السياسة النقديةالمالية العامة والسياسة المالية

د. ماجد الصوري: السياسة المالية والسياسة النقدية فـي العراق

من أجل تحقيق التنمية المستدامة في أي دولة من الدول النامية لابد من وجود وضوح رؤيا للاهداف التي يراد الوصول اليها، تتجسد في استراتيجيات اقتصادية واجتماعية، تأخذ بنظر الاعتبار الاهداف التي يراد تحقيقها، وبعد ذلك يتم وضعها في خطط ترتبط بزمن محدد، ومؤشرات لها علاقة بمكونات النشاطات الاقتصادية والاجتماعية، ودور هذه النشاطات في الناتج المحلي الاجمالي، وتأثير ذلك على نسبة التشغيل وتحسين مستوى معيشة المواطن، ومدى استجابة سوق العمل لمتطلبات التنمية، وغيرها من المؤشرات الاخرى. كل هذا يجب ان يكون خاضعا للمتابعة والرقابة والتقييم والمحاسبة. والغرض الاساس من السياسة الاقتصادية هو الوصول الى حالة التوازن في استخدام وتشغيل كل الموارد الاقتصادية، مالية ومادية وبشرية وانتاجية.

من ضمن الوسائل المتاحة لاي دولة لتحقيق السياسة الاقتصادية وللحصول على افضل النتائج بدلالة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية هي الاستخدام الرشيد للسياستين المالية والنقدية.

السياسة المالية

تعني السياسة المالية بتحديد المصادر المالية للدولة واوجه انفاقها واستخدام الاليات المتوفرة: الموازنة العامة، النظام الضريبي ، النظام المصرفي ونظام التأمين من اجل تحقيقها. والغرض الاساس من السياسة المالية هو دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتاثير الايجابي على حركة الاقتصاد الوطني، وتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات والدخل.

لازال تنظيم الموازنة العامة في العراق بدائيا، يتم توزيع الاموال فيها على اساس البنود، ولا يتم ربطها بخطط التنمية ولا بالمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. ورغم ان الدستور وقانون ادارة اموال الدولة والدين العام، يؤكدان على الاسس الضرورية لطريقة اعداد الموازنة وتوزيع الموارد والرقابة على التنفيذ، وضرورة ربط الموازنة بالخطة التنموية، واعداد الكشوفات اللازمة باستخدام الاموال، سواء عن طريق اعداد الحسابات الختامية، او عن طريق كشف التدفق النقدي، الا ان كل ذلك لا يجري تطبيقه، لا من قبل السلطة التنفيذية، وعلى جميع مستوياتها، ولا من قبل الجهات الرقابية وعلى رأسها البرلمان العراقي ، رغم تأكيد تقارير ديوان الرقابة المالية على ذلك منذ سقوط الصنم وحتى الان.

ان المصادر المالية الاساسية المتاحة للدولة العراقية هي الواردات النفطية والتي تشكل من 92الى 96 % من واردات الموازنة العامة، والباقي من الضرائب والرسوم وارباح القطاع العام وبيع ممتلكات الدولة. وحتى الان لم تتضمن الموازنة العامة الواردات الاخرى من القروض والمنح والمساعدات الدولية، ولم يجر الكشف عنها حتى بعد تسلمها وانفاقها. وقد ارتفعت الموارد النفطية من حوالي 8 مليون دولار عام 2003 الى اكثر من 94 مليار دولار عام 2012. ووصلت ارقام الموازنة العامة الى ذروات عالية حيث بلغت 80.5 مليار دولار عام 2011، وارتفعت الى 100 مليار دولار عام 2012، والى اكثر من 118 مليار دولار عام 2013. وارتفعت نسبة النفقات الاستثمارية من حوالي 14 % في السنوات الاولى بعد سقوط الصنم الى 40 % في موازنة 2013. وبلغت مجموع ايرادات الدولة من النفط والرسوم والضرائب والقروض والمنح المستلمة والاموال المسترجعة من النظام السابق، الى اكثر من 600 مليار دولار، وهي ارقام كبيرة اذا ما قورنت بايرادات الكثير من الدول النفطية وغير النفطية. الا ان العراق لا زال يعاني من الكثير من المشاكل الاقتصادية والمجتمعية، نتيجة لسوء ادارة هذه الاموال وسوء ادارة الاليات المتوفرة. فرغم تضاعف ارقام الناتج المحلي الاجمالي، بشكل اساسي بسبب الزيادات الحاصلة في ايرادات النفط، وارتفاع حصة الفرد العراقي من 800 دولار في السنة عام 2003 الى اكثر من 4000 دولار عام 2012، فاننا نرى تدنيا كبيرا في حصة النشاطات الاقتصادية الانتاجية الاخرى ( الصناعة والزراعة)، حيث وصلت الى 1.5-3 %، ولازالت البطالة عالية، حيث يقدر عدد العاطلين عن العمل بـ 4- 4.5 مليون عاطل، ولا زال الفقر يشكل نسبة عالية من السكان، وتدهور الوضع بالنسبة لفئة غير قليلة منهم، حيث بلغ عدد المهددين بالمجاعة حوالي 2 مليون انسان او ما يعادل نسبة 6 % من السكان، واكثر من 12 % من السكان يحصلون على دخل يقل عن 2.5 دولار في اليوم. ولا زال العراق يعاني من مشاكل كبيرة في الخدمات والبنى التحتية، والكهرباء والماء الصالح للشرب والصرف الصحي والسكن والامية وغيرها. فرغم انفاق حوالي 37 مليار دولار على قطاع الكهرباء، منها 21 مليار على الاستثمار في الانتاج والنقل والتوزيع، الا ان العراقيين لم يستطيعوا الحصول على الكهرباء بشكل مستمر ولا زالت الطاقة الانتاجية المتاحة لا تزيد عن 8700 ميكا واط منها حوالي 4500 كانت موجودة اصلا، رغم الوعود المتكررة بحل هذه المشكلة بالنسبة للمواطن الفرد، فلازال اكثر من 25 % من السكان يحصلون على اقل من 12 ساعة من الكهرباء يوميا، ومنهم من لايحصل على الكهرباء نهائيا. وحتى الان لم يدخل في خطط وزارة الكهرباء تجهيز القطاعات الاقتصادية، الزراعة والصناعة والخدمات. وبلغت الوفيات للاطفال تحت سن الخمس سنوات 37 % وبلغت نسبة الامية 23 % من عدد السكان اي حواالي 7.36 مليون انسان.

كل هذا يؤكد على سوء ادارة اموال العرااق وسوء ادارة االادوات المالية، وفشل السياسة المالية في تحقيق الاهداف الاقتصادية والمجتمعية المرجوة بعد سقوط الصنم. بسبب تجاهل تطبيق الستراتيجيات والخطط التي اعدتها بعض الاجهزة الحكومية بالتعاون مع المؤسسات الدولية، التي استعانت بالخبرات العراقية من خارج مؤسسات الدولة، وبالتعاون مع الخبرات الاجنبية. كل ذلك بسبب غياب دولة المؤسسات الناجم عن الصراعات الحزبية، التي تخندقت حول شعارات طائفية واثنية، لاتأخذ بنظر الاعتبار المصالح الوطنية العليا ومصلحة المواطن، والتي ادت الى المحاصصة واستبعاد المهنية ومبدأ تكافؤ الفرص عن مؤسسات الدولة.

لقد ابتعدت الموازنة العراقية عن اهداف التنمية والتناغم بين السياستين المالية والنقدية وعملت على التأكيد على التوجه الاستهلاكي، مما اثر بشكل كبير على السياسة النقدية.

السياسة النقدية

ان الهدف الاساسي من السياسة النقدية، هو تحقيق الاستقرار الاقتصادي عن طريق تعزيز الثقة بالدينار العراقي، والعمل على ثبات سعره، ومحاربة التضخم. ومن ثم استخدام اليات هذه السياسة، بالتعاون مع السياسة المالية من اجل الوصول الى حالة من التوازن الاقتصادي. وهذا يتطلب قبل كل شيء وجود استراتيجية اقتصادية واضحة المعالم ومرتيطة باهداف تنموية وطنية.

لقد استطاعت السياسة النقدية في العراق تحقيق اهم اهدافها وهو تحقيق استقرار سعر الصرف وزيادة الثقة بالدينار العراقي، حيث انخفض سعر صرف الدولار من نحو 3000 دينار للدولار قبل التغيير في عام 2003، الى 1166 دينار للدولار في السنتين الاخيرتين. كما تمكنت السياسة النقدية من التخفيف من حدة التضخم، حيث انخفضت من 60-70 % في الاعوام الاولى من بعد سقوط الصنم الى 3- 6 % في الاعوام الثلاث الاخيرة. واستطاعت السياسة النقدية ايضا من بناء احتياطيات نقدية سيادية بالعملات العالمية والذهب، كغطاء للعملة المحلية، وضمانا للاستقرار الاقتصادي، في حالة انخفاض الواردات النفطية، او في حالة تعرض الاقتصاد العراقي، لا سمح الله، الى هزات اخرى ناجمة عن الكوارث الطبيعية، حيث ارتفعت من اقل من 2 مليار دولار في عام 2003 الى حوالي 70 مليار دولار في السنتين الاخيرتين. وقد توجه البنك المركزي منذ عام 2009 الى دراسة امكانية اعادة هيكلة العملة العراقية عن طريق حذف 3 اصفار، واصدار عملات بقيم اسمية اكبر واصغر من المتداول حاليا وذلك من اجل التوصل الى:

تخفيض الكتلة النقدية في التداول من اجل تخفيض تكلفة التداول.اضافة الى تسهيل التعامل الحسابي مع ارقام العملة. وتحسين نظام المدفوعات. وتسهيل عملية رسم السياسة السعرية والحد من القفزات التضخمية في الاسعار.الا ان تدخل السلطات التنفيذية قد ادى الى تأجيل هذا المشروع الحيوي الى اجل غير مسمى. ولكن هل تستطيع السياسة النقدية وحدها الحد من عملية التضخم ودعم وزيادة الثقة بالعملة العراقية، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي؟ وهل تستطيع عملية اعادة هيكلة العملة العراقية ان تكون وحدها كافية لتعزيز هذا الاستقرار؟

ان قوة اي عملة ينبع من قوة اقتصادها، فلم يأخذ الدولار مكانته العالمية الا من قوة الاقتصاد الامريكي. ولم يأخذ اليورو والين واخيرا اليوان مكانتهما العالمية الا من قوة اقتصاد معظم بلدان الاتحاد الاوربي واليابان والصين. ومع ذلك فان هذه العملات تتوجه صعودا وهبوطا وفقا للتطورات الاقتصادية الداخلية والخارجية، تحسنا او تراجعا. لن نأتي بشيء جديد اذا ما أكدنا على ان من المظاهر الاساسية للاقتصاد العراقي:

اعتماد العراق على انتاج وتصدير النفط الخام والايرادات الناجمة عن ذلك وهي بالدولار. اضافة الى التدهور الكبير في القطاعات الانتاجية الحقيقية، الصناعة والزراعة، وضعف جميع النشاطات الاقتصادية عدا التجارة والنشاطات الهامشية.فضلا عن التوجه الكبير نحو الاستهلاك الحكومي والفردي لقطاعات غير صغيرة من المجتمع العراقي، والتشوه الكبير في توزيع واعادة توزيع الدخل. وكذلك الخلل الكبير في العلاقات العراقية الدولية وخصوصا مع دول الجوار.اضافة للتوجه الكبير نحو الاستيراد، والتوجه الكبير نحو الشركات الاجنبية لتنفيذ المقاولات المحلية وبالذات الحكومية، مغ غياب المتطلبات اللازمة للاعداد والرقابة على التنفيذ.اضافة الى ظواهر اخرى عديدة تؤكد على الفوضى الاقتصادية التي يعاني منها العراق والتخبط في وضع الحلول، مما جعلها حلولا ارتجالية ترقيعية غير جذرية.

كل هذه العوامل تجعل العملة العراقية والتضخم خاضعة لتأثيرات داخلية وخارجية سلبية كبيرة، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها السياسة النقدية.

ان استمرار اعتماد العراق على العوائد النفطية، وتوجيه معظم موارده نحو استيراد السلع الاستهلاكية، تجعل العملة العراقية وعملية التضخم في العراق، عرضة الى العوامل الخارجية ذات التأثير السلبي الكبير على استقرار العملة واسعار المواد. ووضعت الاقتصاد العراقي في كماشة ضاغطة بذراعيها القويتيين. اذ ان اي صعود او هبوط في اسعار النفط، سيؤدي الى ارتفاع او انخفاض ايرادات النفط العراقية، وارتفاع او انخفاض الاسعار العالمية للمواد الاستهلاكية والانتاجية والخدمية.

ان ارتفاع الاسعار العالمية للنفط يعمل على زيادة الايرادات النفطية للدولة، الاانه في نفس الوقت يستنزف اموالا اكثر في استيراد السلع لتلبية حاجات العراق المتنامية. وعادة ما يكون ارتفاع اسعار السلع الاستهلاكية العالمية بوتائر اكثر من ارتفاع اسعار النفط بسبب عوامل كثيرة دلت عليها المؤشرات الاقتصادية المختلفة. اما اذا انخفضت اسعار النفط وتدنت موارد العراق النفطية، فان ذلك سيؤدي الى عدم تمكن العراق من تنفيذ التزاماته المالية الاساسية، الداخلية والخارجية. وعند ذلك ستضطر السياسة النقدية الى استنزاف الاحتياطيات السيادية اللازمة للحفاظ على غطاء العملة من اجل تغطية نفقات ا لحكومة واحتياجات السوق من ا لعملة الاجنبية.

ومن الضروري التأكيد مرة اخرى على ان العراق بحاجة الى خطط تنموية وطنية قابلة للتنفيذ والمتابعة والرقابة خلال فتراة محددة، ومرتبطة بمؤشرات اقتصادية واجتماعية واضحة، مع تحديد الادوار المناطة في الحكومة وقطاعها الاقتصادي ودور القطاع الخاص وتوفير المناخ المناسب لعملها وتطورها. ان تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن ان يتحقق الا بوجود مثل هذه السياسات واستخدام وتناغم ادواتها الاساسية كل من السياسة المالية والنقدية.

*خبير مالي واقتصادي

جريدة العالم 25/4/2013

http://www.alaalem.com/index.php?news=السياسة المالية والسياسة النقدية فـي العراق&aa=news&id22=7901

 لتنزيل المقال كملف بي دي اف انقر هنا

 

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: