السياسة النقدية

د.مظهر محمد صالح: المعادل العام للقيم:الدولار انموذجاً

ينصرف مفهوم المعادل العام للقيم  Numeraire الى وجود سلعة مفردة تمثل السلعة الاساسية مما يجعل السلع الاخرى كافة تُسعرإزاء تلك السلعة الاساسية.وان هذه المقارنة تجعل بالامكان تشخيص اي سلعة هي الاعلى اوالاقل بالقيمة من السلع الاخرى.وعلى هذا الاساس اقرت اتفاقية بريتون وودز في العام 1944 الدولار الامريكي بكونه المعادل العام للقيم .وجرى تسعير الاونس الواحد من الذهب بكونه يعادل 35دولار امريكي .كما ان جميع عملات العالم هي اما اجزاء من الدولار اوهي من مضاعفات الدولار اوتفوقه.وهكذا ادى الدولار دور المعادل العام للقيم بسبب ثباته الى سعر  الذهب على مدى ربع قرن من الزمن.الا ان نظام الصرف الثابت في تحقيق الاستقرار المالي العالمي قد فقد عزمه و انتهى تماماً في مطلع سبعينيات القرن الماضي بسبب محدودية الذهب الرسمي لدى الولايات المتحدة ، وحل نظام نقدي دولاري بديل ولد من رحم النظام النقدي السابق. فقد ارتبط المعادل العام للقيم هذه المرة بسلة سلعية مقومة بالدولار نفسه وتتقلب اسعارها وفق آلية السوق في العرض والطلب وتنسجم مع نظام صرف مرن للدولار.وبهذا خرج الذهب من قيد السعر الرسمي له لينضم هو الاخرالى سلة السوق ضمن سلسلة سلعية رئيسة متكاملة  لتشكل عماد المعادل الجديد للقيم .إذ ضمت تلك السلة السلعية النفط  مع الذهب ليكونا في مقدمة مكوناتها ،اضافة الى المحاصيل الزراعية و مجموعات سلعية مختلفة اُخرى يجرى تداولها جميعاً بالدولار الامريكي.بعبارة أخُرى انتقل الدولار كمعادل عام للقيم من احادية الذهب الرسمي ثابت السعر( كسلعة اساسية) الى التعددية السلعية الاساسية، التي كان الذهب من بينها ،وهي سلع تمتلك وظيفة خزن القيمة او الثروة التي هي من وظائف النقود ايضاً… وكانما هي الدولار نفسه.فبدلاً من ثبات معامل السعر بين الذهب والدولارالنقدي (حسب اتفاقية بريتون وودز) لكي يؤدي الدولار دور المعادل العام للقيمNumeraire .بعبارة اُخرى ،فأن ثمة علاقة سببية تولدت في مرحلة مابعد بريتون  وودز وهي الروابط والآليات بين ارتفاع اسعار السلع الاساسية المقومة بالدولار اي(التعددية السلعية) ..وبين انخفاض قيمة الدولار نفسه او العكس بالعكس ضمن دورة تجارية سلعية- دولارية cycle لاتقتصر على الذهب المقوم بالدولار فحسب بل تذهب الى النفط المقوم بالدولار ايضاً وعدد من السلع الاخرى المقومة بعملة الولايات المتحدة والتي يتم التعامل بها جميعاً من خلال الوحدة النقدية الامريكية.فالدورة السلعية -الدولارية ،امست متأتية من المظاهر الجديدة للنظام المالي الدولي حيث عُدت السلع الاساسية المقومة بالدولار الملجأ الآمن لحفظ القيمة  اوالتحوط  hedge بدلاُ من الدولار نفسه  مما يساعد على ثبات القِيم والعكس بالعكس عندما ترتفع قيمة الدولار وتنخفض اسعار السلع الاساسية دون ان يفقد الدولار الامريكي دوره في هذه العلاقة التبادلية بين النقود وبدائلها المقومة بالعملة نفسها.انه نظام نقدي ظلي جرى استحداثه بهوية الدولار والسلع الحقيقية المرتبطة به.ولايخفى ان مصدر الدورة cycleالمذكورة أنفاً هي قوة الاقتصاد الحقيقي وتأثيرات اسواقه الفاعلة في مواجهة تحركات الاقتصاد الاسمي  وإظهار التماسك الحقيقي في الحفاظ على القدرة التنافسية والتحوط من فقدانها ،وهو الامر الذي يفسر ظاهرة هبوط الدولار مع تعاظم اسعارالنفط والذهب والبضائع الاخرى من السلع الاساسية.

لقد مثل الانتقال من النظام النقدي القائم على الدولار كمعادل عام للقيمة مربوطاً ربطاً رسميا بسعر ثابت للذهب (وعد الذهب سلعة اساسية مفردة ،مع نظام صرف ثابت رافقه تحرير في الحساب الجاري لميزان المدفوعات الى حد بعيد) والتحول الى نظام نقدي دولي مستحدث يكون فيه الدولار معادل عام للقيمNumeraire ولكن مربوط (بسلة سلعية اساسية تتحرك اسعارها وفقاً لقوى السوق وبنظام صرف مرن مع الميل نحو تحرير الحساب الراسمالي لميزان المدفوعات اضافة الى تحرير الحساب الجاري ) مَثل حقيقة التحول او الانتقال الجوهري في النظام النقدي العالمي الراهن .حيث امسى الخزين العالمي من الذهب المنتج والنفط والمحاصيل وغيرهما جميعاً، هي السلع الاساسية التي يتعادل معها وبها الدولار الامريكي نفسه في آن واحد في سوق السلع الاساسية المندمجة بشكل او بآخر بسوق النقد والتي شكلت التطور الحاصل في السوق المالية الدولية(العولمة المالية)  وقدرتها على تدوير فوائض العالم من الدولار ولكن في مستودع الدولار السلعي نفسه وليس خارج حاضنته.

اوجد التعطش الدولي المستمرعلى الدولار مسالك تحليلية  مختلفة ولاسيما تلك التي تناولت وضع الاحتياطيات الرسمية الدولية .إذ لاحظ صندوق النقد الدولي على سبيل المثال ،أن الاحتياطيات الرسمية الدولية ربما ترتفع عن معدلاتها التي تزيد على 60% من الناتج المحلي الاجمالي للولايات المتحدة الامريكية( كما كان عليه الوضع في العام 2010 ) لتبلغ  حوالي200% في العام 2020 وقد تقترب من 700% من الناتج المحلي الامريكي في العام 2035.في وقت مازالت التجارة العالمية تسدد مدفوعاتها بالدولار الامريكي وبمعدل يبلغ 83% من قيمة تلك التجارة بين الامم .وان نسبة 56-60% من الاحتياطيات  الرسمية العالمية هي بالدولار الامريكي ولاسيما الاحتياطيات المتعاظمة لاقتصادات البلدان ذات الاسواق الناشئة التي يبلغ عددها اليوم بنحو 54 بلداً من بلدان العالم وهي تحصد قرابة 50% من النمو السنوي في العالم.كما ان 60% من القروض التي تمنحها المصارف العالمية اليوم تسدد ايضاً بالدولار الامريكي . وحتى لايفقد الدولار قيمته ،فأن شدة طلب الاقتصادات الناشئة على الاحتياطيات الاجنبية ومخاوفها اليوم من ان يفقد الدولار قيمته،هي المخاوف نفسها التي اثارها الاقتصادي البلجيكي Triffinمنذ العام 1947 عندما بدأ العالم يعتمد على عملة احتياطية واحدة هي الدولار. اذ لاحظ Triffin ان على الولايات المتحدة ان تُصدر المزيد من سندات الدين الحكومي لتسهيل مهمة التجارة العالمية ومواجهة الطلب على تلك الاحتياطيات.

وهكذا غدت مناطق الدولار هي ليست التعامل بالدولار الامريكي فحسب وانما هناك انتاج سلعي رئيس يمثل مخزن للقيمة ومقوم بعملة الدولار ويمارس وظيفة شبه الدولار.فالتحول من الدولار الى السلع الرئيسة يتم من خلال التحوط بالسلع الدولارية نفسها،مما اوجد آلية للعرض والطلب على الدولار لمصلحة سلع حقيقية اساسية اعتمدها الاقتصاد الرمزي في تداولاته و التي تعمل في مناخ عُملة الدولار.

وبناء على ماتقدم،فثمة متلازمه شبه رباعية بين الدولار الامريكي من جهة والنفط والذهب والمحاصيل الزراعية الحاكمة المقومة بالدولارمن جهة اٌخرى،ما خلق نظاماً نقدياً بديلاً او مسايراً للدولار ،اذ استبدل فيه الذهب النقدي (الرسمي) بالذهب غير الرسمي من خلال سوق السلع ،بعد ان اضيف اليها النفط الخام ومشتقاته والمحاصيل.وان حاضنتهم اليوم جميعاً هو التطور الحاصل في الاسواق المالية وبالذات اسواق المستقبليات future marketsحيث تتم المتاجرة  بالسلع الاساسية الثلاث او غيرها  عن طريق المضاربات المالية للبحث عن هوامش للربح  ومكاسب مالية .وان ثمة مرونة عالية في الاحلال بين السلع الاساسية المذكورة وآلية المضاربة بها والاستثمار بالدولار الامريكي. وبهذا فأن الاسواق المالية  ومكوناتها السلعية هي التي حولت النظام النقدي من كونه مقتصراً على معادل عام احادي Numeraire يعتمد الذهب الرسمي الثابت القيمة(اي الدولار) الى نظام سلعي دولاري متتعدد يعتمد قوى السوق وتوازناتها.

فبدلاً من عملة لقاء سلعة مفردة ثابتة الثمن هي الذهب فقط(وحسب نظام بريتون وودز ) ليتحدد بموجبه المعادل العام للقيم اي الدولار الامريكي، صار هناك نظاماً نقدياُ آخر  اصبح الدولار فيه ايضاُ معادل عام للقيم ولكن مقابل محفظة سلعية متعددة تتحدد اسعارها في اسواق المضاربة المالية وبعلاقة عكسية.

وبهذا جعلت( العولمة المالية )من اسواق المال او البورصات متعة ميسرة لمن يريد ممارسة المضاربة المالية بحرية عالية.فبأمكان الفرد شراء النفط او الذهب او اطنان من النحاس من سوق المستقبليات دون ان يفكر بأن مرآب بيته هو نفسه لايستوعب عشرة براميل من النفط الخام او طن من النحاس.فالشراء يأتي بغية البيع الرمزي لاحقاً للحصول على هوامش ربح من المضاربة ليس الا! ذلك بغض النظر عن طعم النفط او لون النحاس! انها كازينو الاقتصاد الرمزي او الاسمي حقاُ.

ان السلع الاساسية البديلة للدولار هي اليوم الذهب والمحاصيل الزراعية اضافة الى النفط او مشتقاته والتي تتحوط بها كازينو الاقتصاد الاسمي او الرمزي وكذلك مختلف المضاربين في السوق المالية . اذ ترتفع قيمة الاصول المالية ومشتقاتها بمقدار 20مرة على قيمة الناتج المحلي الاجمالي العالمي البالغ اليوم بنحو 73 تريليون دولار
.وان هنالك متلازمة بين الارتفاع في  قيمة الدولار والانخفاض في اسعار النفط والذهب حيث تتراجع اسعار الذهب اليوم لتبلغ نحو 1200دولار للاونس الواحد او اكثر بقليل مع ارتفاع ملموس في قيمة الدولار ازاء العملات الاخرى.
فالتحوط في هذه الايام بات بالدولارنفسه الذي ترتفع قيمته وربما سيصبح التحوط اقل صوب سوق مستقبليات النفط او الذهب او المواد الغذائية ،وعلى خلاف ما كان يحصل في فترة ازدهار اسعار البضائع commodities ولاسيما في سلعتي الذهب والنفط  .وعلى الرغم من ذلك ، فقد لوحظ ومن خلال الشواهد التاريخية القريبة  ان استهلاك النفط الخام لم بنخفض  الا بنسبة 3%  ذلك عندما انهارت اسعار النفط في السوق العالمية من 140 دولار للبرميل الواحد الى 40 دولار للبرميل نفسه عند  مطلع العام 2009.كما يلحظ ان كل (خَمسة) براميل نفط منتج للتصدير تذهب ابتداءً الى سوق المضاربة المالية او كازينو النفط مقابل( برميل واحد )فقط يذهب مباشرة الى التكرير ثم الاستهلاك. وترتفع حصة السوق المالية  من المشتقات النفطية الى ( سبعة براميل )لاغراض المضاربة  مقابل( برميل واحد فقط) من تلك المشتقات (وبالذات وقود البنزين) ليأخذ  ذلك البرميل طريقه الى الاستهلاك المباشر.

وعلى الرغم مما تقدم،فان المضاربين المنغمسين في البيع والشراء في سوق المستقبليات ،هم مازالوا في غفلة لكي يوجهوا اسئلة كافية الى السلطات الرقابية في دول العالم المختلفة عن المخاطر النظامية المحتملة والمحدقة بنشاطاتهم الماليةوالتي تخضع لتأثيرات السياسة الاقتصادية الحكومية ،مثل اسعار الفائدة واسعار الصرف و وضع ميزان المدفوعات ومستقبل سياسة الدين العام وغيرها من المتغيرات الاقتصادية الكلية ذات التأثير العميق في استقرار السوق المالية وسلامة عملياتها.
الاستنتاجات

لقد تحول النظام النقدي العالمي في توصيفه للمعادل العام للقيم Numeraire من الاحادية السلعية الممثلة بالذهب الرسمي وعلى وفق نظام الصرف الثابت(نظام بريتون  وودز الماضي) الى التعددية السلعية الاساسية  الحالية وعلى وفق معطيات السوق المالية الدولية وانظمة الصرف المرنة وحرية حركات رؤوس الاموال ،اذ تتحرك  قرابة 4-5 تريليون دولار يومياً من رؤوس الاموال القصيرة الاجل  بين اسواق العالم لاغراض المضاربة المالية والكسب السريع ،في حين نجد ان اجمالي التجارة العالمية من السلع والخدمات لاتتعدى 20 تريليون دولارسنوياً.انها لُعبة السوق واستغراق الفائض الاقتصادي للامم او نهب الفائض الكامن كما اسماه الاقتصادي الراحل  بول باران في كتابه الشهير: الاقتصاد السياسي للنمو، سواء اكانت بلُعب الحرب الميدانية وخلق الدول الارهابية  (وهو الانموذج المستحدث للحرب في القرن الحادي والعشرين وهو الانموذج القادر على استنزاف عائدات الثروات النفطية) ام بلعب حروب الاسعار وهبوط .اسعار السلع الاساسية او الرئيسة كا لنفط اوالذهب اوالمواد الغذائية .اذ يواجه ذلك الهبوط، توافر نظام نقدي  ظلي او مساند عبر الحركات اليومية للسوق المالية(كسوق المستقبليات) واجمالي المضاربات المقومة بالدولار في الاقتصاد الاسمي، في خضم دورة تحوطhedge تتقلب فيها قيمة الدولار في سوق النقد –وبشكل معاكس لتقلب اقيام السلع المتعددة  الرئيسة المقومة بالدولار نفسه في السوق المالية.

فالمحصلة هي ان النظام النقدي الدولاري الحالي  قد اوجد محفظة استثمارية واحدة متنوعة بموجوداتها المالية/السلعية والنقدية وان الدورة المذكورة آنفاً لاتخل بتوازن واستقرار قيمة المحفظة الدولارية التي تتلخص وظيفتها الرئيسة في تدوير الفائض الكامن حول العالم فحسب!!! .

بغداد في 9تشرين الاول 2014

(*) كاتب وباحث إقتصادي، نائب محافظ البنك المركزي السابق

حقوق النشر محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس وإعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر

http://iraqieconomists.net/ar/
 

Comments (8)

  1. فاروق يونس
    فاروق يونس:

    اساتذى العزيز الدكتور مظهر محمد صالح
    – فى مقالكم الاقتصادى العلمى تقول قرت اتفاقية برتن وودز عام 1942 الدولار الامريكى كونه المعادل العام للقيم بسسب ثباته الى سعر الذهب على مدى ربع قرن
    – ثم تقول الا ان نظام الصرف الثابت فى تحقيق الاستقرار المالى العالمى قد فقد عزمه وانتهى تماما فى مطلع سبعينيات القرن الماضى بسبب محدودية الذهب لدى الولايات المتحدة
    – لكن هناك راى اخر يقول ( ان العجز فى ميزان المدفوعات الامريكى قد قلل من اهمية الدولار كعملة احتياطية دولية او كعملة رئيسية فى عملية تقويم العملات المحلية المختلفة او كوسيلة دفع دولية واخذت البنوك المركزية الاوربية تتردد فى امتصاص عرض متزايد من الدولارات الامريكية التى تنامى تدفقها اليها نتيجة العجز المذكور )انظر الدكتور عبد المنعم السيد على والدكتور هيل عجمى جميل الجنابى – العلاقات النقدية الدولية ص 152
    المشكلة العويصة- السلة الجديدة
    سلة السوق من النفط والذهب والمحاصيل الزراعية الاساسية
    كيف يجرى تداولها بالدولار الامريكى ؟
    العراق كدولة مصدرة للنفط هل يمتلك جهاز لمراقبة تذبذبات اسعار النفط والذهب والمحاصيل الزراعية الاساسية وبالاخص الحبوب ( الحنطة )التى يستوردها من امريكا وكندا واستراليا ؟
    دمت عالما من علماء الاقتصاد العراقيين

  2. Avatar
    كامل العضاض:

    عزيزي د. مظهر، بعد التحية
    شكرا لعرضك التحليلي لمفهوم المعادل العام للقيم، وإستقراء تطوره من نظام معيار الذهب الثابت، The gold Standard System، الى نظام تحرير الدولار، وإسناد قيمته بسلة من السلع الأساسية في التجارة الدولية، حيث ستأثر عوامل العرض والطلب على أسعار هذه السلع، فتتاُر قيمة الدولار التبادلية صعودا أو هبوطا على وفق تلك الأسعار، بل وتتاُر أيضا قيمة الدولار الصرفية بمقدار المضاربات والمستقبلات، فقد يرتفع أوينخفض أو يبقى ثابتا، حسب الوزن النسبي للسلع الإستراتيجية التي يستند إليها. هذه العوامل زادت من أهمية الإحتفاظ بالدولار، كعملة إحيتاط لدى غالبية دول العالم.
    وهذا يعني أن الطلب العالمي بقي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، اي بعد مؤتمر بريتون وودز في عام 1944، قويا وراسخا، مما ساعد السلطة الفدرالية الأمريكية أن تتصرف بحرية أكبر في عرض وطبع الدولار الأمريكي، حتى وإن كان ذلك لايتسق مع عرض السلع والخدمات في الإقتصاد الأمريكي ذاته. ولكن هذا التمادي أدى الى نشؤ تضخم محسوب أمريكيا، إلا ان نشؤ الأزمة المالية الكبرى منذ عام 2007 و2008 بصورة أساسية، قاد الى قيام كساد ونشؤ إفلاسات في كبرى ، إبتدأت بفقاعة رهون المساكن، ثم إمتدت الى مؤسسات تأمينية ومالية كبرى، مثل المجموعة الأمريكية للتأمين، وسقطت الليمان برذرز والبنك الأمريكي وفاني مي وفردي ماك، وغيرها.كما تأثر النشاط المصرفي بشكل كبير. وبما أن الطلب العالمي على الدولار كان لايزال ثابتا، دفع هذا الأمر السلطة الفدرالية الى طبع تريلونات الدولارات، لفك الديون ولإنقاذ البيوت المالية الكبرى ومن أجل تحفيز النشاط الإنفاقي والإئتماني، وذلك بضخ مئات المليارات منذ عام 2008 لغاية عام 2013، ولا تزال تنظر في وقف أو عدم وقف أو إبطاء طبع الدولار، كما عمدت الى زيادة مديونية الولايات المتحدة في ميزانها التجاري لبقية العالم الى 14 تريليون دولار، (انظر مؤلفنا؛ الأزمة المالية العالمية، آثارها ةأبعادها، بالعربي، بيروت، 2011). أزاء هذا الوضع تزعزعت الثقة العالمية بالدولار، مما دعى مجموعة بريكس التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين، الى تجنب الدولار في تعاملاتها التجارية وإعتماد عملاتها الوطنية لهذا الغرض، كما تسعى دول أخرى الى إستخدام اليورو. بكلمة أخرى، بدأت متانة الدولار، كعملة إحتياط عالمي تهتز كثيرا. بل هناك دعوات حثيثة في أمريكا ذاتها لإيجاد بديل لعملة الدولار، وها هو صندوق النقد الدولي يدرس مليا منذ مدة لإيجاد عملة إحتياط نقدي لدعم معاملات التجارة الدولية. فهل سيفقد الدولار عرشه قريبا؟؟ سنرى ذلك، إعتمادا على مقدار إستئناف النمو الفاعل في النشاط الإقتصادي الأمريكي، وهو الآن يتململ مع بعض النهوض المهم في نشاطات الطاقة وفي إرتفاع الناتج المحلي الأمريكي المتوثب حاليا.
    مما تقدم يبدو جليا، بأن الأوان قد آن لإيجاد عملة إحتياط عالمية غير مرتبطة بظروف وسياسات بلد محدد، مهما كان حجمه وثقله افقتصادي.
    د. كامل العضاض، مستشار سابق لدى الأمم المتحدة
    10 ت. 2014

  3. د.مظهر محمد صالح
    د.مظهر محمد صالح:

    شكرا الاستاذ العزيز فاروق يونس على ملاحظاتكم العلمية القيمة والدقيقة ولاسيما الاشارة آلية العجز في ميزان المدفوعات الامريكي والتي جسدت انتهاء نظام بريتون وودز 1944وافقدته عزمه.ولكن في البحث الذي تقدمت به انصب اهتمامي على الكيفية التي تحول بموجبها الدولار الامريكي (كمعادل عام للقيمnumeraireمربوط احادياً بالذهب الرسمي الثابت السعر) الى الارتباط بسلة من السلع الاساسية المتعددة التي تتداولها سوق السلع اليوم عرضاً وطلباً وممن يجري تسعيرها بالدولار ،ذلك ابتداءً من النفط والذهب وانتهاءً بالمحاصيل الزراعية.وهي مرحلة ميزت اهمية الدولار في النظام النقدي الراهن (اي مابعد بريتون وودز ).إذ يتحدد الدولار بموجبها (كمعادل عام للقيم )وعملة احتياطية مهيمنة حتى اللحظة على وفق دورة تبادلية cycleكما جرى توضيحها في اعلاه.
    اكرر شكري وتقديري لملاحظاتكم العلمية التي لاغنى عنها
    مع فائق تقديري.

  4. د.مظهر محمد صالح
    د.مظهر محمد صالح:

    الاستاذ الفاضل الدكتور كامل العضاض المحترم
    انتم حقاً من السباقين في تناول هكذا الموضوع ولاسيما في كتابكم الرائع الازمة المالية العامية /ابعادها وآثارها.وان التساؤلات الذكية التي طرحتموها في تعليقكم هي مازالت قائمة ومحتملة جداً.ولكن مافعلته الولايات المتحدة من دور في تغيير النظام النقدي الدولي منذُ العام 1973 وممارستها لسياسة نقدية دولية قامت على تحميل عبء المعادل العام للقيم من سلعة مفردة (اي الذهب الرسمي بالسعر الثابت المنخفض والتي قيدت ميزان المدفوعات الامريكي والعملة الامريكية في ترسيخ نفوذها الاقتصادي،)الى مجموعة واسعة من السلع الاساسية الاضافية ( جميع تلك السلع هي من مكونات سوق الدولار عالميا.)وبهذا نقلت عبء المعادل العام للقيم من الاقتصاد الامريكي الداخلي الى الاقتصاد العالمي واسواقه الخارجية(اي سياسة توزيع الاعباء).انها لعبة ذكية من لعب الاقوياء في السيطرة على الاقتصاد العالمي!ولكن متى ستنتهي لعبة الاقوياء؟
    مع فائق التقدير
    مظهر

  5. د.مظهر محمد صالح
    د.مظهر محمد صالح:

    الاستاذ الفاضل الدكتور كامل العضاض المحترم
    انتم حقاً من السباقين في تناول هكذا موضوع ولاسيما في كتابكم الرائع الازمة المالية العامية /ابعادها وآثارها.وان التساؤلات الذكية التي طرحتموها في تعليقكم هي مازالت قائمة ومحتملة جداً.ولكن مافعلته الولايات المتحدة من دور في تغيير النظام النقدي الدولي منذُ العام 1973 وممارستها لسياسة نقدية دولية قامت على تحميل عبء المعادل العام للقيم من سلعة مفردة (اي الذهب الرسمي بالسعر الثابت المنخفض والتي قيدت ميزان المدفوعات الامريكي والعملة الامريكية في ترسيخ نفوذها الاقتصادي،)الى مجموعة واسعة من السلع الاساسية الاضافية ( جميع تلك السلع هي من مكونات سوق الدولار عالميا.)وبهذا نقلت عبء المعادل العام للقيم من الاقتصاد الامريكي الداخلي الى الاقتصاد العالمي واسواقه الخارجية(اي سياسة توزيع الاعباء).انها لعبة ذكية من لعب الاقوياء في السيطرة على الاقتصاد العالمي!ولكن متى ستنتهي لعبة الاقوياء؟
    مع فائق التقدير
    مظهر

  6. Avatar
    مصطفى محمد:

    استاذي العزيز الدكتور مظهر محمد صالح المحترم بعد التحية
    يمثل الدولار العملة الاجنبية المتداولة حالياً في العالم . فالعراق يصدر النفط الى دول العالم بالمقابل الحصول على الدولار الذي يصبح في صندوق dfi الذي يقوم البنك المركزي العراقي ببيع الدولار الى المصارف والشركات سواء اكانت حوالة ام نقد . واذ اقرت اتفاقية بريتون وودز 1944 الدولار الامريكي لكونه المعادل العام للقيم وجرى تسعير الاونس الواحد من الذهب يعادل 35 دولار امريكي . شكراً دكتور على هذا البحث الرائع والذي اتمنى من جميع طلبة والباحثين الاستفادة من هذا البحث القيم

  7. د.مظهر محمد صالح
    د.مظهر محمد صالح:

    شكراً استاذ مصطفى محمد على تعقيبكم الجميل وتفاعلكم العلمي
    مع فائق التقدير
    مظهر محمد صالح

  8. Avatar

    شكرا لك دكتور على هذه المعلومات
    اود ان أسئل سؤال الا تعتقد ان سياسة البنك المركزي برفع قيمة الدينار العراقي من خلال مزاد العملة بانها ساهت تردي الواقع الزاعي والصناعي حيث جعلت المنتج الاجنبي بفعل القدرة الشرائية للدينار مقومة بالدولار افضل من سعر المنتج المحلي .
    السؤال الثاني : هناك 3 عوامل مهمة تتحكم في سعر الصرف عرض النقد اسعار المستهلك الموزانة العامة . الا تعتقد ان عملية طبع العملة النقدية من ورقة 100 الف وعحز الموزانة لعام 2015 ستؤثر في سعر الدولار هل البنك المركزي قادر على الحفاظ على سعر صرف ثابت مع هكذا عوامل . ارجو الرد دكتور

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: