السياسة النقدية

الدكتور أحمد إبريهي علي: سعر الصرف و التضخم في سنوات الحصار

لتنزيل  ملف البحث بصيغة بي دي أف انقر هنا

تلقي تجربة الحصار أضواء كاشفة على أهمية العملة الاجنبية في الحياة الاقتصادية للعراق و ينصرف التحليل أدناه إلى معدل سعر الصرف في تلك السنوات و المنشور في الوثائق الرسمية وهو أدنى من  سعر الصرف في السوق الموازية، آنذاك. و لصعوبة توفر بيانات دقيقة عن تجارة العراق الخارجية موزعة حسب البلدان يعتمد هذا التحليل سعر الصرف الحقيقي الثنائي بين العراق و الولايات المتحدة الأمريكية. و طالما يعرف سعر الصرف بوحدات من العملة العراقية مقابل الدولار الامريكي كذلك يدخل الرقم القياسي العام للأسعار في العراق و مثيله في الولايات المتحدة الامريكية لحساب هذا المؤشر. ويستخدم  سعر الصرف الحقيقي الثنائي، هنا، لقياس مدى الابتعاد عن تعادل القوة الشرائية  والذي لو تحقق  يبقى سعر الصرف الحقيقي ثابتا. و هذا المؤشر هو سعر صرف الدينار تجاه الدولار اي معكوس القراءة المتعارف عليها لسعر الصرف و بوحدات ثابتة القوة الشرائية و يحسب بالمعادلة التالية:

 /CPIUSA ) Re = (1/E) (CPI Iraq

حيث Re سعر الصرف الحقيقي للدينار تجاه الدولار، E سعر الصرف الاسمي للدولار بالدينار العراقي ، CPI Iraq الرقم القياسي للأسعار في العراق ، CPIUSA الرقم القياسي للأسعار في الولايات المتحدة الأمريكية. و ذلك بعد توحيد سنة الأساس للأرقام القياسية للأسعار في الدولتين، و يكون سعر الصرف الحقيقي بأسعار سنة الأساس. و جرت العادة على عرض سعر الصرف الحقيقي برقم قياسي أي مستوى سعر الصرف الحقيقي نسبة إلى سنة الأساس :    x100% (Ret /Re0)  حيث ترمز الهوامش  t و 0 لسنتي المقارنة و الأساس على التوالي.  و يقدم الجدول أدناه سعر الصرف الحقيقي للدينار العراقي بسنوات أساس ثلاث : 1988، 1991، 2007 . . و مادام سعر الصرف الحقيقي يعبر عن القدرة التنافسية الدولية للعراق فإن زيادته تفيد تدهور القدرة التنافسي، أي كلما تجاوز سعر الصرف الحقيقي للدينار العراقي مستوى تعادل القوة الشرائية أصبح الإنتاج الوطني من السلع و الخدمات القابلة للتجارة الدولية يعجز عن منافسة السلع و الخدمات الأجنبية في الداخل و يواجه صعوبات متزايدة في اقتحام الأسواق الخارجية. وفي نفس الوقت كلما ارتفع سعر الصرف الحقيقي للدينار العراقي صارت المستوردات من السلع و الخدمات أرخص نسبيا. أي أن ارتفاع سعر الصرف الحقيقي  يضعف النشاط الاستثماري الإنتاجي في الداخل و بالتالي قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل جديدة و هذه من عوارض المرض الهولندي. و لكن ، أيضا، ينتفع المستهلك من أسعار منخفضة للسلع و الخدمات المستوردة و هذا الانتفاع ملموس فورا و بصورة مباشرة و شامل لجميع الأفراد، بينما ثمار النشاط الاستثماري تصيب الاقتصاد الوطني و مجموع المجتمع و بصفته الكلية وأغلب  تلك الثمار مؤجلة. و لذلك يتواطأ الأفراد بصفتهم الفردية و متخذو القرارات الذين يسعون إلى إرضائهم على تكريس المرض الهولندي على حساب مستقبل العراق و الأجيال العراق و أجياله القادمة.

    في زمن الحصار ارتفع سعر الدولار بالدينار على نحو سريع و معجل، لكن من جهة أخرى كان التضخم يقلل القوة الشرائية لسعر صرف الدولار بالدينار، و المحصلة يعبر عنها سعر الصرف الحقيقي للدينار العراقي. و تبين الحسابات التي أجريناها أنه تراجع عند اعتماد سنة 1988 أساسا للأرقام القياسية. و أوطأ ما وصل اليه سعر الصرف الحقيقي للدينار العراقي عام 1994  الذي بلغ 39.7 بالمائة من مستوى عام 1988 و 62.18 بالمائة من مستوى عام 1991 و 8.92  بالمائة من مستوى عام 2007 .أي ان التبادل بين العراق و العالم في تلك السنوات كان يبخس العراق كثيرا، و في نفس الوقت ارتفعت قدرة العراق التنافسية السعرية الدولية. و لم ينتفع العراق من هذه الفرصة لإرساء مقومات قدرة وطنية مستقلة في التكنولوجيا و التصنيع. إنما ظهرت دلائل على مراكمة مهارات في إدارة و تنظيم عمليات بناء و تشيد كبيرة و عالية المتطلبات و في مجالات أخرى على نطاق محدود. و بحساب سعر الصرف في السوق الموازية، كما هو، سيظهر سعر الصرف الحقيقي للدينار العراقي أكثر انخفاضا، و ما يقال أو يستنتج عن تأثير سعر الصرف في بقية المتغيرات يكون أشد مع سعر الصرف الموازي.

كان انخفاض سعر الصرف الحقيقي أيام الحصار يمثل فرصة مناسبة لتعويض المستوردات والانفتاح نحو التصدير ربما ضيعتها أجواء الحصار ذاتها و الشحة المتطرفة في العملة الاجنبية. لأن الندرة الشديدة في العملة الاجنبية لها سلبياتها على التنمية مثل الوفرة الزائدة. ورغم أن المباشرة  الفعلية بتنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء بدأت عام 1997، فإن التوقعات المتفائلة على أثر الاتفاق، بين العراق و الأمم المتحدة، عام 1996 أدت إلى خفض سعر الصرف الاسمي للعملة الاجنبية في تلك السنة  كثيرا. وقدم  ذلك الانخفاض مثالا صارخا على دور التوقعات تغيير اسعار الصرف من حوالي 3000 دينار للدولار إلى حوالي  400  دينار للدولار. و ثمة مسألة أخرى لها مضامين عميقة في فهم تجربة الاقتصاد العراقي  و إغنائها للمعرفة الاقتصادية الا و هي الحركة الفورية لأسعار السلع كافة خلف سعر الصرف. و بدأ العراق يستعيد تدريجيا خصائص الاقتصاد النفطي الاعتيادية. و حتى عام 2003  لم يسترجع العراق سعر الصرف الحقيقي لعام 1988 و المحسوب على أساس 2 دينار للدولار وهو أعلى من سعر الصرف الرسمي بكثير. و الملاحظ أن التضخم خفض الكثير من القيمة الحقيقية لسعر الدولار بالدينار، فقد أصبح سعر الصرف الاسمي للدينار العراقي عام 1994 حوالي 4.4 بالمائة مما كان عليه عام 1988 لكن سعر الصرف الحقيقي، كما تقدم ، 39.7 بالمائة.

 و في تجربة ما بعد الحصار من الضروري الالتفات إلى أثر التضخم في رفع سعر الصرف الحقيقي للدينار العراقي، و بينما كان أثر التضخم، من هذه الزاوية، إيجابيا زمن الحصار فإن المبالغة في القيمة التبادلية الدولية الحقيقية للدينار العراقي أصبحت سلبية في السنوات الاخيرة بسبب التضخم. لقد تحرك سعر الصرف الاسمي للدولار تجاه الدينار بأسرع من معدل التضخم بين عام  1988و حتى عام 1995، و منذ عام 1996 تسارع معدل التضخم و لم يتجاوز سعر الصرف  حتى عام  1998 ما وصل اليه عام 1995 بسبب الصدمة الايجابية لاتفاقية النفط مقابل الغذاء، و بقي بين عامي 1999 و 2003  متقاربا بين 1930  و 1963 دينار للدولار و انخفض فيما بعد، كما سيأتي. لقد بينت تجربة الحصار مقارنة بما بعدها ترابط التضخم و سعر الصرف عندما يعمل الاقتصاد تحت قيد ميزان المدفوعات و ما أن يتحرر الاقتصاد من هذا القيد ينفك الارتباط بين التضخم و سعر الصرف. ولذلك يبدو أن سعر الصرف هو الذي قاد  التضخم على الأرجح، بداية الحصار، كما تفيد المعادلة أدناه و التي ربطت التغير السنوي في الرقم القياسي لأسعار المستهلك delcp مع التغير السنوي في سعر الصرف ( دنانير للدولار)    delex  و التغير المتخلف  لسعر الصرف delex-1  و الزمن t. و لو يتعذر إثبات التكامل المشترك لصغر العينة، أي يبقى هناك شك إذ قد يكون الانحدار غير حقيقي . و لكن الاختبارات تؤيد سلامته. خاصة و أنه بالفروقات لتحاشي مشكلة الجذر الأحادي و الارتباط الذاتي:

delcpt = – 0.345 + 0.929 delext + 0.209 delex-1 + 0.0435 t   

       

R-Sq = 98.8% ; R-Sq(adj) = 98.3%  ; Durbin-Watson statistic = 2.03764

 

و ندرج اختبارات t للثابت و معاملات الانحدار على التوالي من اليسار إلى اليمين 2.56-  ، 16.53  ، 3.83  ، 3.27  و التي تدل على أن التقديرات معنوية و بمستويات دلالة : 0.04 ، 0.00 ، 0.01  ، 0.01 على التوالي ما يؤكد سلامتها.

 

تطور سعر صرف الدينار العراقي بين عام 1988 و نهاية الحصار

  المتغيرات

السنة

سعر

صرف

الدولار

بالدينار

1

الرقم

القياسي

لأسعار

المستهلك

في

العراق

2

الرقم

القياسي

لأسعار

المستهلك

في

الولايات

المتحدة

الأمريكية

3

الأسعار النسبية

نسبة 2

إلى 3

بالمائة

4

سعر الصرف

الحقيقي

للدينار

5

الرقم

القياسي

لسعر الصرف

الحقيقي للدينار

سنة ألأساس

1988

6

الرقم

القياسي

لسعر

الصرف

الحقيقي

للدينار

سنة

الأساس

2007

7

1988

2

21.6

68.9

31.35

156.8

100.0

22.5

1991

10

100.0

100.0

1.00

100.0

63.8

14.4

1992

21

183.3

103.0

1.78

84.7

54.1

12.2

1993

74

555.6

106.1

5.24

70.8

45.1

10.2

1994

458

3100.0

108.9

28.48

62.2

39.7

8.9

1995

1674

14594.4

111.9

130.41

77.9

49.7

11.2

1996

1170

12455.6

115.2

108.13

92.4

59.0

13.3

1997

1471

15327.8

117.9

130.02

88.4

56.4

12.7

1998

1620

17594.4

119.7

146.97

90.7

57.9

13.0

1999

1972

19805.6

122.3

161.89

82.1

52.4

11.8

2000

1930

20794.4

126.5

164.44

85.2

54.4

12.2

2001

1929

24194.4

130.0

186.09

96.5

61.5

13.8

2002

1957

28872.2

132.1

218.58

111.7

71.3

16.0

2003

1963

38577.8

135.1

285.49

145.4

92.8

20.9

المصدر: أعدت استنادا إلى بيانات الجهاز المركزي للإحصاء و تقنيات المعلومات و الاحتياطي  الفدرالي الأمريكي ن و البنك المركزي العراقي.

لقد تداول المهتمون  بالاقتصاد النقدي زمن الحصار أن الافراط في التوسع النقدي كان علة التضخم و تدهور سعر صرف الدينار العراقي، لكن المؤشرات في أدناه تفيد انخفاض الارصدة النقدية الحقيقية في تلك الفترة. فقد أصبحت عام 2002  اقل مما كانت عليه عام 1991، دون النصف، و في عام 1995  حوالي الخمس بمعنى أن الزيادة في عرض النقد كانت أقل من معدل التضخم بفارق كبير. و ليس من المألوف انخفاض الأرصدة النقدية الحقيقية مع ثبات حجم الدخل الحقيقي أو زيادته  و ” غير المألوف هذا” و الذي وجدته في بيانات دول أخرى، من الحجج التي ساقها رومر لبيان أن النقود علة التضخم في الأمد البعيد   ( Romer ,p 515). و لو فرضنا أن التقديرات حول الناتج الاجمالي الحقيقي مدققة و نهائية  فهذا يعني زيادة كبيرة في سرعة دوران النقود كما يبين الجدول أدناه. إلا أن القفزة في سرعة دوران النقود التي ظهرت في السنة 2000  تتصل، ربما، بالظهور المجدد لصادرات النفط الخام و التي رفعت الناتج المحلي الاجمالي بالأسعار الجارية. و التفسير المرجح لحركة المتغيرات النقدية في زمن الحصار التي تستحق المزيد من الدرس : أن سعر الصرف قاد التضخم ، و كانت استجابة الموازنة العامة متثاقلة  و جزئية، و لهذا لم يكن عرض النقد مجاريا للتضخم بل متخلفا عنه، لأن الأنفاق الحكومي الذي كان يمول بقروض من البنك المركزي هو المحدد لعرض النقد. و الطريف أن الأنفاق الحكومي بقي محددا لعرض النقد : في زمن الحصار عبر فقرة صافي الائتمان المحلي في الأساس النقدي ، و ما بعد الحصار صافي الموجودات الأجنبية للبنك المركزي و التي بينا كيف تتراكم بفعل الانفاق الحكومي الممول من المورد النفطي.

و لكون المورد النفطي و الانتفاع منه بقي خارج الموازنة  بسبب نظام التمويل من برنامج النفط مقابل الغذاء و ظروف الحصار فيما عدا ذلك، فقد أثرت تلك الاوضاع الاستثنائية على البيانات ذاتها فيما يبدو .

الناتج و النقود زمن الحصار

السنة

الناتج المحلي

الإجمالي

بالأسعار الجارية

مليار دينار

النقود بالمعنى

الضيق   M1

مليار دينار

سرعة دوران النقود

الرقم القياسي

للناتج المحلي الإجمالي

الحقيقي

الرقم القياسي

للأرصدة النقدية الحقيقية

1991

21.31

24.67

0.86

100.000

100.000

1992

56.81

43.91

1.29

125.666

97.085

1993

140.52

86.43

1.63

186.816

63.062

1994

703.82

238.90

2.96

178.121

31.238

1995

2252.26

705.06

3.19

145.582

19.583

1996

2556.31

960.50

2.66

217.812

31.258

1997

3286.93

1038.10

3.17

265.498

27.453

1998

4653.52

1351.88

3.44

261.431

31.145

1999

6607.66

1483.84

4.45

302.384

30.369

2000

50213.7

1728.01

29.06

594.109

33.684

2001

41314.57

2159.09

19.14

607.854

36.173

2002

41022.93

3013.60

13.61

565.778

42.309

المصدر: الموقع الإلكتروني للجهاز المركزي للإحصاء و تقنيات المعلومات ، و الموقع الإلكتروني للبنك المركزي العراقي.                              

يوضح الجدول أعلاه و الشكل البياني التالي  كيف أن الأرصدة النقدية الحقيقية بقيت دون زيادة بل و انخفضت عما كانت عليه عام 1991. و هذا دليل ، على أن الأنفاق الحكومي و عرض النقد تحركتا ببطيء خلف التدهور الحاد في سعر صرف الدينار العراقي و الذي كان قائدا للأسعار حسب تحليل الانحدار و التجربة المعاش تلك السنوات ن و حادثة انهيار الأسعار بالتوقعات عام 1996 و التي سميت بالمفردات الشعبية  ” الدوية” بفتح الدال و سكون الواو و التي تعني الانهيار الصاعق.

   الناتج الحقيقي و الأرصدة النقدية الحقيقية زمن الحصار في العراق

السنوات   19912002

 

 

 Graph 1- Ibraihi.docx

 

 

 


 سلسلة رقم 1 الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي رقم قياسي

سلسلة رقم 2 الأرصدة النقدية الحقيقية رقم قياسي

في الشكل أعلاه يعني اتساع الفجوة بين الناتج الحقيقي و الأرصدة النقدية الحقيقية تزايد سرعة دوران النقود ،كما يبين الجدول أنها ارتفعت من دون الواحد الصحيح إلى أكثر من 13. ما يفيد أن سرعة الدوران بالنتيجة تتكيف لتنجز المعاملات بأسعار التوازن, وفي هذه الحالة لا ينفع التقييد النقدي.

*) باحث اقتصادي ونائب محافظ البنك المركزي السابق

حقوق النشر محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط ذكر المصدر

http://iraqieconomists.net/ar/

 

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: