الاقتصاد العراقي الكلي

د. علي مرزا: التمكن والاعتماد الاقتصادي للمناطق واللا-مركزية في العراق

لتنزيل النص الكامل للدراسة كملف بي دي أف أنقر هنا

أولاً: مقدمــة[1]

منذ بدء الاحتجاجات في محافظة الأنبار ومناطق أخرى في وسط العراق في أواخر 2012 وتحولها تدريجياً إلى تصعيد عسكري، توسع مسرح عمليات الجماعات المسلحة وخاصة داعش ضد القوات المركزية. وخرجت الفلوجة ثم أجزاء أخرى من الأنبار منذ أوائل 2014 عن السيطرة الحكومية لتصل منعطفاً خطيراً في 10 حزيران 2014 باحتلال الجماعات المسلحة لمدينة الموصل، بعد أن كانت تحت نفوذهم لفترة طويلة. ثم احتلت مدن ونواحي من محافظتي صلاح الدين والأنبار وأنحاء من محافظتي ديالى وكركوك (ISW, 2014). و”فُتِحت” الحدود مع شرق سوريا، في 29 حزيران. وبالنتيجة تحددت في العراق، من الناحية العسكرية، ثلاثة مناطق، تتغير تخوم وامتدادات ومواقع سيطرة اثنان منها مع/في المنطقة الوسطى حسب مجرى العمليات العسكرية، (ISW, 2014, Lewis, 2014, Cockburn, 2014):

(1)  كردستان وأجزاء من محافظتي كركوك ونينوى بعد أن دخلت قوات البيشمركة مناطق “متنازع عليها” ومناطق أخرى بما فيها حقول نفط كركوك.

(2)  المنطقة الوسطى شمال بغداد (نينوى، صلاح الدين، ديالى، الأنبار). وهي المسرح الاساس للعمليات العسكرية. ولا زالت اجزاء مهمة منها تحت سيطرة القوات الحكومية والمتطوعين أو/و العشائر الموالية والبيشمركة. ولقد تصاعدت جهودها في استجماع شملها وتنسيقها منذ أواخر آب لاستعادة السيطرة على الأجزاء الأخرى. ولكن من ناحية ثانية، فإن الجماعات المسلحة لا زالت تسيطر على مواقع استراتيجية ولوجستية فيها وامتداداتها إلى سوريا. ويقع ضمن مجالها خط أنبوب تصدير النفط من كركوك إلى جيهان/تركيا. كما قامت باستخراج النفط في بعض حقول منطقة حمرين كحقل عجيل، (Iraq Oil Report, 9 July, 2014).

(3) بغداد والمنطقة الجنوبية. وهي تحت سيطرة الحكومة المركزية، مع تكرر الهجمات الارهابية حول “حزام” بغداد وفي داخلها.

ولقد أثارت ممارسات الجماعات المسلحة في التهجير والاضطهاد والقتل ضد الاقليات والخصوم في المنطقة الوسطى استنكاراً عالمياً واسعاً أعقبه إجراءات لمساعدات انسانية. ونتيجة لمهاجمة هذه الجماعات لمناطق محيطة بكردستان بما في ذلك سد الموصل وكذلك تهديد أربيل في أوائل آب، رافق الإسناد السياسي الدولي تكثيف القصف الجوي الأمريكي (ودول أخرى، فيما بعد) لمواقع هذه الجماعات في العراق. وقررت دول من الإتحاد الأوربي وحتى إيران تزويد كردستان بالسلاح. وفي خطابه في 10 أيلول أعلن الرئيس أوباما عن “استراتيجية لحلف دولي” لمكافحة الارهاب تقوم على توسيع القصف الجوي في العراق (وإمكانية امتداده إلى سوريا، الذي بدأ فعلاً في أواخر الشهر) بالإضافة لتدريب وإسناد القوات العراقية ووقف تدفق المتطوعين وتجفيف منابع تمويل داعش، وأخيراً تقديم مساعدات انسانية.

ثانياً: الخلاف والوفاق المجتمعي

مما تقدم يتبين أن وحدة العراق وسلامة أراضيه تتعرضان، في الوقت الحاضر، إلى مخاطر وتهديد جدي يتعدى بكثير ما تعرضتا له منذ تشكيل الدولة في 1921. وهناك من يرى أن هذه المخاطر والتهديد، الذي تكرر، بدرجات عنف مختلفة، اكثر من مرة منذ ذلك التاريخ، ينبع من أن الدولة تشكلت في حينه من مناطق وطوائف وأثنيات متباينة ولقد جمعها مشروع فرضته اصطناعاً بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى. في المقابل، هناك من يرى أن الترابط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي/الحضاري لمناطق العراق ومكوناته تطور تدريجيا، خلال قرون سبقت القرن العشرين، ليصبح نتيجة لذلك منطقة مترابطة واحدة في بداية القرن. وبالنتيجة فإن ما فُرِض كان واقعاً وليس اصطناعاً، الخفاجي (2012).

وعلى كل حال، فلقد أعقب تشكيل الدولة تَطَوِر الترابط والتفاعل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وتَكَوِن جامع حضاري/ثقافي/فني من خلال التعليم وفي الصحف والنشر والإعلام والشعر والأدب وفي حركات سياسية موحِدة، وكذلك من خلال الخدمة العسكرية الإلزامية، أدت جميعها إلى نشوء شعور وطني عراقي.

ولكن كل ذلك لم يؤدي إلى تكوين عقد اجتماعي مستدام. فالمناطق المختلفة ومكوناتها، بالرغم من زيادة ترابطها وتفاعلها وعلاقاتها واقترابها من تكوين هوية وطنية عراقية جامعة، انما مسكتها القوة العسكرية والأمنية للحكومة المركزية. ففي خلال الحكم الملكي ومع نشوء حركات سياسية قطرية/وطنية ويسارية وقومية عابرة للطوائف والأثنيات، خاصة في المدن، فإن الدولة واجهت انتفاضات وتمرد عشائري متكرر في الفرات الأوسط والجنوب وفي الشمال لتعكس، بجانب منها، توتر طائفي وأثني أمكن التغلب عليه بالقوة. مع ملاحظة انه حتى العقد الأخير من القرن الماضي، كان تكرر الحملات العسكرية في الشمال شاهداً على توتر أثني مزمن. وبعد 1958 استمرت قوة السلطة المركزية، مع اندلاع النزاع اليساري-القومي الذي ربما كان، بجانب منه، يخفي توتراً طائفياً. وبعد 1968، كان للقبضة الأمنية القوية، من ناحية، وتوسع الاستخدام في الدولة ومن ثم الارتفاع بالمستوى المعيشي نتيجة الإيرادات النفطية المتزايدة، من ناحية أخرى، أثر في تخفيف أو خمود هذا التوتر. ولكن باندلاع الحرب العراقية-الإيرانية وعمليات التهجير والاضطهاد، وبروز احزاب دينية معارضة، تقوى البُعد الطائفي في المجتمع. وتُمَثِل انتفاضة 1991 بعد حرب الكويت، من ناحية، والحملة الإيمانية للنظام خلال التسعينات، من ناحية أخرى، عاملاً هاماً في تركيـز هذا البُعد مجدداً (Haddad, 2011). أما بَعد 2003 فلقد تم مأسسة هذا البُعد في النظام السياسي والذي غلبت الممارسة والخطاب الطائفي/الأثني فيه على ممارسة وخطاب التوحيد. وجاء النزاع المسلح خلال 2005-2008 ثم العمليات العسكرية الجارية لتوسع الشرخ المجتمعي.

ولقد رافق التوتر الطائفي/الأثني أو تمت من خلاله انواع اخرى من النزاع، قد تكون أكثر أساسية منه، مثل النزاع على الموارد الطبيعية وبالذات النفطية وربما، يعتقد بعض الباحثين، حتى أشكال من النزاع الطبقي. وبالرغم من انتشار الموارد النفطية/الغازية في أنحاء العراق، كما سيرد أدناه، فإن هذه الموارد متركزة في الجنوب أساساً وفي الشمال بالدرجة التالية. إن السيطرة على المنابع ومن ثم العوائد النفطية/الغازية كان من أهم الوسائل لتحقيق التمكن الاقتصادي ومن ثم التمكن السياسي والمسك بزمام السلطة سواء كان على مستوى السلطة المركزية (Tripp, 2000) أو حديثاً في إقليم كردستان، وقد يمتد ذلك، فيما يبدو، إلى المحافظات. وبالنتيجة سيمثل شكل السيطرة على هذه الموارد وإدارتها وتوزيعها أحد التحديات التي تواجهها وحدة أو تنافر المناطق والمكونات المختلفة في العراق.

وهنا تكمن جذور معضلة جوهرية. فمن ناحية، أثبتت الحكومات المركزية، خلال ما يزيد على تسعة عقود، بدرجات مختلفة، على عدم قدرتها على اتباع حوكمة رشيدة جامعة لكافة المناطق والمكونات مما أدى بالنتيجة إلى استمرار توتر/نزاع، يزداد ويخفت حسب الظروف. بالإضافة لذلك فإنها أثبتت خاصة منذ أواخر سبعينات القرن الماضي على تواضع إدارتها للموارد النفطية، خاصة: (أ) أثناء 1980-2003، من خلال إنفاق جزء كبير من عوائدها على حروب ومغامرات اقليمية ومن ثم ربطها بأقساط خدمة ديون وتعويضات خارجية سنوية والتزامات أخرى طويلة الأمد، (ب) بعد 2003، من خلال ضياع جزء مهم من عوائدها نتيجة للفساد والمحسوبية والنزاع الطائفي/الأثني. كل ذلك دفع/يدفع إلى بروز دعوات لتكوين إدارات ذاتية مستقلة للمحافظات/المناطق على غرار التجربة الكردستانية، والتي تقود بالنتيجة إلى إضعاف جدي للسلطة المركزية. ولكن في المقابل، هناك عوامل اقتصادية (توفر الموارد الطبيعية، سعة السوق، ترابط الموارد المائية، الخ) وأمنية (خاصة في حالة الوصول إلى توافق مجتمعي وما يؤدي أليه من سلم أهلي وتحجيم للتدخل الإقليمي)، وموضوعية/ذاتية (علاقات ووشائج اجتماعية وثقافية/حضارية وسكانية، الخ) ودولية/اقليمية، كلها تبرر أو تدفع باتجاه استمرار العراق بدولة موحدة، يكون لسلطة مركزية مقتدرة ذات مصداقية وطنية ومؤسسات اتحادية فعالة دور أساس في الحفاظ عليها.

ومع صعوبة إيجاد تسوية مستدامة لهذه المعضلة، التي استمرت طويلاً، فإن تطبيق إدارة لا-مركزية “متوازنة” للمحافظات/المناطق وتقرير آلية للمشاركة في الموارد النفطية خاصة من المناطق المتمكنة اقتصادياً (الغنية بالنفط/الغاز) نحو مناطق “العجز”، يمكن أن تكون عناصر أساسية لأي حزمة تستهدف تحقيق هذه التسوية. لذلك ستركز هذه الورقة على بعض جوانب هذين العنصرين، تباعاً في الفقرات التالية.

ثالثاً: المركزية واللا-مركزية

تعرضت سلطة الادارة المركزية للانحسار منذ صدور قرار مجلس الأمن بفرض مناطق حضر الطيران في 1991 والتي أدت إلى تحول اقليم كردستان إلى منطقة مستقلة عن المركز. ثم امتد الانحسار إلى المنطقة الوسطى بعد 2003، خاصة خلال 2005-2008، لتخرج أجزاء مهمة منها فعلياً عن سلطة المركز منذ حزيران 2014. وقد يصبح من الصعب عكس الانعزال الفعلي الحالي لمناطق العراق، بعد انتهاء العمليات العسكرية، بدون ادراك حقيقة أنه كما في كردستان فإن العودة إلى إدارة مركزية لباقي العراق كما كانت قبل 10 حزيران، اصبحت غير مقبولة سياسياً أو إدارياً. إن ما يمكن تأمله هو تحويل هذا الانعزال إلى تنظيم إداري/مالي يساهم في إعادة التوحيد الاقتصادي. وبالرغم من وجود شواهد قوية تبين أن عرب العراق يفضلون استمرار دولة موحدة فإن هذه الوحدة، إن كانت ممكنة في ظل الاستقطاب الطائفي، تتطلب إدارة لا-مركزية واضحة بوحدات جغرافية ذاتية الإدارة. ولقد وجد ذلك صدى في تأكيد رئيس الوزراء الجديد على اللا-مركزية، في المرحلة المقبلة، عند عرضه لبرنامج حكومته في جلسة نيل الثقة في مجلس النواب في 8 أيلول/سبتمبر 2014.

ويثار تساؤل حول شكل الادارة اللا-مركزية في العراق. هل سيكون في الإبقاء على المحافظات (خارج كردستان) كما هي ولكن بتطبيق قانون المحافظات (رقم 21 لسنة 2008) المعدل، أو في انتظامها في مناطق/أقاليم؟ ولعل تجنب العديد من المعلقين وبعض الجهات السياسية لخيار انتظام المحافظات (خارج كردستان) بمناطق أو أقاليم نابع من عاملين. الأول، التخوف من أن يؤدي ذلك إلى تحويل المناطق/الأقاليم بالنتيجة إلى دويلات طائفية/أثنية متصارعة وتدَخُّل اقليمي ودولي مستمرين. والعامل الثاني، يتمثل في الخشية من نشوء إقليم/أقاليم في البصرة/المنطقة الجنوبية بنفس الاستقلالية التي يتمتع بها إقليم كردستان وما لذلك من تبعات في إضعاف المناطق الاخرى سياسياً وتحجيم أكبر لمجال نفوذ وإدارة السلطة المركزية، كون هذه المحافظة/المنطقة هي المعول عليها، في المقام الأول، في الأمد القصير/المتوسط في تمويل باقي المناطق والمركز من خلال الميزانية الاتحادية. ولكن من الجدير الإشارة إلى أن هذه الخشية قائمة، عند تطبيق قانون المحافظات، حتى عند بقاء المحافظات كما هي وعدم انتظامها بمناطق أو أقاليم. فلقد ورد في التعديل الصادر في 8 آب/أغسطس 2013، لقانون المحافظات، مجموعة من الفقرات/المواد التي يمكن أن تزيد من استقلالية المحافظات غير المنتظمة بأقاليم، عن السلطة المركزية، فيما يخص صلاحياتها ومواردها المالية. ففي جانب الصلاحيات ورد في سادساً من المادة (2) ما يلي: “تدار الاختصاصات المشتركة المنصوص عليها في المواد (112 و113 و114) من الدستور بالتنسيق والتعاون بين الحكومة الاتحادية والحكومة المحلية وتكون الأولوية فيها لقوانين المحافظات غير المنتظمة في اقليم في حالة الخلاف بينهما وفقاً لأحكام المادة 115 من الدستور“. ومن المرجح أن يقود تطبيق هذا القانون إلى وضعٍ مماثلٍ للعلاقة القائمة حالياً بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. وحيث ان المادة 112 من الدستور متعلقة بالموارد الطبيعية ومنها النفط، وفي ضوء ما اتبعته كردستان من سياسة نفطية مستقلة، فإن هذا التعديل يتيح للمحافظات مساراً مماثلاً.

لذلك مهما كان الشكل الذي سيتم تبنيه للإدارة اللا-مركزية فإن من المناسب تطبيقه، بما في ذلك قانون المحافظات المعدل، بآلية “توازن” بين الصلاحيات اللا-مركزية للمحافظات/المناطق واستمرار فعالية سلطة مركزية ذات مصداقية وطنية.

وعلى كل حال فإن التوصل إلى تسوية بهذا الخصوص سيعتمد على نتيجة المساومات والاتفاقات السياسية داخل وخارج المجموعات والمحافظات المختلفة، من ناحية، والإمكانيات الاقتصادية للوحدات اللا-مركزية، من ناحية أخرى. كما أن التنظيم اللا-مركزي وحده لا يقود إلى مشاركة مستدامة في السلطة بدون وجود مؤسسات اتحادية فعالة ورغبة لدى مجاميع الطبقة السياسية في الاتفاق على التسويات اللازمة، والتي تقود جميعها لتنظيم العلاقة وفي حل الإشكالات التي تثار في نظام اتحادي.

رابعاً: التمكن والاعتماد الاقتصادي للمناطق

في دولة ريعية كالعراق تراجعت فيها الاهمية النسبية للقطاعات السلعية غير النفطية (الزراعة والصناعة) خلال العقود الماضية وخاصة العقد المنصرم فإن توفر الطاقات الإنتاجية النفطية/الغازية، من عدمه، يصبح في الأمدين القصير والمتوسط هو العامل الحاسم في التمكن أو الاعتماد الاقتصادي/المالي للوحدات أو المناطق اللا-مركزية. وفي هذه الورقة سنتعرض إلى ستة مناطق جغرافية لا ترتبط بتقسيم طائفي واضح (حيث أن جميعها، خارج كردستان، هي مناطق ممتزجة الطوائف والأثنيات، بدرجة أو بأخرى) وإنما حُددت على أساس حجم الموارد النفطية/الغازية والطاقات الإنتاجية الحالية فيها، والذي يُسْتَهدَف منه تشخيص مناطق التمكن ومناطق الاعتماد. والمناطق الستة هي: (1) البصرة، (2) باقي المنطقة الجنوبية، جنوب بغداد، (3) بغداد، (4) المنطقة الوسطى: نينوى، صلاح الدين، ديالى، الأنبار، (5) كركوك، (6) كردستان: أربيل، السليمانية، دهوك. لذلك سيتم في الفقرة التالية تشخيص امكاناتها النفطية/الغازية.

     1-4   الاحتياطيات النفطية/الغازية والطاقات الإنتاجية

تنتشر الموارد النفطية والغازية في أغلب أنحاء العراق. ويبين الشكل (1) مواقع هذه الموارد حسب الأحواض الرئيسية، وهي ثلاثة أحواض: (أ) نطاق-زاكروس-الشمالي، (ب) بين-النهرين، (ج) الوديان.

شكل (1) الأحواض والحقول الرئيسية للنفط والغاز في العراق

Merza- Figure 1

المصدر: تقرير وكالة الطاقة الدولية عن العراق IEA (2012). ولقد وردت الخارطة في النسخة العربية من التقرير، ص 16، وأضفنا أليها الشرح على اليمين، وأنبوب التصدير من كردستان والأنبوب المخطط حديثة-عقبة على الخارطة.

وكما يلاحظ من الشكل فإن الموارد النفطية/الغازية تتداخل بين محافظات ومناطق العراق. على سبيل المثال، فإن كردستان وكركوك ومحافظات في المنطقة الوسطى تحتوي/تشترك بحقول نفطية في نطاق-زاكروس-الشمالي. كما أن بغداد ومحافظات في المنطقة الوسطى وباقي المنطقة الجنوبية تحتوي/تشترك بحقولٍ في الجزء المتوسط من حوض بين-النهرين، الخ. ولكن بالرغم من انتشار الموارد النفطية والغازية في أغلب المناطق غير أن الطاقات الإنتاجية المتوفرة والإنتاج الفعلي ينحصران في البصرة بالدرجة الأولى ثم كركوك وبعد ذلك باقي المنطقة الجنوبية وكردستان مع إنتاج بسيط في المنطقة الوسطى.

ويبين الجدول (1) كل من الاحتياطيات المثبتة والإنتاج للنفط والغاز، حسب مناطق العراق. ويلاحظ منه أنه بينما بلغت الاحتياطيات النفطية المثبتة في المنطقة الوسطى أكثر من 5% من احتياطيات العراق (بما فيه كردستان) فإن الإنتاج الفعلي كان حوالي 2% في 2013. ويظهر التفاوت بشكل أكبر في مجال الغاز الطبيعي. فبينما بلغت الاحتياطيات المثبتة في المنطقة الوسطى أكثر من 7% من احتياطيات العراق فإن إنتاجها  كان أقل من 1% في 2013.

Merza Table 1

وفي غياب تسوية سياسية/إدارية مستدامة وسياسات وإدارة اقتصادية اتحادية تكاملية، فإن توفر الإمكانات/الطاقات الإنتاجية النفطية والغازية في المناطق قد يشجع، في الأمد الأطول، على تركز الانعزال الاقتصادي. ذلك أنه مع إمكانية الترابط في الصناعة النفطية من خلال التكرير والصناعة البتروكيماوية، وبينها والصناعات الأخرى، وأهمية الترابط الجغرافي في نقل النفط والغاز، غير أن توفر عوائد مستقلة من تصدير النفط والغاز الذي تكون معظم اسواقه بعيدة أثبت أنه عامل من عوامل التنافر الاقتصادي في المنطقة العربية. ولعل مجلس التعاون الخليجي الغني بالنفط/الغاز يقدم مثالاً على ضعف الترابط الاقتصادي بين أعضاءه بالرغم من الانتظام في اقليم سياسي/اقتصادي رسمي خلال الثلاثة عقود ونصف الماضية.

(2-4) الاعتماد الاقتصادي

يعني التمكن (أو الاعتماد) الاقتصادي في هذه الورقة، لكل محافظة/منطقة، القابلية (أو عدمها) على تأمين مصدر مالي ذاتي (أساساً من العملة الأجنبية) بما يعادل حصة المحافظة/المنطقة من تخصيصات نفقات الميزانية الاتحادية. في ضوء ذلك يمكن الاستقراء، من مقارنة حجم الإنتاج النفطي/الغازي بالسكان (وعدد السكان هو من أهم أسس تحديد حجم تخصيصات الإنفاق للمحافظات في الميزانية) في جدول (1)، أن محافظتي البصرة وكركوك هي محافظات “متمكنة” وذات “فائض”. أي أن قيمة إنتاج/طاقة-إنتاج كل منها من النفط (مقيمة بأسعار التصدير) تفوق تخصيصاتها الانفاقية في الميزانية الاتحادية. ويمكن الاستقراء أيضاً من أرقام الجدول ومؤشرات 2014 وخطط التطوير النفطي أن محافظات ميسان وواسط (وربما ذي-قار في الأمد المتوسط) من ضمن “باقي المنطقة الجنوبية”، متمكنة أو قريبة من التمكن.[2] في المقابل، فإن المحافظات الأخرى في “باقي المنطقة الجنوبية” ومحافظات المنطقة الوسطى وبغداد ومرحلياً كردستان هي محافظات “عجز” مرتفع أو منخفض، في الوقت الحاضر وبعضها في الأمد المتوسط أيضاً.

وبسبب التوتر والنزاع في العلاقة بين الحكومة المركزية وكلاً من المنطقتين الوسطى وكردستان، مقارنة مع العلاقة بين المحافظات/المناطق الأخرى والمركز، سيُقتصر، فيما يلي، على تشخيص الحاجات المالية لهاتين المنطقتين، والذي قد يساهم تمويل العجز فيهما (مع اللا-مركزية) بجانب من التسوية السياسية المنشودة. ومن نافلة القول الإشارة إلى أن عدم تشخيص الحاجات المالية للمحافظات الأخرى، في هذه الورقة، لا يعني أن تمويل العجز فيها أقل ضرورة أو استعجالية، وإنما الهدف هو أبراز أحد أسس الأزمة الحالية مع المنطقتين المذكورتين.

وسيُستخدم مشروع موازنة 2014 كنقطة إشارة للميزانية الاتحادية، بعد تعديل تخصيصاتها الانفاقية لأخذ الظروف المستجدة بالاعتبار. وتتلخص هذه الظروف بانخفاض أسعار تصدير النفط وانخفاض رصيد وزارة المالية في صندوق تطوير العراق DFI وتكاليف العمليات العسكرية منذ منتصف 2014. فلقد أنخفض متوسط سعر النفط العراقي من 102.7 دولار/برميل في الربع الرابع من 2013 (فترة إعداد موازنة 2014)، موقع وزارة النفط، إلى ما يقدر بحوالي 85.4 دولار/برميل كمعدل للنصف الأول من تشرين أول 2014 (انخفاض 17%). كما انخفض رصيد وزارة المالية في صندوق تطوير العراق بشكل كبير من 18 مليار دولار في بداية 2013 إلى 6.5 مليار دولار في بداية 2014، وذلك لتمويـل عجـز ميـزانية 2013 (IMF, 2014). وبينما يتطلب انخفاض أسعار/عوائد تصدير النفط ورصيد وزارة المالية تخفيض تخصيصات النفقات في الموازنة الاتحادية فإن تكاليف العمليات العسكرية الإضافية تتطلب زيادتها. غير أن التخصيصات العسكرية الإضافية تتعلق اساساً بالنفقات السيادية في الموازنة. كما أن خدمة الدين الخارجي والتزامات أخرى، وهي جزء من النفقات السيادية، لا تتأثر بالظروف المستجدة، إلا إذا اعيدت جدولتها. ولأخذ حصيلة هذه الظروف بالاعتبار سنُقلص، لغرض الحساب في الفقرات التالية، التخصيصات الانفاقية غير-السيادية-والحاكمة في مشروع موازنة 2014 إلى 80% من مستواها في المشروع. ومن المعروف أن التخفيض يصيب التخصيصات الاستثمارية كما يحصل عادة عند انخفاض ايرادات الميزانية.

(1-2-4) كردستان

تبلغ حصة كردستان الكلية 17% من تخصيصات نفقات الميزانية الاتحادية. ويطرح عادة من هذه الحصة ما يسمى بالنفقات السيادية والحاكمة (خدمة الديون، تعويضات حرب الكويت، مشاريع اتحادية، الخ) للوصول إلى الحصة الفعلية. وفي مشروع موازنة 2014 بلغت حصة كردستان الكلية 23,826 مليون دولار في حين بلغت حصتها الفعلية 16,948 مليون دولار. وكما ذكر أعلاه، بأخذ الظروف المستجدة لانخفاض أسعار النفط ورصيد وزارة المالية في صندوق تطوير العراق فسنُقلص هذا المبلغ إلى 80% من مستواه ليصبح 13,558 مليار دولار (80% × 16,948). على هذا يمكن حساب كمية النفط (بما فيها كمية الغاز مقاساً ببراميل معادلة) من كردستان التي ينبغي تصديرها بحيث تساوي العوائد الصافية منها (أي العوائد ناقصاً كلفة الاستخراج والنقل إلى المنطقة الحدودية ودخل الشركات النفطية بعد دفع الإتاوة وضريبة الدخل والضرائب الأخرى) الحصة الفعلية من الميزانية. ويبين الجدول (2) أنه في ضوء مستوى كلفة الاستخراج وشروط عقود المشاركة في كردستان فإن الوصول إلى 80% من مستوى حصته الفعلية في مشروع موازنة 2014 يتطلب تصديراً يتراوح من 401 أ-ب-ي إذا كان سعر النفط 110 دولار/برميل إلى 765 أ-ب-ي إذا كان سعر النفط 60 دولار/برميل.

Merza Table 2

هل يستطيع الإقليم الوصول إلى هذه المستويات من الصادرات النفطية/الغازية، مقارنة مع تصدير حالي يبلغ، حسب وزير الطاقة التركي[3]، 240 أ-ب-ي ومتى؟ إن قيام سلطة الإقليم ببناء البنى الأساسية اللازمة لاكتفائه الذاتي لتصدير النفط المستخرج فيه من خلال ما بين 50 و60 عقد مشاركة مع الشركات الأجنبية وبناء خطوط أنابيب إلى تركيا (0.3 م-ب-ي، مع خط آخر مماثل يجري بناءه) خلال السنوات الماضية سيؤمن في النهاية احتياجات الإقليم المالية. لقد بلغ إنتاجه النفطي في 2012 حوالي 250 أ-ب-ي (IEA, 2012, P.22) ورُسمت موازنة 2013 الاتحادية على أساس تصدير من الإقليم بحدود 300 أ-ب-ي (ومشروع موازنة 2014 على أساس تصدير 400 أ-ب-ي).[4] وستزداد الكمية المنتجة تدريجياً تبعاً للهدف المعلن لسلطة الإقليم الوصول إلى مليون برميل في اليوم أو اكثر في نهاية هذا العقد وربما قبلها. مع العلم أن وكالة الطاقة الدولية تُسْقِط الإنتاج المستقبلي لكردستان بحدود 500-800 أ-ب-ي في 2020 و750-1,200 أ-ب-ي في 2035 (IEA, 2012, P.49).

إن قدرة الإقليم على التصدير ستعتمد على إمكانية الاتفاق مع الحكومة المركزية أو/و حل الاشكالات القانونية الدولية التي تعترض تصدير النفط من الاقليم.[5] وتعتمد ايضا على قدرته لتطوير حقوله حسب الخطط الموضوعة. ويصبح الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لتصدير نفط من مناطق متنازع عليها.[6] وفي كل الأحوال، ينبغي اعتبار صافي عوائد (العوائد ناقصاً التكاليف) كل ما يُصدَّر من إقليم كردستان من النفط الخام والمنتجات النفطية (المنتجة فيه أو في المناطق المتنازع عليها) كجزء من حصته في الميزانية الاتحادية.

(2-2-4)  المنطقة الوسطى

 بالرجوع إلى جداول مشروع موازنة 2014 الاتحادية، تبين حساباتنا الخلفية أن حصة المحافظات الأربعة في المنطقة الوسطى (نينوى، صلاح الدين، ديالى، الأنبار) من التخصيصات التشغيلية غير السيادية والحاكمة (رواتب الموظفين والرواتب التقاعدية والحصة التموينية وشبكة الحماية الاجتماعية والمستلزمات السلعية والخدمية)، بلغت حوالي 13,212 مليون دولار. وإذا اضيفت التخصيصات الاستثمارية يكون المجموع 25,727 مليون دولار. وبأخذ الظروف المستجدة المذكورة أعلاه يصبح المبلغ 20,582 مليار دولار (80% × 25,727). على هذا يمكن حساب كمية النفط (بما فيها كمية الغاز مقاساً ببراميل معادلة) من محافظات المنطقة الوسطى التي ينبغي تصديرها بحيث تساوي العوائد الصافية منها (أي العوائد ناقصاً كلفة الاستخراج والنقل إلى المنطقة الحدودية ودخل الشركات النفطية، بعد دفع ضريبة الدخل والضرائب الأخرى) الحصة من الميزانية. ويبين الجدول (3) أنه في ضوء مستوى كلفة استخراج تمثل متوسطاً لإقليم كردستان وباقي العراق وشروط اتفاق تجمع بين عقود المشاركة في كردستان وعقود الخدمة في المنطقة الوسطى فإن الوصول إلى حصة للمنطقة الوسطى تساوي 80% من مجموع تخصيصات النفقات التشغيلية والاستثمارية (غير السيادية والحاكمة) من مشروع موازنة 2014 يتطلب تصديراً يتراوح من 579 أ-ب-ي إذا كان سعر النفط 110 دولار للبرميل إلى 1,118 أ-ب-ي إذا كان سعر النفط 60 دولار للبرميل. أما الوصول إلى مستوى تخصيصات النفقات التشغيلية فقط (غير السيادية والحاكمة) من مشروع موازنة 2014 فإن حسابات مماثلة (لم يتم شمول تفاصيلها هنا) تبين أن ذلك يتطلب تصديراً يتراوح بين 372 أ-ب-ي إذا كان سعر النفط 110 دولار للبرميل إلى 717 أ-ب-ي إذا كان سعر النفط 60 دولار للبرميل.

Merza Table 3

هل تستطيع محافظات المنطقة الوسطى الوصول إلى هذه المستويات من الصادرات النفطية/الغازية ومتى؟ هنا يلاحظ أنه مع احتواء هذه المنطقة على احتياطي مثبت نفطي كبير وغازي ملموس (الجدول 1  أعلاه) ولكن إنتاجها الفعلي متواضع، أساساً من حقول عجيل ونفط خانة وكربارة وعين زالة وصوفيا بمجموع 65 أ-ب-ي في 2013، موجهة للاستهلاك الداخلي. مع العلم أنه يمكن زيادة مجموع الطاقة الإنتاجية لهذه الحقول المنتجة إلى 210 أ-ب-ي من خـلال الاستثمـار في البنيـة الأساسيـة اللازمـة (Al-Mehaidi, 2006). وبالنسبة للحقول المكتشفة غير المنتجة فلقد منحت الجولة الثانية للتراخيص (2009) عقدين لشركة (Sonangol) لتطوير حقلي القيارة/ديالى ونجمة/الموصل ذوي النفط الثقيل للوصول إلى مجموع إنتاج هضبة بحدود 230 أ-ب-ي. كما منحت الجولة الثالثة (2010) عقدين لتطوير حقلي غاز المنصورية/ديالى (شركة TPAO) وعكاز/الأنبار (شركة KOGAS) للوصول إلى مجموع إنتاج هضبة بحدود 7.2 مليار متر مكعب في السنة (ما يعادل 123 أ-ب-ي). واشتملت الجولة الرابعة (2012) على عقود استكشافية نفطية/غازية في المنطقة الوسطى لم تحدد فيها الطاقة الإنتاجية المستهدفة.

مما تقدم يتضح أنه مقارنة مع طاقة إنتاجية نفطية حالية بحدود 65 أ-ب-ي[7] فإن تنفيذ عقود التطوير النفطية/الغازية المشمولة في التراخيص النفطية الاتحادية في هذه المنطقة يمكن أن يحقق طاقة إنتاجية نفطية مقدارها 440 أ-ب-ي (نصفها نفط ثقيل قد يصعب تصديره) وغازية بمقدار 123 أ-برميل-معادل-ي. لذلك لتحقيق صادرات في حدود 372-717 أ-ب-ي لتعادل عوائدها حصة المنطقة من النفقات التشغيلية فقط في مشروع موازنة 2014 (الرواتب والإعانات الاجتماعية والحصة التموينية والتعليم والصحة) ينبغي أيضاً تنفيذ العقود الاستكشافية لإضافة طاقات جديدة تحقق هذا الهدف من التصدير وإشباع الاستهلاك المحلي. أما إذا كان الهدف تغطية جميع النفقات (حصة المنطقة من النفقات التشغيلية والاستثمارية في مشروع الموازنة) فينبغي تكثيف التطوير والاستكشاف بدرجة أكبر. ولكن هذا المستوى من التطوير والاستكشاف، إذا كان ممكنا، يتطلب وقتاً قد يفوق 8-12 سنة في ظل أحوال اعتيادية هادئة وتوافق سياسي داخلي وقبول دولي.

خامساً: الدعم المتبادل واللا-مركزية

يتبين من هذه الحسابات أن كردستان والمنطقة الوسطى يحتاجان مجتمعين إلى تصدير ما بين 0.98  و1.88 م-ب-ي لسد احتياجاتهما التشغيلية والاستثمارية العامة بمستوى 80% من تخصيصات نفقات مشروع موازنة عام 2014 والبالغة 34.1 مليار دولار (80%×[16.98 لكردستان+25.73 للمنطقة الوسطى]) لتعويض اعتمادهما على التمويل المركزي. وبإضافة متطلبات الاستهلاك المحلي للطاقة فإن الانتاج المطلوب يبلغ 1.20-2.31 م-ب-ي، اي بمتوسط 1.75 م-ب-ي. وتبعاً لزيادة الحاجة المالية ينبغي أن تزداد هذه الكميات مستقبلاً. ويقارن ذلك مع إنتاج في المنطقة الجنوبية بلغ في حزيران-آب 2014 متوسطاً قدره 2.89 م-ب-ي (إنتاج شركة نفط الجنوب وشركة نفط ميسان، وحقل الأحدب؛ موقع وزارة النفط الإلكتروني). وبينما يمكن زيادة الإنتاج والتصدير من البصرة وباقي المنطقة الجنوبية في الأمدين القصير والمتوسط فإن الزيادة بالمستويات المطلوبة لا يبدو ممكناً في الأمد القصير في إقليم كردستان. أما في المنطقة الوسطى فإنه غير ممكن في الأمد القصير وصعب المنال في الأمد المتوسط. لذلك تثار مسألة تمويل احتياجات محافظات المنطقة الوسطى وكردستان وباقي محافظات العجز من خارج هذه المحافظات.

إن توفير هذا التمويل هو من الأسس الضرورية لإسناد مشروع الادارة اللا-مركزية الذي سيساهم مساهمة فعالة في تخفيف التوتر/النزاع المجتمعي في سبيل إزالته. وخلال فترة انتقالية متوسطة المدى سيكون ذلك معتمداً على عوائد تصدير النفط والغاز من البصرة وباقي المنطقة الجنوبية وكركوك.[8] غير أن تحميل هذه المحافظات لعبء إعانة باقي العراق يحتاج إلى قبول عام واقتناع فيها بأن مثل هذه الإعانة تتم بدون تأثير سلبي قصير/متوسط الأمد مع تأثير إيجابي طويل الأمد. لذلك من المناسب تطبيق السياسات/الاجراءات السياسية والاقتصادية اللازمة لتأمين هذا القبول/الاقتناع. على سبيل المثال، صرف تخصيصات البترودولار في الميزانية العامة الاتحادية. من ناحية أخرى، فإن التوصل لعقد اجتماعي مستدام يكون أساساً للمواطنة والقبول العام العابر للطوائف والأثنيات، سيتيح المجال لمصلحة متبادلة بين المحافظات/المناطق في قبول تقديم الدعم مقابل العيش المشترك الآمن الخالي من حواضن الارهاب ويتحقق فيه تقاسم الموارد الطبيعية بما فيها الموارد المائية. وتتبين اهمية هذا الأمر الملحة من خطورة استمرار تواجد الجماعات المسلحة وبالعلاقة بذلك تتصاعد أرضية المطالب السياسية وتصعب تدريجياً إمكانية التسوية وتزداد احتمالات استمرار النزاع.

سادساً: استنتاجات

  • إن الخلافات الطائفية والأثنية والعلاقات التاريخية المتوترة بين جماعات ومناطق العراق المختلفة دفعت هذه الجماعات والمناطق إلى الجنوح نحو الاستقلال في القرار الإداري/الأمني/المالي. ولقد انعكس ذلك في الدعوة إلى الفدرالية/اللا-مركزية من قبل جماعات في الجنوب سابقاً/حالياً والوسط حالياً أو حتى دعوات في كردستان (ترتفع وتخفت حسب الظروف) إلى الاستقلال.
  • وفي ضوء الاستقطاب والخوف المتبادل الطائفي/الأثني دلت التجربة على صعوبة التوصل لاتفاق مستدام حول السلطة المركزية في ظل النظام السياسي والإداري القائم. ويمكن المساهمة في حل هذا الإشكال من خلال نظام يمنح جميع المحافظات في العراق بشكل مفرد أو ضمن مناطق لا-مركزية صلاحيات إدارية/امنية/مالية فعالة، ابتداءً بتطبيق قانون المحافظات 21 المعدل بشكل يوازن بين الصلاحيات اللامركزية للمحافظات/المناطق واستمرار فعالية سلطة مركزية ذات مصداقية وطنية. وبالإضافة لوجود مؤسسات اتحادية ذات مصداقية، يمكن أن يساعد ذلك على تأمين مشاركة مستدامة في السلطة المركزية.
  • وتثير اللا-مركزية مسألة التمكن/الاعتماد الاقتصادي للمناطق ودور الحكومة المركزية في التمويل. وفي دولة ريعية كالعراق فإن توفر الموارد النفطية/الغازية اصبح في الأمدين القصير والمتوسط  هو العامل الحاسم في هذا التمكن/الاعتماد.
  • وحتى يتحقق تطوير الموارد النفطية/الغازية للمناطق غير المتمكنة ينبغي تحديد حجم وطريقة تمويل واستخدام الإعانة المالية خلال المتبقي من هذا العقد وربما ما بعده.
  • وخلال هذه الفترة سيكون سد العجز المالي لمحافظات المنطقة الوسطى وكردستان وباقي المحافظات معتمداً، بدرجة أساسية، على تصدير النفط والغاز من محافظات البصرة وباقي المنطقة الجنوبية وكركوك. إن تحميل هذه المحافظات بهذا العبء يحتاج إلى قبول عام واقتناع فيها بان هذه الإعانة تتم بدون تأثير سلبي بل بتحقق تأثير إيجابي طويل الأمد يشمل، من بين أمور أخرى، العيش المشترك السلمي الآمن الخالي من حواضن الارهاب وتقاسم الموارد الطبيعية الأخرى بما فيها الموارد المائية. لذلك فإن استنباط السياسات/الاجراءات اللازمة لتأمين هذا القبول/الاقتناع، من ناحية، والتوصل لعقد اجتماعي مستدام يكون أساساً للمواطنة والقبول العام العابر للطوائف والأثنيات، من ناحية أخرى، سيتيح المجال لمصلحة متبادلة طويلة المدى بين المحافظات/المناطق.
  • ينبغي اعتبار صافي عوائد (العوائد ناقصاً التكاليف) كل ما يصدر من إقليم كردستان من النفط الخام والمنتجات النفطية (المنتجة فيه أو في المناطق المتنازع عليها) كجزء من حصته في الميزانية الاتحادية.

الهوامش


[1]  مستلة من: علي مرزا (2014).

[2] فيما يتعلق بمحافظة ميسان: نتيجة لزيادة الإنتاج في حقل حلفاية في أيلول ازداد الإنتاج في ميسان من 233 أ-ب-ي في تموز إلى 330 أ-ب-ي في أوائل ايلول (200 أ-ب-ي لحقل حلفاية و133 أ-ب-ي لحقول مجموعة-نيسان). وأعلنت وزارة النفط، في أواسط آب/أغسطس، عن بدء تدفق النفط من حقول مجموعة-ميسان وحلفاية، عبر انبوب جديد إلى الفاو بطاقة تصديرية تبلغ مليون برميل في اليوم. وتستوعب طاقة الانبوب الجديد الطاقة الإنتاجية المستهدفة لحقول مجموعة-ميسان وحلفاية والذي يبلغ مجموعها 985 أ-ب-ي، حسب عقود التراخيص النفطية (إنتاج الهضبة). فيما يتعلق بمحافظة واسط: أعلنت وزارة النفط عن بدء تدفق النفط لأول مرة عبر انبوب الصادرات النفطية الجديد من حقل بدرة (والذي يُستهدف أن يصل إنتاجه حسب عقد الترخيص إلى 170 أ-ب-ي) الى مستودعات الطوبا في البصرة. مع العلم أن إنتاج حقل الأحدب في واسط يبلغ حوالي 130 أ-ب-ي. موقع وزارة النفط، www.oil.gov.iq، 19 آب، 2014 وقناة الحرة/عراق 6 ايلول 2014.

[3] القناة الفضائية، الحرة/عراق، 15 تشرين أول 2014.

[4] ليس هناك أرقام رسمية متاحة من وزارة الموارد الطبيعية للإقليم أو من وزارة النفط الاتحادية عن حجم الإنتاج والتصدير من النفط الخام والغاز في الإقليم.

[5] صدر أمر قضائي أمريكي في تموز 2014 بمصادرة شحنة نفط كردستانية لمصلحة الحكومة العراقية حال دخولها المجال القانوني الأمريكي. موقع وزارة النفط 29 تموز 2014. ولكن في المقابل صدر امر قضائي أمريكي في 25 آب بالسماح لدخول شحنة نفط كردستانية تبلغ أكثر من مليون برميل. كما أن وزير الطاقة التركي صرح في 4 أيلول/سبتمبر 2014 أن الإقليم صدَّر عبر ميناء جيهان/تركيا 10 ملايين برميل منذ أيار/مايو 2014 (قناة الحرة/عراق 4 أيلول 2014 و Iraq Oil Report, 28 August, 2014).

[6] حسب Iraq Oil Report، في 16 تشرين أول 2014، بدأت سلطة الإقليم منذ منتصف تشرين أول/اكتوبر 2014 بسحب واستخدام كميات “كبيرة” (قد تصل إلى 200 أ-ب-ي) من النفط من حقول كركوك والواقعة في منطقة “متنازع عليها”.

[7] لا شك أن الطاقة الإنتاجية لهذه الحقول انخفضت بعد ما نقل عن قيام الجماعات المسلحة بحرق ثلاثة خزانات (وثلاثة آبار؟) نفط في حقل عين-زالة شمال غرب الموصل في 28 آب/أغسطس (ISW, 2014; Iraq Oil Report, 28 August, 2014).

[8] ازدادت مساهمة عوائد تصدير النفط من المنطقة الجنوبية من 79% من عوائد تصدير العراق (عدا كردستان) خلال الفترة 2009-2012 إلى 89% في 2013 وإلى حوالي 100% خلال نيسان-أيلول 2014 بعد توقف التصدير من كركوك (الموقع الإلكتروني لوزارة النفط). وستستمر الاهمية الكبيرة لعوائد تصدير النفط والغاز من هذه المنطقة في المستقبل، حتى بعد عودة تصدير النفط من كركوك.

 

المصـادر

كامل المهيدي (2013) “الاحتياطي النفطي في كردستان”، شبكة الاقتصاديين العراقيين، نيسان/أبريل.

علي مرزا (2014) “آثار اقتصادية لوضع جيوسياسي متغير”، شبكة الاقتصاديين العراقيين، 10 تشرين أول/أكتوبر، 2014.

عصام الخفاجي (2012) “تشكل العراق الحديث”، كلمن عدد 7، صيف 2012، www.kalamon.org.

Al-Mehaidi, K. (2006) ‘Geographical Distribution of Iraqi Oil Fields and its Relation with the New Constitution’, Revenue Watch Institute, May.

Cockburn, P. (2014) ‘ISIS Consolidates’, London Review of Books, 21 August 2014.

Haddad, F. (2011) Sectarianism in Iraq, Antagonistic Visions of Unity, Colombia University Press.

Institute for the Study of War, ISW (2014) Situation and Terrain Control Reports on Iraq: since January 2014, http://www.understandingwar.org/.

International Energy Agency, IEA (2012) Iraq Energy Outlook 2012, October.

Lewis, J. (2014) The Islamic State: a Counter-Strategy for a Counter-State, Middle East Security Report 21, Institute for the Study of War (ISW), Washington DC, July.

Merza, A. (2011), ‘Oil revenues, public expenditures and saving/stabilization fund in Iraq’, International Journal of Contemporary Iraqi Studies 5: 1, pp. 47–80, doi: 10.1386/ijcis.5.1.47_1.

OPEC (2014) Annual Statistical Bulletin 2014.

Tripp, C. (2000) A History of Iraq, Cambridge University Press.

* باحث وكاتب اقتصادي، October 17, 2014، merza.ali@gmail.com.

أشكر السادة: كامل المهيدي وكامل مهدي ونبيل النواب وزيد حبة على ملاحظاتهم القيمة على مسودة أولية اوسع من هذه الورقة.

الاراء الواردة في كل المواد المنشورة على موقع شبكة الإقتصاديين العراقيين لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير وانما عن كاتبها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية العلمية والقانونية لوحده

حقوق النشر محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين و يسمح بالاقتباس وإعادة النشر بشرط الإشارة إلى موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين.

http://iraqieconomists.net/ar

ملحـق

الإنتاج والاحتياطيات المثبتة من النفط والغاز

Merza Table 4

Merza Table 5

/

Comments (4)

  1. فاروق يونس
    فاروق يونس:

    يقول الدكتور ثامر العكيلى فى مقدمة مقاله المنشور على شبكة الاقتصاديين العراقيين فى 15/5/2013 والموسوم ب ( ادارة قطاع النفط والغاز ( ارتبط ملف النفط والغاز العراقى دائما مع استقلال واستقرار العراق ويتطلب ادارة قطاع النفط بسبب خصوصيته وتنوعه الى الادارة الفعالة والامن وحكومة مركزية قوية ) انتهى الاقتباس
    ضمن هذه النظرة الموضوعية لقطاع النفط والغاز العراقى
    تاتى دراسة الدكتور على مرزا مكملة للدراسة المذكورة ولكن بمنهج علمى جديد لم يسبقه اليه احد من الباحثين يتمثل فى استراتيجية ( التمكن والاعتماد الاقتصادى للمناطق واللامركزية فى العراق ) وهو عنوان بحثه القيم
    فى هذا السياق يقول الباحث ( بالرغم من انتشار الموارد النفطية /لغازية فى انحاء العراق —– سيمثل شكل السيطرة على هذه الموارد وادارتها وتوزيعها احد التحديات التى تواجهها وحدة او تنافر المناطق والمكونات المختلفة فى العراق )
    والجديد فى هذا البحث المتميز هو تجنب التقسيم الطائفى/ الاثنى لمناطق العراق وبدلا من ذلك ذهب الباحث الى تقسيم اقتصادى/ جغرافى لا يرتبط بتقسم طائفى بل ( هى مناطق ممتزجة الطوائف والاثنيات بدرجة او باخرى –حددت على اساس حجم الموارد النفطية / الغازية والطاقات الانتاجية الحالية فبها )
    استهدف الباحث من هذا التقسيم ( تشخيص مناطق التمكن و مناطق الاعتماد )
    ومع تاكيد الباحث على ( ان توفر الطاقات الانتاجية النفطية / الغازية العامل الحاسم فى التمكن او الاعتماد الاقتصادى / المالى للوحدات او المناطق اللامركزية —- فان غياب تسوية سياسية / ادارية مستدامة وسياسات وادارة اقتصادية اتحادية متكاملة فان توفر الامكانيات والطاقات الانتاجية
    النفطية والغازية فى المناطق يشجع فى الامد البعيد على تركز الانعزال الاقتصادى )
    لقد قدم الاستاذ الدكتور على مرزا روْيا وستراتيجية واهداف واضحة المعالم لمن يريد العمل باتجاه استمرار العراق كدولة موحدة

  2. Avatar
    محمد سعيد العضب:

    مداخله حول دراسة الدكتور علي ميرزا
    من خلال توصيف محكم لا وضاع العراق تطرق الباحث الي موضوعه هامه تمحورت في تصورات محتمله الي تقسيم العراق ليس علي اسس اثنيه او طائفيه ,بل انطلاقا من اعتبارات ومقومات اقتصاديه بحته اعتمادا علي مدي توافر الموارد المادية في مثل هذه التقسيمات المحتملة (بغض النظر عن مدي توافر المورد البشري الهام )
    ومن المتابعة الدقيقة للبحث القيم نري انه ركز علي الإجابة علي سؤال حيوي وهام عن شكل دوله العراق الجديد المطلوب والممكن من ناحيه , العلاقة بين المركزية واللامركزية او بناء العراق علي نمط اقاليم او غيرها من الاشكال في بناء الدول, وغيرها من مستحكمات تغلف الواقع العراقي من ناحيه اخري
    . فمثل هذا المنهج ان صح , لكنه ظل بعيدا من طرح , او ربما تحاشي تناول دور القوي الفاعلة التي ساهمت في خلق مثل هذه الاوضاع المستجدة والغريبة .
    من هي هذه القوي انها , كما معروف :
    *قوي داخليه متسلطة دينيه المنبع والتوجه التي تنظر عموما الي البناء والحكم قوه ربانيه لا يمكن تجاوزها. من هنا لابد التساؤل عن دور ها في تغييب فكر رائد لتعضيد بناء دوله حقه خصوصا ,انها ركزت علي فرعيه واحده فكره استرداد مظلومية ضاعت لشريحه مجتمعيه عبر التاريخ الاسلامي العتيد وليس للعراق واهله المسؤولية الوحيدة في ذلك .
    * قوي اقليميه منها بالدرجة الاولي السعودية وخوفها من التمدد الشيعي, وايران التي ترمي اثبات حضورها الدولي والاستحواذ ما امكن علي ربوع هامه من العراق مثل البصره وميسان والاهوار , تركيا التي تأمل اللعب في عوده الحكم العثماني و سلاطين الاسلام , الاردن الذي يأمل لمصالح انانيه استغلال الجذور العشائرية, المتدده عبر الانبار من ناحيه , والتلامح التجاري مع شرائح واسعه من رجال المال والجاه من عراق قديم وجديد وبالطبع لا يمكن اهمال دور اسرائيل ,التي استهدفت من كله بناء شرق اوسط علي مراميها الخاصة وبالدعم الاميركي المعلن او المستتر ؟
    جميع هذه القوي لعبت دورا هاما في المساءة العراقية الأخيرة ولابد اخذها في نظر الاعتبار في طروحات الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد
    مع ذلك يظل تسأول حق هل يتسطيع العراق الخروج من مأساته التي بدات منذ عام 1963 ولغايه يومنا الحاضر , حينما ابتلي بقوي وساسة جعلت مصالحها فوق الوطن وادخلت البلد في حروب وايدت احتلال مزمن بكافه انماطه .
    عموما يمكن القول ان الدراسة المهمة هذه قد اغفلت , بل تحاشت بعموم مدخلاتها و مجمل أطروحاتها العديدة التي اصابت بعضها واخفقت في غيرها , رغم اهميتها واسنداها الأكاديمي, اهملت دور القوي الفاعلة وحمله البناء او الهدم الممكنة المشار اليها اعلاه من ناحيه ,مدي ضياع التصورات سوآءا محليه او اقليميه , فشل النخب الحاكمة في العراق خلال العقد الاخير من تقديم نموذج اداري محكم و مناسب لمواجهه التحديات الكبيرة التي تهدد البلد واهله ومقومات كيانه من ناحيه اخري .
    برز التحاشي جليا في هذا البحث المحكم عن تناول القوي الفاعلة والمؤثرة في تردي اوضاع العراق, بل ضياعه, وهي بشكل محدد القيادات الكرديه وصراعاتها الأنانية , جحافل الشيعة واختلاف مرجعتيها ما بين قم والنجف ودور ايران الكاسح , فصائل السنه وتبعياتها للسعودية وتركيه , علاوة علي ما استطاعت اسرائيل من فرض نفوذها علي فصائل الحكم المختلفة في العراق بشكل مباشر او غير مباشر مستتر او علني .
    من هنا يمكن القول ان الباحث اراد تحاشي الدخول في او الولوج الي تحديد بوضوح القوي الداعيه الي تقسيم العراق بنماذجه او انماطه المتباينه , وخليفات الدوافع له سواء اثنيه وعرقيه طائفيه ,اقتصاديه , او انطلاقا من ارادات ومصالح خارجيه بحته

  3. Avatar
    كامل العضاض:

    الزملاء والأساتذة الأفاضل
    الأخ الفاضل د. علي مرزا المحترم
    تابعت مقال الزميل د. علي مرزا، “التمكن والإعتماد الإقتصادي واللامركزية في العراق” بكثير من الإهتمام، لاسيما وأن الأستاذ مرزا يسند بحوثه، عادة، ببينات ومؤشرات كمية، مما يضفي عليها الكثير من الموضوعية. لي وجهة نظر في هذا الموضوع، حيث وجدت أن تعقيب الزميل الأستاذ د. محمد العضب، قد تناول تأثير العوامل السياسية الفاعلة، الداخلية، اساسا، والخارجية الإقليمية أيضا، مما اضفى تكاملا مع بحث الأخ مرزا. واقول بهذا القول، لإني، في الواقع، قد إشتغلت على هذا الموضوع، من خلال دراستين، الأولى نُشرت، تحت عنوان؛ ” الآن، الآن، يبدأ التقسيم الفعلي للعراق”، وذلك بعد الهجوم الداعشي على الموصل في 10 حزيران الفائت، وبعد إنعقاد مؤتمر عمان في الأردن لاحقا، لبعض قادة الشيوخ العشائريين السنة، وما يُسمى بفصائل المقاومة السنية، وجماعة حارث الضاري وبشار فيضي، وغيرهم، حيث تبلور موقف طائفي لتوظيف حدث إحتلال داعش للموصل من اجل تحقيق تقسيم لمنطقة الموصل والمحافظات الوسطى المجاورة لها، بما سيعزز، في الواقع، من ضراوة الصراع الطائفي والأثني الدائر منذ ما بعد إحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وحلفاءها في نيسان من عام 2003، حيث جرى تشجيع وتوظيف حالة تحويل الشعب العراقي الى مكونات متصارعة، طائفية/مذهبية وعرقية قوموية. والدراسة الثانية بعنوان، “النفط ومخاطر تجزئة العراق” حيث بحثنا تداعيات الإصطراع الطائفي والعرقي ودورها ليس فقط في تفويت فرصة إستغلال العوائد النفطية الفائضة مركزيا، للخروج من مأزق الريعية، إنما ايضا في إضاعة إمكانية تحقيق تنمية مستدامة لصالح الشعب العراقي برمته وبشرائحه الإجتماعية والدينية والأثنية؛ ونأمل أن نعمق هذه الدراسة الثانية بأ قرب فرصة متاحة.
    وفي الوقت الذي نقدر فية مساهمة الزميل د. علي، نشيد ايضا بملاحظات الزميل د. محمد العضب. ونود في هذا المجال المحدود بهذا التعليق السريع، ان نبين، بإيجاز أهم ملاحظاتنا حول مقال أخينا الدكتور على مرزا، كالآتي:
    1. نعم، أن المخاوف أو الشكوك التي عبّر عنها الدكتور علي حول شكل التقسيم الآتي، في ضؤ الصراعات الطائفية وأحداث الإحتلال الداعشي للموصل وأجزاء واسعة من محافظات الأنبار وديالى وصلاح الدين هي مخاوف واقعية، قد تفضي الى إنشاء دويلات متناحرة بل ومتحاربة، وهو إذ لم يتبن مثل هذا الرأي، بل إقترح صياغات لتقاسم العوائد النفطية ضمن نظام من اللامركزية الفضفاضة. بل وهو يقترح تطبيق نظام المحافظات المعدل، كحل لمشكلة الصراع على العوائد النفطية.
    2. أشار الدكتور العضب الى ضراوة العوامل السياسية المتمثلة بالصراع الطائفي والأثني الكردي، وسمّاها بالعوامل الفاعلة، وهي في ظروف العراق الحالية، وبغياب أو تدني وحدة الشعور بالإنتماء الوطني العراقي، ستفعل مفعولها، ما لم يجر إستنهاض الوعي الوحدوي الوطني، ليس على اساس عاطفي أو وعظي، بل على اساس البرهنة على أن تقسيم موارد الى العراق الى أقاليم متناحرة على الموارد، دونما توفر عوامل تنموية فعالة في أي منها، سيؤدي ليس فقط الى الهدر وإنما الى الفشل الذريع في تحقيق تنميات ذات جدوى إقتصادية لدى أي من هذه الأقاليم الثلاثة او أكثر المحتملة، حيث ستنشأ صراعات مريرة على الموارد، مقابل ضياع حالة التكاملية الإقتصادية بين هذه الأقاليم. وليس هي فقط العوائد النفطية التي ستنضب في إقليم كردستان خلال ربع قرن، وكذلك في الإقليم السني، ولكن قد تدوم لقرنين في الإقليم الشيعي، في حالة لم ينقسم فيها هو بدوره الى أقاليم؛ البصرة، بغداد وضواحيها، وهناك من يدعو الى جمهورية سومرية في ذي قار! ولكن ايضا سينشأ صراع على الموارد المائية المنسابة من الشمال الى الجنوب، كما ستتحكم البصرة بالمنفذ البحري الوحيد. فضلا عن ذلك، نعلم بأن التنمية المجزية إقتصاديا وفنيا، تتطلب سوق محلية واسعة، ومعروف أن الدول الصغيرة، بأقل من عشرة ملايين نسمة لا تتمتع بسوق محلية مجزية لإقامة مشاريع تنموية كافية لتغنيها عن الإعتماد على النفط الناضب. فإقليم كردستان بسكان لايتجاوز عددهم الأربعة مليون نسمة ومحاط بأسوار دول مجاورة متحكمة وغير مشجعة لقيام دويلة كردية على حدودها، والإقليم السني بسوق تقل عن عشرة مليون نسمة وبدون موارد غير نفطية كافية وبدون منفذ بحري وبدون مقومات صناعية، ماذا ستفعل بحصتها من العوائد النفطية سوى لتغذية حالة الإستهلاك الرث! كما سيعاني إقليم أو إقليمي الشيعة من ضمان تدفق مياه النهرين ومن الإفتقار الى سوق أوسع والى خطوط مواصلات الى دول الجوار في غرب وشمال العراق. وثمة عوامل أخرى سنفصلها في دراستنا القادمة.
    نخلص مما تقدم أن النفط وعوائده الناضبة ستتحول الى نقمة وصراعات وتجزئة وربما حروب لا تنتهي، مالم يعي كل طرف من السياسيين المتمترسين في أرديتهم الطائفية المذهبية والأثنية القوموية، بأنهم بالنتيجة سيخسرون جميعا، فضلا عن فقدان قدراتهم التساومية، اي يتحولون الى تابعين الى هذه الدولة أو تلك في المنطقة المجاورة أو خارجها، فإيران وتركية والسعودية والشركات النفطية، كلها جاهزة لإقتسام الفرائس التي رضيت أن تصبح فرائس رخيصة.
    كامل العضاض
    On Thursday, 30 October 2014, 23:33, Mohammad Aladhub wrote:
    !مداخله حول دراسة الدكتور علي ميرزا الموسومة ” التمكن والاعتماد الاقتصادي واللامركزية في العراق
    من خلال توصيف محكم لا وضاع العراق تطرق الباحث الي موضوعه هامه تمحورت في تصورات محتمله الي تقسيم العراق ليس علي اسس اثنيه او طائفيه ,بل انطلاقا من اعتبارات ومقومات اقتصاديه بحته اعتمادا علي مدي توافر الموارد المادية في مثل هذه التقسيمات المحتملة (بغض النظر عن مدي توافر المورد البشري الهام )
    ومن المتابعة الدقيقة للبحث القيم نري انه ركز علي الإجابة علي سؤال حيوي وهام عن شكل دوله العراق الجديد المطلوب والممكن من ناحيه , العلاقة بين المركزية واللامركزية او بناء العراق علي نمط اقاليم او غيرها من الاشكال في بناء الدول, والمستحكمات اللاخري التي تغلف الواقع العراقي من ناحيه اخري .
    فمثل هذا المنهج ان صح , لكنه ظل بعيدا من طرح , او ربما تحاشي تناول دور القوي الفاعلة التي ساهمت في خلق مثل هذه الاوضاع المستجدة والغريبة .
    وهذه القوي الفاعلة هي:
    *قوي داخليه متسلطة دينيه المنبع والتوجه التي تنظر عموما الي البناء والحكم قوه ربانيه لا يمكن تجاوزها. من هنا لابد التساؤل عن دور ها في تغييب فكر رائد لتعضيد بناء دوله حقه , خصوصا انها ركزت علي فرعيه واحده “فكره استرداد مظلومية” ضاعت لشريحه مجتمعيه عبر التاريخ الاسلامي العتيد ليس للعراق واهله المسؤولية الوحيدة في ذلك .
    * قوي اقليميه منها بالدرجة الاولي السعودية وخوفها من التمدد الشيعي, وايران التي ترمي اثبات حضورها الدولي , وتركيا التي تأمل اللعب في عوده الحكم العثماني واسلام السلاطين , والاردن الذي يأمل لمصالح انانيه استغلال الجذور العشائرية والتلاحم مع اصحاب المال والجاه في العهد السابق او الحالي , وبالطبع اسرائيل بشكل مباشر او مستتر ,التي استهدفت من كله بناء شرق اوسط علي مراميها الخاصة ؟ جميع هذه القوي لعبت دورا هاما في المأ,ساة العراقية الأخيرة.
    هل يستطيع العراق الخروج من مأساته التي بدأت منذ عام 1963 ولغايه يومنا الحاضر , حينما ابتلي بقوي وساسة جعلت مصالحها فوق الوطن ,كما ادخلت البلد في حروب , وايدت احتلال مزمن .
    عموما يمكن القول ان الدراسة المهمة هذه قد اغفلت , بل تحاشت بعموم مدخلاتها و مجمل أطروحاتها العديدة التي اصابت بعضها واخفقت في غيرها , رغم اهميتها واسنادها الأكاديمي, اهملت دور القوي الفاعلة وحمله البناء او الهدم الممكنة المشار اليها اعلاه من ناحيه ,مدي ضياع التصورات سوآءا محليه او اقليميه , فشل النخب الحاكمة في العراق خلال العقد الاخير من تقديم نموذج اداري محكم و مناسب لمواجهه التحديات الكبيرة التي تهدد البلد واهله ومقومات كيانه من ناحيه اخري .
    برز التحاشي جليا في هذا البحث المحكم عن تناول القوي الفاعلة والمؤثرة في تردي اوضاع العراق, بل ضياعه, وهي بشكل محدد القيادات ا لكرديه وصراعاتها الأنانية , جحافل الشيعة واختلاف مرجعتيها ما بين قم والنجف ودور ايران الكاسح , فصائل السنه وتبعياتها للسعودية وتركيه , علاوة علي ما استطاعت اسرائيل من فرض نفوذها علي فصائل الحكم المختلفة في العراق بشكل مباشر او غير مباشر مستتر او علني .
    من هنا يمكن القول ان الباحث اراد تحاشي الدخول او الولوج الي تحديد القوي الداعية الي تقسيم العراق بنماذجه المتباينة , خلفيات الدوافع سواء اثنيه ,طائفيه او اقتصاديه او انطلاقا من ارادات ومصالح خارجيه بحته اخري .
    2014-10-26 5:23 GMT+01:00 Dr. Barik Schuber :
    New post on Iraqi Economists Network | شبكة الاقتصاديين العراقيين
    د. علي مرزا*: التمكن والاعتماد الاقتصادي للمناطق واللا-مركزية في العراق
    لتنزيل النص الكامل للدراسة كملف بي دي أف أنقر هنا
    أولاً: مقدمــة[1]
    منذ بدء الاحتجاجات في محافظة الأنبار ومناطق أخرى في وسط العراق في أواخر 2012 وتحولها تدريجياً إلى تصعيد عسكري، توسع مسرح عمليات الجماعات المسلحة وخاصة داعش ضد القوات المركزية. وخرجت الفلوجة ثم أجزاء أخرى من الأنبار منذ أوائل 2014 عن السيطرة الحكومية لتصل منعطفاً خطيراً في 10 حزيران 2014 باحتلال الجماعات المسلحة لمدينة الموصل، بعد أن كانت تحت نفوذهم لفترة طويلة. ثم احتلت مدن ونواحي من محافظتي صلاح الدين والأنبار وأنحاء من محافظتي ديالى وكركوك (ISW, 2014). و”فُتِحت” الحدود مع شرق سوريا، في 29 حزيران. وبالنتيجة تحددت في العراق، من الناحية العسكرية، ثلاثة مناطق، تتغير تخوم وامتدادات ومواقع سيطرة اثنان منها مع/في المنطقة الوسطى حسب مجرى العمليات العسكرية، (ISW, 2014, Lewis, 2014, Cockburn, 2014):
    (1) كردستان وأجزاء من محافظتي كركوك ونينوى بعد أن دخلت قوات البيشمركة مناطق “متنازع عليها” ومناطق أخرى بما فيها حقول نفط كركوك.
    (2) المنطقة الوسطى شمال بغداد (نينوى، صلاح الدين، ديالى، الأنبار). وهي المسرح الاساس للعمليات العسكرية. ولا زالت اجزاء مهمة منها تحت سيطرة القوات الحكومية والمتطوعين أو/و العشائر الموالية والبيشمركة. ولقد تصاعدت جهودها في استجماع شملها وتنسيقها منذ أواخر آب لاستعادة السيطرة على الأجزاء الأخرى. ولكن من ناحية ثانية، فإن الجماعات المسلحة لا زالت تسيطر على مواقع استراتيجية ولوجستية فيها وامتداداتها إلى سوريا. ويقع ضمن مجالها خط أنبوب تصدير النفط من كركوك إلى جيهان/تركيا. كما قامت باستخراج النفط في بعض حقول منطقة حمرين كحقل عجيل، (Iraq Oil Report, 9 July, 2014).
    (3) بغداد والمنطقة الجنوبية. وهي تحت سيطرة الحكومة المركزية، مع تكرر الهجمات الارهابية حول “حزام” بغداد وفي داخلها.
    ولقد أثارت ممارسات الجماعات المسلحة في التهجير والاضطهاد والقتل ضد الاقليات والخصوم في المنطقة الوسطى استنكاراً عالمياً واسعاً أعقبه إجراءات لمساعدات انسانية. ونتيجة لمهاجمة هذه الجماعات لمناطق محيطة بكردستان بما في ذلك سد الموصل وكذلك تهديد أربيل في أوائل آب، رافق الإسناد السياسي الدولي تكثيف القصف الجوي الأمريكي (ودول أخرى، فيما بعد) لمواقع هذه الجماعات في العراق. وقررت دول من الإتحاد الأوربي وحتى إيران تزويد كردستان بالسلاح. وفي خطابه في 10 أيلول أعلن الرئيس أوباما عن “استراتيجية لحلف دولي” لمكافحة الارهاب تقوم على توسيع القصف الجوي في العراق (وإمكانية امتداده إلى سوريا، الذي بدأ فعلاً في أواخر الشهر) بالإضافة لتدريب وإسناد القوات العراقية ووقف تدفق المتطوعين وتجفيف منابع تمويل داعش، وأخيراً تقديم مساعدات انسانية.
    ثانياً: الخلاف والوفاق المجتمعي
    مما تقدم يتبين أن وحدة العراق وسلامة أراضيه تتعرضان، في الوقت الحاضر، إلى مخاطر وتهديد جدي يتعدى بكثير ما تعرضتا له منذ تشكيل الدولة في 1921. وهناك من يرى أن هذه المخاطر والتهديد، الذي تكرر، بدرجات عنف مختلفة، اكثر من مرة منذ ذلك التاريخ، ينبع من أن الدولة تشكلت في حينه من مناطق وطوائف وأثنيات متباينة ولقد جمعها مشروع فرضته اصطناعاً بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى. في المقابل، هناك من يرى أن الترابط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي/الحضاري لمناطق العراق ومكوناته تطور تدريجيا، خلال قرون سبقت القرن العشرين، ليصبح نتيجة لذلك منطقة مترابطة واحدة في بداية القرن. وبالنتيجة فإن ما فُرِض كان واقعاً وليس اصطناعاً، الخفاجي (2012).
    وعلى كل حال، فلقد أعقب تشكيل الدولة تَطَوِر الترابط والتفاعل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وتَكَوِن جامع حضاري/ثقافي/فني من خلال التعليم وفي الصحف والنشر والإعلام والشعر والأدب وفي حركات سياسية موحِدة، وكذلك من خلال الخدمة العسكرية الإلزامية، أدت جميعها إلى نشوء شعور وطني عراقي.
    ولكن كل ذلك لم يؤدي إلى تكوين عقد اجتماعي مستدام. فالمناطق المختلفة ومكوناتها، بالرغم من زيادة ترابطها وتفاعلها وعلاقاتها واقترابها من تكوين هوية وطنية عراقية جامعة، انما مسكتها القوة العسكرية والأمنية للحكومة المركزية. ففي خلال الحكم الملكي ومع نشوء حركات سياسية قطرية/وطنية ويسارية وقومية عابرة للطوائف والأثنيات، خاصة في المدن، فإن الدولة واجهت انتفاضات وتمرد عشائري متكرر في الفرات الأوسط والجنوب وفي الشمال لتعكس، بجانب منها، توتر طائفي وأثني أمكن التغلب عليه بالقوة. مع ملاحظة انه حتى العقد الأخير من القرن الماضي، كان تكرر الحملات العسكرية في الشمال شاهداً على توتر أثني مزمن. وبعد 1958 استمرت قوة السلطة المركزية، مع اندلاع النزاع اليساري-القومي الذي ربما كان، بجانب منه، يخفي توتراً طائفياً. وبعد 1968، كان للقبضة الأمنية القوية، من ناحية، وتوسع الاستخدام في الدولة ومن ثم الارتفاع بالمستوى المعيشي نتيجة الإيرادات النفطية المتزايدة، من ناحية أخرى، أثر في تخفيف أو خمود هذا التوتر. ولكن باندلاع الحرب العراقية-الإيرانية وعمليات التهجير والاضطهاد، وبروز احزاب دينية معارضة، تقوى البُعد الطائفي في المجتمع. وتُمَثِل انتفاضة 1991 بعد حرب الكويت، من ناحية، والحملة الإيمانية للنظام خلال التسعينات، من ناحية أخرى، عاملاً هاماً في تركيـز هذا البُعد مجدداً (Haddad, 2011). أما بَعد 2003 فلقد تم مأسسة هذا البُعد في النظام السياسي والذي غلبت الممارسة والخطاب الطائفي/الأثني فيه على ممارسة وخطاب التوحيد. وجاء النزاع المسلح خلال 2005-2008 ثم العمليات العسكرية الجارية لتوسع الشرخ المجتمعي.
    ولقد رافق التوتر الطائفي/الأثني أو تمت من خلاله انواع اخرى من النزاع، قد تكون أكثر أساسية منه، مثل النزاع على الموارد الطبيعية وبالذات النفطية وربما، يعتقد بعض الباحثين، حتى أشكال من النزاع الطبقي. وبالرغم من انتشار الموارد النفطية/الغازية في أنحاء العراق، كما سيرد أدناه، فإن هذه الموارد متركزة في الجنوب أساساً وفي الشمال بالدرجة التالية. إن السيطرة على المنابع ومن ثم العوائد النفطية/الغازية كان من أهم الوسائل لتحقيق التمكن الاقتصادي ومن ثم التمكن السياسي والمسك بزمام السلطة سواء كان على مستوى السلطة المركزية (Tripp, 2000) أو حديثاً في إقليم كردستان، وقد يمتد ذلك، فيما يبدو، إلى المحافظات. وبالنتيجة سيمثل شكل السيطرة على هذه الموارد وإدارتها وتوزيعها أحد التحديات التي تواجهها وحدة أو تنافر المناطق والمكونات المختلفة في العراق.
    وهنا تكمن جذور معضلة جوهرية. فمن ناحية، أثبتت الحكومات المركزية، خلال ما يزيد على تسعة عقود، بدرجات مختلفة، على عدم قدرتها على اتباع حوكمة رشيدة جامعة لكافة المناطق والمكونات مما أدى بالنتيجة إلى استمرار توتر/نزاع، يزداد ويخفت حسب الظروف. بالإضافة لذلك فإنها أثبتت خاصة منذ أواخر سبعينات القرن الماضي على تواضع إدارتها للموارد النفطية، خاصة: (أ) أثناء 1980-2003، من خلال إنفاق جزء كبير من عوائدها على حروب ومغامرات اقليمية ومن ثم ربطها بأقساط خدمة ديون وتعويضات خارجية سنوية والتزامات أخرى طويلة الأمد، (ب) بعد 2003، من خلال ضياع جزء مهم من عوائدها نتيجة للفساد والمحسوبية والنزاع الطائفي/الأثني. كل ذلك دفع/يدفع إلى بروز دعوات لتكوين إدارات ذاتية مستقلة للمحافظات/المناطق على غرار التجربة الكردستانية، والتي تقود بالنتيجة إلى إضعاف جدي للسلطة المركزية. ولكن في المقابل، هناك عوامل اقتصادية (توفر الموارد الطبيعية، سعة السوق، ترابط الموارد المائية، الخ) وأمنية (خاصة في حالة الوصول إلى توافق مجتمعي وما يؤدي أليه من سلم أهلي وتحجيم للتدخل الإقليمي)، وموضوعية/ذاتية (علاقات ووشائج اجتماعية وثقافية/حضارية وسكانية، الخ) ودولية/اقليمية، كلها تبرر أو تدفع باتجاه استمرار العراق بدولة موحدة، يكون لسلطة مركزية مقتدرة ذات مصداقية وطنية ومؤسسات اتحادية فعالة دور أساس في الحفاظ عليها.
    ومع صعوبة إيجاد تسوية مستدامة لهذه المعضلة، التي استمرت طويلاً، فإن تطبيق إدارة لا-مركزية “متوازنة” للمحافظات/المناطق وتقرير آلية للمشاركة في الموارد النفطية خاصة من المناطق المتمكنة اقتصادياً (الغنية بالنفط/الغاز) نحو مناطق “العجز”، يمكن أن تكون عناصر أساسية لأي حزمة تستهدف تحقيق هذه التسوية. لذلك ستركز هذه الورقة على بعض جوانب هذين العنصرين، تباعاً في الفقرات التالية.
    ثالثاً: المركزية واللا-مركزية
    تعرضت سلطة الادارة المركزية للانحسار منذ صدور قرار مجلس الأمن بفرض مناطق حضر الطيران في 1991 والتي أدت إلى تحول اقليم كردستان إلى منطقة مستقلة عن المركز. ثم امتد الانحسار إلى المنطقة الوسطى بعد 2003، خاصة خلال 2005-2008، لتخرج أجزاء مهمة منها فعلياً عن سلطة المركز منذ حزيران 2014. وقد يصبح من الصعب عكس الانعزال الفعلي الحالي لمناطق العراق، بعد انتهاء العمليات العسكرية، بدون ادراك حقيقة أنه كما في كردستان فإن العودة إلى إدارة مركزية لباقي العراق كما كانت قبل 10 حزيران، اصبحت غير مقبولة سياسياً أو إدارياً. إن ما يمكن تأمله هو تحويل هذا الانعزال إلى تنظيم إداري/مالي يساهم في إعادة التوحيد الاقتصادي. وبالرغم من وجود شواهد قوية تبين أن عرب العراق يفضلون استمرار دولة موحدة فإن هذه الوحدة، إن كانت ممكنة في ظل الاستقطاب الطائفي، تتطلب إدارة لا-مركزية واضحة بوحدات جغرافية ذاتية الإدارة. ولقد وجد ذلك صدى في تأكيد رئيس الوزراء الجديد على اللا-مركزية، في المرحلة المقبلة، عند عرضه لبرنامج حكومته في جلسة نيل الثقة في مجلس النواب في 8 أيلول/سبتمبر 2014.
    ويثار تساؤل حول شكل الادارة اللا-مركزية في العراق. هل سيكون في الإبقاء على المحافظات (خارج كردستان) كما هي ولكن بتطبيق قانون المحافظات (رقم 21 لسنة 2008) المعدل، أو في انتظامها في مناطق/أقاليم؟ ولعل تجنب العديد من المعلقين وبعض الجهات السياسية لخيار انتظام المحافظات (خارج كردستان) بمناطق أو أقاليم نابع من عاملين. الأول، التخوف من أن يؤدي ذلك إلى تحويل المناطق/الأقاليم بالنتيجة إلى دويلات طائفية/أثنية متصارعة وتدَخُّل اقليمي ودولي مستمرين. والعامل الثاني، يتمثل في الخشية من نشوء إقليم/أقاليم في البصرة/المنطقة الجنوبية بنفس الاستقلالية التي يتمتع بها إقليم كردستان وما لذلك من تبعات في إضعاف المناطق الاخرى سياسياً وتحجيم أكبر لمجال نفوذ وإدارة السلطة المركزية، كون هذه المحافظة/المنطقة هي المعول عليها، في المقام الأول، في الأمد القصير/المتوسط في تمويل باقي المناطق والمركز من خلال الميزانية الاتحادية. ولكن من الجدير الإشارة إلى أن هذه الخشية قائمة، عند تطبيق قانون المحافظات، حتى عند بقاء المحافظات كما هي وعدم انتظامها بمناطق أو أقاليم. فلقد ورد في التعديل الصادر في 8 آب/أغسطس 2013، لقانون المحافظات، مجموعة من الفقرات/المواد التي يمكن أن تزيد من استقلالية المحافظات غير المنتظمة بأقاليم، عن السلطة المركزية، فيما يخص صلاحياتها ومواردها المالية. ففي جانب الصلاحيات ورد في سادساً من المادة (2) ما يلي: “تدار الاختصاصات المشتركة المنصوص عليها في المواد (112 و113 و114) من الدستور بالتنسيق والتعاون بين الحكومة الاتحادية والحكومة المحلية وتكون الأولوية فيها لقوانين المحافظات غير المنتظمة في اقليم في حالة الخلاف بينهما وفقاً لأحكام المادة 115 من الدستور”. ومن المرجح أن يقود تطبيق هذا القانون إلى وضعٍ مماثلٍ للعلاقة القائمة حالياً بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. وحيث ان المادة 112 من الدستور متعلقة بالموارد الطبيعية ومنها النفط، وفي ضوء ما اتبعته كردستان من سياسة نفطية مستقلة، فإن هذا التعديل يتيح للمحافظات مساراً مماثلاً.
    لذلك مهما كان الشكل الذي سيتم تبنيه للإدارة اللا-مركزية فإن من المناسب تطبيقه، بما في ذلك قانون المحافظات المعدل، بآلية “توازن” بين الصلاحيات اللا-مركزية للمحافظات/المناطق واستمرار فعالية سلطة مركزية ذات مصداقية وطنية.
    وعلى كل حال فإن التوصل إلى تسوية بهذا الخصوص سيعتمد على نتيجة المساومات والاتفاقات السياسية داخل وخارج المجموعات والمحافظات المختلفة، من ناحية، والإمكانيات الاقتصادية للوحدات اللا-مركزية، من ناحية أخرى. كما أن التنظيم اللا-مركزي وحده لا يقود إلى مشاركة مستدامة في السلطة بدون وجود مؤسسات اتحادية فعالة ورغبة لدى مجاميع الطبقة السياسية في الاتفاق على التسويات اللازمة، والتي تقود جميعها لتنظيم العلاقة وفي حل الإشكالات التي تثار في نظام اتحادي.
    رابعاً: التمكن والاعتماد الاقتصادي للمناطق
    في دولة ريعية كالعراق تراجعت فيها الاهمية النسبية للقطاعات السلعية غير النفطية (الزراعة والصناعة) خلال العقود الماضية وخاصة العقد المنصرم فإن توفر الطاقات الإنتاجية النفطية/الغازية، من عدمه، يصبح في الأمدين القصير والمتوسط هو العامل الحاسم في التمكن أو الاعتماد الاقتصادي/المالي للوحدات أو المناطق اللا-مركزية. وفي هذه الورقة سنتعرض إلى ستة مناطق جغرافية لا ترتبط بتقسيم طائفي واضح (حيث أن جميعها، خارج كردستان، هي مناطق ممتزجة الطوائف والأثنيات، بدرجة أو بأخرى) وإنما حُددت على أساس حجم الموارد النفطية/الغازية والطاقات الإنتاجية الحالية فيها، والذي يُسْتَهدَف منه تشخيص مناطق التمكن ومناطق الاعتماد. والمناطق الستة هي: (1) البصرة، (2) باقي المنطقة الجنوبية، جنوب بغداد، (3) بغداد، (4) المنطقة الوسطى: نينوى، صلاح الدين، ديالى، الأنبار، (5) كركوك، (6) كردستان: أربيل، السليمانية، دهوك. لذلك سيتم في الفقرة التالية تشخيص امكاناتها النفطية/الغازية.
    (4-1) الاحتياطيات النفطية/الغازية والطاقات الإنتاجية
    تنتشر الموارد النفطية والغازية في أغلب أنحاء العراق. ويبين الشكل (1) مواقع هذه الموارد حسب الأحواض الرئيسية، وهي ثلاثة أحواض: (أ) نطاق-زاكروس-الشمالي، (ب) بين-النهرين، (ج) الوديان.
    شكل (1) الأحواض والحقول الرئيسية للنفط والغاز في العراق
    Merza- Figure 1
    المصدر: تقرير وكالة الطاقة الدولية عن العراق IEA (2012). ولقد وردت الخارطة في النسخة العربية من التقرير، ص 16، وأضفنا أليها الشرح على اليمين، وأنبوب التصدير من كردستان والأنبوب المخطط حديثة-عقبة على الخارطة.
    وكما يلاحظ من الشكل فإن الموارد النفطية/الغازية تتداخل بين محافظات ومناطق العراق. على سبيل المثال، فإن كردستان وكركوك ومحافظات في المنطقة الوسطى تحتوي/تشترك بحقول نفطية في نطاق-زاكروس-الشمالي. كما أن بغداد ومحافظات في المنطقة الوسطى وباقي المنطقة الجنوبية تحتوي/تشترك بحقولٍ في الجزء المتوسط من حوض بين-النهرين، الخ. ولكن بالرغم من انتشار الموارد النفطية والغازية في أغلب المناطق غير أن الطاقات الإنتاجية المتوفرة والإنتاج الفعلي ينحصران في البصرة بالدرجة الأولى ثم كركوك وبعد ذلك باقي المنطقة الجنوبية وكردستان مع إنتاج بسيط في المنطقة الوسطى.
    ويبين الجدول (1) كل من الاحتياطيات المثبتة والإنتاج للنفط والغاز، حسب مناطق العراق. ويلاحظ منه أنه بينما بلغت الاحتياطيات النفطية المثبتة في المنطقة الوسطى أكثر من 5% من احتياطيات العراق (بما فيه كردستان) فإن الإنتاج الفعلي كان حوالي 2% في 2013. ويظهر التفاوت بشكل أكبر في مجال الغاز الطبيعي. فبينما بلغت الاحتياطيات المثبتة في المنطقة الوسطى أكثر من 7% من احتياطيات العراق فإن إنتاجها كان أقل من 1% في 2013.
    Merza Table 1
    وفي غياب تسوية سياسية/إدارية مستدامة وسياسات وإدارة اقتصادية اتحادية تكاملية، فإن توفر الإمكانات/الطاقات الإنتاجية النفطية والغازية في المناطق قد يشجع، في الأمد الأطول، على تركز الانعزال الاقتصادي. ذلك أنه مع إمكانية الترابط في الصناعة النفطية من خلال التكرير والصناعة البتروكيماوية، وبينها والصناعات الأخرى، وأهمية الترابط الجغرافي في نقل النفط والغاز، غير أن توفر عوائد مستقلة من تصدير النفط والغاز الذي تكون معظم اسواقه بعيدة أثبت أنه عامل من عوامل التنافر الاقتصادي في المنطقة العربية. ولعل مجلس التعاون الخليجي الغني بالنفط/الغاز يقدم مثالاً على ضعف الترابط الاقتصادي بين أعضاءه بالرغم من الانتظام في اقليم سياسي/اقتصادي رسمي خلال الثلاثة عقود ونصف الماضية.
    (4-2) الاعتماد الاقتصادي
    يعني التمكن (أو الاعتماد) الاقتصادي في هذه الورقة، لكل محافظة/منطقة، القابلية (أو عدمها) على تأمين مصدر مالي ذاتي (أساساً من العملة الأجنبية) بما يعادل حصة المحافظة/المنطقة من تخصيصات نفقات الميزانية الاتحادية. في ضوء ذلك يمكن الاستقراء، من مقارنة حجم الإنتاج النفطي/الغازي بالسكان (وعدد السكان هو من أهم أسس تحديد حجم تخصيصات الإنفاق للمحافظات في الميزانية) في جدول (1)، أن محافظتي البصرة وكركوك هي محافظات “متمكنة” وذات “فائض”. أي أن قيمة إنتاج/طاقة-إنتاج كل منها من النفط (مقيمة بأسعار التصدير) تفوق تخصيصاتها الانفاقية في الميزانية الاتحادية. ويمكن الاستقراء أيضاً من أرقام الجدول ومؤشرات 2014 وخطط التطوير النفطي أن محافظات ميسان وواسط (وربما ذي-قار في الأمد المتوسط) من ضمن “باقي المنطقة الجنوبية”، متمكنة أو قريبة من التمكن.[2] في المقابل، فإن المحافظات الأخرى في “باقي المنطقة الجنوبية” ومحافظات المنطقة الوسطى وبغداد ومرحلياً كردستان هي محافظات “عجز” مرتفع أو منخفض، في الوقت الحاضر وبعضها في الأمد المتوسط أيضاً.
    وبسبب التوتر والنزاع في العلاقة بين الحكومة المركزية وكلاً من المنطقتين الوسطى وكردستان، مقارنة مع العلاقة بين المحافظات/المناطق الأخرى والمركز، سيُقتصر، فيما يلي، على تشخيص الحاجات المالية لهاتين المنطقتين، والذي قد يساهم تمويل العجز فيهما (مع اللا-مركزية) بجانب من التسوية السياسية المنشودة. ومن نافلة القول الإشارة إلى أن عدم تشخيص الحاجات المالية للمحافظات الأخرى، في هذه الورقة، لا يعني أن تمويل العجز فيها أقل ضرورة أو استعجالية، وإنما الهدف هو أبراز أحد أسس الأزمة الحالية مع المنطقتين المذكورتين.
    وسيُستخدم مشروع موازنة 2014 كنقطة إشارة للميزانية الاتحادية، بعد تعديل تخصيصاتها الانفاقية لأخذ الظروف المستجدة بالاعتبار. وتتلخص هذه الظروف بانخفاض أسعار تصدير النفط وانخفاض رصيد وزارة المالية في صندوق تطوير العراق DFI وتكاليف العمليات العسكرية منذ منتصف 2014. فلقد أنخفض متوسط سعر النفط العراقي من 102.7 دولار/برميل في الربع الرابع من 2013 (فترة إعداد موازنة 2014)، موقع وزارة النفط، إلى ما يقدر بحوالي 85.4 دولار/برميل كمعدل للنصف الأول من تشرين أول 2014 (انخفاض 17%). كما انخفض رصيد وزارة المالية في صندوق تطوير العراق بشكل كبير من 18 مليار دولار في بداية 2013 إلى 6.5 مليار دولار في بداية 2014، وذلك لتمويـل عجـز ميـزانية 2013 (IMF, 2014). وبينما يتطلب انخفاض أسعار/عوائد تصدير النفط ورصيد وزارة المالية تخفيض تخصيصات النفقات في الموازنة الاتحادية فإن تكاليف العمليات العسكرية الإضافية تتطلب زيادتها. غير أن التخصيصات العسكرية الإضافية تتعلق اساساً بالنفقات السيادية في الموازنة. كما أن خدمة الدين الخارجي والتزامات أخرى، وهي جزء من النفقات السيادية، لا تتأثر بالظروف المستجدة، إلا إذا اعيدت جدولتها. ولأخذ حصيلة هذه الظروف بالاعتبار سنُقلص، لغرض الحساب في الفقرات التالية، التخصيصات الانفاقية غير-السيادية-والحاكمة في مشروع موازنة 2014 إلى 80% من مستواها في المشروع. ومن المعروف أن التخفيض يصيب التخصيصات الاستثمارية كما يحصل عادة عند انخفاض ايرادات الميزانية.
    (4-2-1) كردستان
    تبلغ حصة كردستان الكلية 17% من تخصيصات نفقات الميزانية الاتحادية. ويطرح عادة من هذه الحصة ما يسمى بالنفقات السيادية والحاكمة (خدمة الديون، تعويضات حرب الكويت، مشاريع اتحادية، الخ) للوصول إلى الحصة الفعلية. وفي مشروع موازنة 2014 بلغت حصة كردستان الكلية 23,826 مليون دولار في حين بلغت حصتها الفعلية 16,948 مليون دولار. وكما ذكر أعلاه، بأخذ الظروف المستجدة لانخفاض أسعار النفط ورصيد وزارة المالية في صندوق تطوير العراق فسنُقلص هذا المبلغ إلى 80% من مستواه ليصبح 13,558 مليار دولار (80% × 16,948). على هذا يمكن حساب كمية النفط (بما فيها كمية الغاز مقاساً ببراميل معادلة) من كردستان التي ينبغي تصديرها بحيث تساوي العوائد الصافية منها (أي العوائد ناقصاً كلفة الاستخراج والنقل إلى المنطقة الحدودية ودخل الشركات النفطية بعد دفع الإتاوة وضريبة الدخل والضرائب الأخرى) الحصة الفعلية من الميزانية. ويبين الجدول (2) أنه في ضوء مستوى كلفة الاستخراج وشروط عقود المشاركة في كردستان فإن الوصول إلى 80% من مستوى حصته الفعلية في مشروع موازنة 2014 يتطلب تصديراً يتراوح من 401 أ-ب-ي إذا كان سعر النفط 110 دولار/برميل إلى 765 أ-ب-ي إذا كان سعر النفط 60 دولار/برميل.
    Merza Table 2
    هل يستطيع الإقليم الوصول إلى هذه المستويات من الصادرات النفطية/الغازية، مقارنة مع تصدير حالي يبلغ، حسب وزير الطاقة التركي[3]، 240 أ-ب-ي ومتى؟ إن قيام سلطة الإقليم ببناء البنى الأساسية اللازمة لاكتفائه الذاتي لتصدير النفط المستخرج فيه من خلال ما بين 50 و60 عقد مشاركة مع الشركات الأجنبية وبناء خطوط أنابيب إلى تركيا (0.3 م-ب-ي، مع خط آخر مماثل يجري بناءه) خلال السنوات الماضية سيؤمن في النهاية احتياجات الإقليم المالية. لقد بلغ إنتاجه النفطي في 2012 حوالي 250 أ-ب-ي (IEA, 2012, P.22) ورُسمت موازنة 2013 الاتحادية على أساس تصدير من الإقليم بحدود 300 أ-ب-ي (ومشروع موازنة 2014 على أساس تصدير 400 أ-ب-ي).[4] وستزداد الكمية المنتجة تدريجياً تبعاً للهدف المعلن لسلطة الإقليم الوصول إلى مليون برميل في اليوم أو اكثر في نهاية هذا العقد وربما قبلها. مع العلم أن وكالة الطاقة الدولية تُسْقِط الإنتاج المستقبلي لكردستان بحدود 500-800 أ-ب-ي في 2020 و750-1,200 أ-ب-ي في 2035 (IEA, 2012, P.49).
    إن قدرة الإقليم على التصدير ستعتمد على إمكانية الاتفاق مع الحكومة المركزية أو/و حل الاشكالات القانونية الدولية التي تعترض تصدير النفط من الاقليم.[5] وتعتمد ايضا على قدرته لتطوير حقوله حسب الخطط الموضوعة. ويصبح الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لتصدير نفط من مناطق متنازع عليها.[6] وفي كل الأحوال، ينبغي اعتبار صافي عوائد (العوائد ناقصاً التكاليف) كل ما يُصدَّر من إقليم كردستان من النفط الخام والمنتجات النفطية (المنتجة فيه أو في المناطق المتنازع عليها) كجزء من حصته في الميزانية الاتحادية.
    (4-2-2) المنطقة الوسطى
    بالرجوع إلى جداول مشروع موازنة 2014 الاتحادية، تبين حساباتنا الخلفية أن حصة المحافظات الأربعة في المنطقة الوسطى (نينوى، صلاح الدين، ديالى، الأنبار) من التخصيصات التشغيلية غير السيادية والحاكمة (رواتب الموظفين والرواتب التقاعدية والحصة التموينية وشبكة الحماية الاجتماعية والمستلزمات السلعية والخدمية)، بلغت حوالي 13,212 مليون دولار. وإذا اضيفت التخصيصات الاستثمارية يكون المجموع 25,727 مليون دولار. وبأخذ الظروف المستجدة المذكورة أعلاه يصبح المبلغ 20,582 مليار دولار (80% × 25,727). على هذا يمكن حساب كمية النفط (بما فيها كمية الغاز مقاساً ببراميل معادلة) من محافظات المنطقة الوسطى التي ينبغي تصديرها بحيث تساوي العوائد الصافية منها (أي العوائد ناقصاً كلفة الاستخراج والنقل إلى المنطقة الحدودية ودخل الشركات النفطية، بعد دفع ضريبة الدخل والضرائب الأخرى) الحصة من الميزانية. ويبين الجدول (3) أنه في ضوء مستوى كلفة استخراج تمثل متوسطاً لإقليم كردستان وباقي العراق وشروط اتفاق تجمع بين عقود المشاركة في كردستان وعقود الخدمة في المنطقة الوسطى فإن الوصول إلى حصة للمنطقة الوسطى تساوي 80% من مجموع تخصيصات النفقات التشغيلية والاستثمارية (غير السيادية والحاكمة) من مشروع موازنة 2014 يتطلب تصديراً يتراوح من 579 أ-ب-ي إذا كان سعر النفط 110 دولار للبرميل إلى 1,118 أ-ب-ي إذا كان سعر النفط 60 دولار للبرميل. أما الوصول إلى مستوى تخصيصات النفقات التشغيلية فقط (غير السيادية والحاكمة) من مشروع موازنة 2014 فإن حسابات مماثلة (لم يتم شمول تفاصيلها هنا) تبين أن ذلك يتطلب تصديراً يتراوح بين 372 أ-ب-ي إذا كان سعر النفط 110 دولار للبرميل إلى 717 أ-ب-ي إذا كان سعر النفط 60 دولار للبرميل.
    Merza Table 3
    هل تستطيع محافظات المنطقة الوسطى الوصول إلى هذه المستويات من الصادرات النفطية/الغازية ومتى؟ هنا يلاحظ أنه مع احتواء هذه المنطقة على احتياطي مثبت نفطي كبير وغازي ملموس (الجدول 1 أعلاه) ولكن إنتاجها الفعلي متواضع، أساساً من حقول عجيل ونفط خانة وكربارة وعين زالة وصوفيا بمجموع 65 أ-ب-ي في 2013، موجهة للاستهلاك الداخلي. مع العلم أنه يمكن زيادة مجموع الطاقة الإنتاجية لهذه الحقول المنتجة إلى 210 أ-ب-ي من خـلال الاستثمـار في البنيـة الأساسيـة اللازمـة (Al-Mehaidi, 2006). وبالنسبة للحقول المكتشفة غير المنتجة فلقد منحت الجولة الثانية للتراخيص (2009) عقدين لشركة (Sonangol) لتطوير حقلي القيارة/ديالى ونجمة/الموصل ذوي النفط الثقيل للوصول إلى مجموع إنتاج هضبة بحدود 230 أ-ب-ي. كما منحت الجولة الثالثة (2010) عقدين لتطوير حقلي غاز المنصورية/ديالى (شركة TPAO) وعكاز/الأنبار (شركة KOGAS) للوصول إلى مجموع إنتاج هضبة بحدود 7.2 مليار متر مكعب في السنة (ما يعادل 123 أ-ب-ي). واشتملت الجولة الرابعة (2012) على عقود استكشافية نفطية/غازية في المنطقة الوسطى لم تحدد فيها الطاقة الإنتاجية المستهدفة.
    مما تقدم يتضح أنه مقارنة مع طاقة إنتاجية نفطية حالية بحدود 65 أ-ب-ي[7] فإن تنفيذ عقود التطوير النفطية/الغازية المشمولة في التراخيص النفطية الاتحادية في هذه المنطقة يمكن أن يحقق طاقة إنتاجية نفطية مقدارها 440 أ-ب-ي (نصفها نفط ثقيل قد يصعب تصديره) وغازية بمقدار 123 أ-برميل-معادل-ي. لذلك لتحقيق صادرات في حدود 372-717 أ-ب-ي لتعادل عوائدها حصة المنطقة من النفقات التشغيلية فقط في مشروع موازنة 2014 (الرواتب والإعانات الاجتماعية والحصة التموينية والتعليم والصحة) ينبغي أيضاً تنفيذ العقود الاستكشافية لإضافة طاقات جديدة تحقق هذا الهدف من التصدير وإشباع الاستهلاك المحلي. أما إذا كان الهدف تغطية جميع النفقات (حصة المنطقة من النفقات التشغيلية والاستثمارية في مشروع الموازنة) فينبغي تكثيف التطوير والاستكشاف بدرجة أكبر. ولكن هذا المستوى من التطوير والاستكشاف، إذا كان ممكنا، يتطلب وقتاً قد يفوق 8-12 سنة في ظل أحوال اعتيادية هادئة وتوافق سياسي داخلي وقبول دولي.
    خامساً: الدعم المتبادل واللا-مركزية
    يتبين من هذه الحسابات أن كردستان والمنطقة الوسطى يحتاجان مجتمعين إلى تصدير ما بين 0.98 و1.88 م-ب-ي لسد احتياجاتهما التشغيلية والاستثمارية العامة بمستوى 80% من تخصيصات نفقات مشروع موازنة عام 2014 والبالغة 34.1 مليار دولار (80%×[16.98 لكردستان+25.73 للمنطقة الوسطى]) لتعويض اعتمادهما على التمويل المركزي. وبإضافة متطلبات الاستهلاك المحلي للطاقة فإن الانتاج المطلوب يبلغ 1.20-2.31 م-ب-ي، اي بمتوسط 1.75 م-ب-ي. وتبعاً لزيادة الحاجة المالية ينبغي أن تزداد هذه الكميات مستقبلاً. ويقارن ذلك مع إنتاج في المنطقة الجنوبية بلغ في حزيران-آب 2014 متوسطاً قدره 2.89 م-ب-ي (إنتاج شركة نفط الجنوب وشركة نفط ميسان، وحقل الأحدب؛ موقع وزارة النفط الإلكتروني). وبينما يمكن زيادة الإنتاج والتصدير من البصرة وباقي المنطقة الجنوبية في الأمدين القصير والمتوسط فإن الزيادة بالمستويات المطلوبة لا يبدو ممكناً في الأمد القصير في إقليم كردستان. أما في المنطقة الوسطى فإنه غير ممكن في الأمد القصير وصعب المنال في الأمد المتوسط. لذلك تثار مسألة تمويل احتياجات محافظات المنطقة الوسطى وكردستان وباقي محافظات العجز من خارج هذه المحافظات.
    إن توفير هذا التمويل هو من الأسس الضرورية لإسناد مشروع الادارة اللا-مركزية الذي سيساهم مساهمة فعالة في تخفيف التوتر/النزاع المجتمعي في سبيل إزالته. وخلال فترة انتقالية متوسطة المدى سيكون ذلك معتمداً على عوائد تصدير النفط والغاز من البصرة وباقي المنطقة الجنوبية وكركوك.
    This message has been truncated.
    Reply, Reply all or Forward | More
    Click to Reply All

  4. Avatar
    خالد الولي:

    تحية طيبة و جهود مشكورة من الاستاذ الدكتور علي مرزا المحترم و اقترح مايلي
    1- عقد حلقة نقاشية لكل محافظة وردت بالمقال من قبل الاخوة اعضاء مجلس النواب للمحافظة و مجلس المحافظة و المحافظ و المختصين من الكادر الهندسي و العلمي و المهني لغرض اقتراح مشاريع مفيدة تعظم موارد الاقتصاد العراقي و بمايقلل الاستيراد و اقترح تاسيس شركات نفطية غازية صناعية مساهمة و بالاخص المحافظات ديالى و الانبار و صلاح الدين حيث نلاحظ اهل ديالى باستمرار يبحثون عن التعيين بدوائر الدولة و من خلال مقترحات مهمة تاسيس معامل متخصصة للغاز و تحوير منظومات الوقود للعمل باستخدام الغاز و تحوير منظومات معامل الطابوق باستخدام الغاز و انشاء معامل لانتاج الاسمدة باستخدام الغاز و انتاج العديد من المنتجات التي تعتمد الغاز كمادة اولية و التوسع بالمصافي النفطية و اقترح انشاءها بكل شركة صناعية عامة عراقية
    2- التوسع بالشراكات العالمية من خلال اللجان العراقية المشتركة
    3- تاسيس معامل تعتمد على المواد الاولية النفطية و الغازية

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: