المدفوعات في حساب الاحتياطيات الدولية (احتياطيات العملة الأجنبية والذهب) وعدم وجود حساب معروف عن احتياطي متجمع مماثل لفوائض الميزانية العامة. يا حبذا لو يتم القيام بذلك وعدم ترك الأمور عرضة للاجتهاد والتخمين.

مصـــادر:

علي مرزا (2012) “موازنة 2012: قضايا اقتصادية/مالية ومؤسسية في العراق”, موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين, 25 كانون ثان.

البنك المركزي العراقي (2012) النشرة السنوية 2007 والنشرة السنوية 2010,

http://www.cbi.iq/index.php?pid=Statistics.

وزارة المالية (2011) “موازنة 2011”, دائرة الموازنة, وثيقة مُنَزَلة من الموقع الإلكتروني لوزارة المالية:

  http://www.mof.gov.iq.

وزارة المالية (2012) “ تقرير تنفيذ الموازنة الشهرية لغاية 31 تموز 2011“, دائرة المحاسبة, وثيقة مُنَزَلة من الموقع الإلكتروني لوزارة المالية:  http://www.mof.gov.iq.

مركز دبي للإحصاء “(2012) “التجارة الخارجية حسب النوع”,

http://www.dsc.gov.ae/Reports/DSC_SYB_2010_10_9.pdf
Barnes, A. (2008) “Medvedevès Oil, The Burdens of Great Wealth and the Potential for Coping with them”, PONARS Eurasia Policy Memo No. 31, August, http://www.gwu.edu/~ieresgwu/assets/docs/pepm_031.pdf.
Geraats, P. (2002) “Central Bank Transparency”, University of Cambridge, March, http://www.econ.cam.ac.uk/faculty/geraats/cbtp.pdf.
Gomme, P. (2006) “Central Bank Credibility”, Federal Reserve Bank of Cleveland, 1 August,
http://www.clevelandfed.org/Research/commentary/2006/0801.pdf.
IMF (2010a) Iraq: Staff Report for the 2009 Article IV Consultation and Request for Stand-By Arrangement, Report No. 10/72, March.
IMF (2010b) Iraq: First Review Under the Stand-By Arrangement, Request for Waiver of Nonobservance of a Performance Criterion, Waiver of Applicability, and Rephasing of Access, Report No. 10/316, October.
IMF (2011)  Iraq Second Review Under the Stand-By Arrangement, Requests for Waiver of Applicability, Extension of the Arrangement, and Re-phasing of Access—Staff Report; Press Release on the Executive Board Discussion; and Statement by the Executive Director for Iraq, Report No. 11/75, March.
Merza, Ali (2011), ‘Oil revenues, public expenditures and saving/stabilization fund in Iraq’, International Journal of Contemporary Iraqi Studies 5: 1, pp. 47–80, doi: 10.1386/ijcis.5.1.47_1.
Spyromitros, E., Tuysuz, S. (2012) “Do Monetary Policy Transparency, Independence and Credibility Enhance Macro-Financial Stability?”, International Journal of Economics and Finance Vol. 4, No. 4; April, www.ccsenet.org/ijef.
Wikipedia (2012) “Central Bank”, http://en.wikipedia.org/wiki/Central_bank, Accessed 23 April, 2012.
Wikipedia (2012) “Economy of the United Arab Emirate”, http://en.wikipedia.org/wiki/Economy_of_the_United_Arab_Emirates, Accessed 25 April, 2012.
World Bank (2012) “Data:  Countries and Economies”,
http://data.worldbank.org/country, Accessed

 


[i]  إن عملية التعقيم أو الإخماد تنفذ عادة, في الدول المختلفة, من قبل السلطة النقدية (البنك المركزي) لتغيير عرض النقود من خلال الشراء أو البيع المباشر أو من خلال عمليات السوق المفتوحة ومتطلبات الاحتياطي القانوني للبنوك لديها. ويتم ذلك بهدف التأثير في مستوى سعر الصرف أو لتحييد التوجهات التضخمية الناتجة عن دخول عملة أجنبية وطلب كبير على العملة المحلية أو لمعالجة وضع كسادي يستتبعه شح في العملة المحلية. ولكن في الدول النفطية فان السلطة التنفيذية (وزارة المالية, مثلاً) باعتبارها هي التي تقرر التصرف بالعوائد النفطية تستطيع أيضاً اتخاذ قرار بحجب تأثير جزء من العوائد النفطية (بالدولار) على عرض العملة المحلية.

[ii]  يمكن تحديد الحد الحرج, على سبيل المثال, بعدد أشهر الواردات التي تمولها الاحتياطيات الدولية. وفي مقاله المنشور حديثاً على موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين يقترح د. فاضل مهدي 15 شهر كحد أدنى. وفي ضوء عدم اليقين من المنظور المستقبلي لأسعار النفط في السوق الدولية, من ناحية, والطلب الداخلي المتوقع على العملات الأجنبية, من ناحية أخرى, أميل إلى الاعتقاد أن رقماً أعلى هو أكثر تبريراً.

[iii]  لقد بَيَنَت الدراسات الاقتصادية القياسية للدول المتقدمة أن صدقية وشفافية البنك المركزي لهما أثر ملموس على تخفيض معدل التضخم. أما التأثير الكلي للاستقلالية فهناك عدم اتفاق حوله. أنظر Geraats (2002) و Gomme (2006) وSpyromitros & Tuysuz, (2012) وWikipedia (2012) في قائمة المصادر في المتن. وإذا كان يمكن فصل الاستقلالية والصدقية والشفافية لأغراض تحليلية أو حتى وظيفية في الدول المتقدمة فمن غير الممكن فصلها وظيفياً في دولة مثل العراق. بعبارة أخرى أن إضعاف الاستقلالية سيؤدي, بأغلب الظن, إلى  إضعاف الصدقية والشفافية.

[iv]  بالرغم من زيادة االتخصيصات الاستثمارية في الميزانية العامة والتصريحات بشأن النشاط الاستثماري المتصاعد لازال هذا التصاعد غير مرئي للعيان خارج القطاع النفطي. ويمكن الاستدلال, عادة, على تصاعد النشاط الاستثماري (العام والخاص) من انتشار الرافعات, أي “الكرينات”, في مواقع الإنشاء في المدن والمناطق المختلفة, والتي لا زالت, مع الأسف, نادرة وغير مرئية للعيان بحجم مناسب.

[v] تقوم مجلةGlobal Finance  سنوياً بترتيب البنوك المركزية في العالم حسب إنجازاتها في مكافحة التضخم والحفاظ على استقرار العملة وإدارة سعر الفائدة والنمو الاقتصادي. وفي ترتيب عام 2011 برز “مصرف لبنان” من بين مجموعة من أفضل البنوك المركزية في العالم, في هذا المضمار. وبالرغم من أن محافظ مصرف لبنان (ونائبه) يعينه مجلس الوزراء لفترة ستة (خمس) سنوات قابلة للتجديد, فإن المصرف والمحافظ يتمتعان باستقلالية مالية وإدارية ولا تنطبق عليهما القواعد الإدارية والتنظيمية للدولة, أنظر:

Wikipedia (2012) `Banque du Liban`,  http://en.wikipedia.org/wiki/Banque_du_Liban.

[vi]  لا يتوفر رقم فعلي لواردات عام 2011 من السلع والخدمات للعراق. إن آخر رقم فعلي متوفر يعود لعام 2010 بحوالي 44 مليار دولار. أنظر النشرة السنوية 2010 للبنك المركزي العراقي.

[vii]  إن مؤشر نسبة الاحتياطيات الدولية إلى الواردات من السلع والخدمات قد لا يكون مؤشراً كافياً في المقارنات الدولية. إن المؤشر الأفضل هو نسبة مجموع الأصول السائلة أو شبه السائلة بالعملة الأجنبية (الاحتياطيات الدولية زائداً الاستثمارات الخارجية بالمحفظة) إلى الواردات من السلع والخدمات. على سبيل المثال, في عام 2010 في الجزائر بلغت نسبة الاحتياطيات الدولية إلى الواردات من السلع والخدمات ما يعادل 37 شهر واردات (151 مليار دولار في نهاية 2010 مقسومة على 49 مليار دولار في 2009) بينما بلغت نسبة مجموع الاحتياطيات الدولية واستثمارات الجزائر الخارجية إلى الواردات ما يعادل 51 شهراً. على الطرف الآخر, في دولة الأمارات بينما بلغت نسبة الاحتياطيات الدولية إلى الواردات ما يعادل ثلاثة أشهر فقط (39 مليار دولار في نهاية 2010 مقسومة على161 مليار دولار في 2010) فإن نسبة مجموع الاحتياطيات واستثمارات الإمارات الخارجية إلى الواردات بلغت ما يعادل أكثر من 19 شهر. وفي الحقيقة فإن عدد أشهر الواردات لدولة الإمارات هو أعلى من هذين الرقمين بسبب أن جزء مهم من واردات الأمارات يعاد تصديرها. على سبيل المثال, في عام 2010 أعادت دبي تصدير 40 بالمئة من وارداتها مع العلم أن وارداتها في ذلك العام كانت تؤلف 60 بالمئة من واردات دولة الإمارات. مصادر البيانات من معهد صندوق الثروة السيادي Sovereign Wealth Fund Institute وصفحة الجزائر في قاعدة بيانات البنك الدولي. أما واردات الإمارات عام 2010 فمستقاة من Wikipedia (2012) , وواردات وإعادة التصدير لدبي من مركز دبي للإحصاء, أنظر قائمة المصادر. لاحظ عدم توفر تفصيل الاستثمارات الخارجية بين المحفظة وباقي الاستثمارات في المصادر المبينة كما أن قيمة واردات الجزائر لعام 2010 غير متوفرة.

[viii]  يشابه هذا الأمر من يبيع العملة الأجنبية ويأخذ ثمنها بالدينار, من المشتري (البنك المركزي), أول مرة ثم يعود ليأخذ ثمنها مرة ثانية وربما ثالثة ورابعة, وهكذا. لقد استعرت هذا التشبيه من د. بارق شبر, محرر في ومنسق الموقع الإلكتروني لشبكة الاقتصاديين العراقيين.

[ix]  إن سبب جمع 5.2 ترليون دينار, وهو رصيد فائض الميزانية العامة المتجمع في نهاية 2010, مع 8.2 ترليون, وهو الفائض المقدر لعام 2011, يعود إلى أن الإيرادات المخططة في موازنة 2011 (80.9 ترليون دينار) لا تشمل الفائض “المدور” من عام 2010. أنظر وزارة المالية (2011), الصفحات 8-15.

 

مواصلة القراءة او لتحميل المقال بصيغة PDF

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: