المالية العامة والسياسة المالية

أ.د. محمود محمد داغر: الخطيئتان المقيدتان للموازنة العامة

على الرغم من إن السياسة المالية تعكس وجهة نظر الفاعلين اللذين أسسوا السلطة التنفيذية وفي حالة العراق (الناخبون) , لكن قرارات وأجراءات السلطة التنفيذية بعد توليها الأدارة الاقتصادية , تنعكس في السياسة المالية وذراعها الموازنة العامة , ومن ثم حياة الناس (الناخبين) ومستقبلهم في اقتصاد يقود مرافقه كافة القطاع العام كما هو الحال في العراق.
ويُلاحظ إن معظم الكتابات انصبت في نقد بناء وإجراءات ونتائج الموازنة العامة , عدها ممثلة للإتجاهات الأقتصادية للسلطة التنفيذية دون أن يرافقها تسليط ضوء واضح على الاخطاء الاقتصادية التي جعلت إدارة وتنفيذ السياسة المالية مقيده عبر الموازنة العامة.
لذلك سنحاول تحديد الاخطاء الاقتصادية الأعمق التي تحولت الى قيود في موازنة 2015 والأن 2016 بحيث يتعذر تجاوزها أو استأصالها .
ترتكب جميع الأدارات الاقتصادية أخطاء ناجمة عن عنصر عدم التأكد والتغييرات السريعة , لاسيما في الدول الريعية التي تحكم السوق النفطية ولاعبيها في عوائد هذه الدول , ولكن نتائج الاخطاء قابلة للتعديل وتقليل الوطأة وحتى القبول قصير الامد, لكن الخطأ الاقتصادي يتحول الى خطيئة عندما يمس عمق قدرات الاقتصاد الوطني ويقيد حاضره ومستقبله .
من هذا المنطلق ارتكبت السلطة التنفيذية في العراق وخلال عقد مضى اخطاء اقتصادية عديدة أرتقى خطئان منها(باجتهاد متواضع) الى مصاف الخطيئة ،التي قيدت السياسات الاقتصادية المختلفة وخاصة السياسة المالية , وتمخض عنهما قيد يصعب الفكاك منه لبناة ومشرعوا الموازنة العامة .
الخطيئة الأولى: التوسع في قوة العمل العامة
مارست الحكومات المتعاقبة خلال السنوات السابقة سياسة التوظيف الواسع غير المرتبط بالحاجة الفعلية أو بالامكانات الاقتصادية القائمة أو المحتملة , في اقتصاد يعاني اختلالات بنيوية عميقة بسبب أحادية مصدر القيمة المضافة .
وتقدر الاحصاءات (غير دقيقة) إن عدد العاملين في الحكومة تجاوز (5) مليون، فضلاً عن وصول عدد المتقاعدين الى (2) مليون تقريبا.
تم ذلك بدعاوى سياسية واجتماعية لاتجد تبريراً اقتصاديا مقنعاً إذ أن رغبة البعض في الحصول على اصوات انتخابية , أو حتى التعامل مع الاقتصاد عدّه مؤسسة رعاية اجتماعية , فضلاً عن الرغبة في توسع دور الحكومة وربط هذه الاعداد (وعوائلها) بالسلطة من خلال الأجر الحكومي.
ولم تتوقف أثار الخطيئة بمجرد التوسع في التشغيل وحسب بل رافقها الآتي:-
• إن التوظيف الجديد قطعاً من الشباب وبالتالي سيستمرون بتقاضي رواتبهم لمدة قادمة طويلة.
• أضيفت سنوات خدمة لشرائح واسعة , مما زاد من حجم التخصيصات في الموازنة .
• أنيط بالحكومة توظيف واسع لصالح مؤسسات دينية وأجتماعية وسياسية لاتدخل وظائفها ضمن الأداء الحكومي .
• اتخاذ تشريعات وقرارات خاصة وعامة بزيادات في الرواتب والمخصصات دون ارتباطها الوثيق بالأمكانات.
• تحميل الموازنة العامة جزء من عبىء رواتب المتقاعدين الذين توسع عددهم بشكل ملفت أيضاً , في وقت يُفترض أن تسد الاستقطاعات هذه الرواتب.
وبتراكم الاضافات في الرواتب والمخصصات بلغ حجم الرواتب والمخصصات أكثر من (40) مليار دولار تمثل حالة القسط الثابت تقريباً في الشق التشغيلي من الموازنة العامة .
مما يعني إن الموازنة التشغيلية في جانبها الانفاقي أصبحت مقيدة (بقسط الرواتب الثابت علما انه يتزايد سنوياً) وحددت بذلك المرونة الانفاقية الحالية والمستقبلية , وحملّت السياسة المالية أعباء لا فكاك منها , لاسيما وأن كل الدراسات تشير إلى تدني انتاجية العاملين في القطاع العام.
إذن خطيئة التشغيل أنعكست في الموازنة بشقها الانفاقي ليس في موازنتي 2015 , 2016 بل ولآجل طويل قادم , مع الاشارة الى أن سياسة التشغيل المنفلت ولدت تأثيراً أجتماعياً وسياسياً , يلاحظه المتتبع الاقتصادي من خلال مطالبات التوظيف العام وتحويل العقود الوقتية الى دائمية باحتجاجات مستمرة.
الخطيئة الثانية : عقود الخدمة النفطية
تتعلق هذه الخطيئة بالجانب الايرادي للموازنة العامة وبأهم مورد وهو العوائد النفطية .
إذ إن جولات التراخيص المفترضة (الاربعة) التي بدأ طرحها 2008 ووقعت بواكيرها 2009 تمخض عنها وليداً تعاقدياً مشوهاً (عقود الخدمة ) لايطابق في تسميته (الخدمة) ولاتقارن تفاصيله السلبية مع العقود السابقة وبنفس التسمية أو غيرها , إذ انها وضعت في مدتها (25) سنة ومددت (30) سنة ،أو في التعامل مع التكاليف أو في افتراضات انتاج الحقول الأساسي , وصولاً إلى تعرفة البرميل(2) دولار للشركات الأجنبية , بحيث أننا حصدنا نتائجها واضحة مع أول انخفاض في سعر البرميل النفطي.
إن ماترتب على هذه العقود ارتفاع واضح في التكاليف لأسباب لامجال لذكرها هنا , ودفع الايرادات الممولة للشق الايرادي من الموازنة العامة للانخفاض وقيده بشدة.
لقد نُشرت بحوث علمية ومقالات ولقاءات عن مخاطر هذه العقود من قبل متخصصين هندسيين واقتصاديين , ولكن المشكلة تمثلت في تأييد بعض المتخصصين للأسف لهذه العقود , الذين أهملوا تفاصيل هذه العقود والجولات وتوجهوا الى صب انتقاداتهم الى عقود المقاسمة في كوردستان (وهي سيئة أيضاً) (والتي تترجم للأسف مشاركة لمصطلح sharing بينما واقعها مقاسمة لنفط الربح profit oil) , وهاهي وزارة النفط تطالب بترك نموذج عقود الخدمة باتجاه عقود المقاسمة.
ومازاد الأمر سوءً هو إن استراتيجية الطاقة المتكاملة (2010) قدمت تصورات لاواقعية لنتائج الجولات ووليدها (عقود الخدمة) , بحيث نتج عن ذلك انفصال شبه تام بين الانتاج والتصدير وهو الطامة الكبرى والحقيقة المؤلمة .
أن اقتصاداً مارس قطاعه النفطي الوطني الاستثمار المباشر لما يقارب أربعة عقود تخللتها حروب كان قادراً على العودة الى مستوى انتاج 3500 مليون برميل يومياً كما حدث عام 1989 , بينما جولات التراخيص بكل الامكانات والتكاليف الباهضة للبرميل (تجاوز (20) دولار للبرميل في بعض الحقول) لم تصل الى مستوى 3,5 م ب/ي ولا هي قادرة على تخفيض التكلفة الى مستوى أقل من (10) دولار كما في السابق .
إن التفصيل بنتائج الخطيئة الايرادية موجوداً في الدراسات العلمية , بل إن مسؤولي القطاع النفطي شخصوا ذلك.
ولايحق لأي متخصص القول إن هذه أنتقادات تولدت بسبب انخفاض سعر البرميل , لأن من تبنى عقوداً نفطية , عليه أن يدرك إن أسعار النفط تتقلب كما هو تاريخياً ويستمر ذلك بالمستقبل.
بل إن من أولويات التمويل إن الرافعة المالية Leverage تحقق ايراداً موجباً في السوق التصاعديBullish كما في السوق النفطية قبل الربع الاخير من 2014، وتنعكس سلبية بشدة في السوق التنازلي Bearishكما في 2015 ولغاية الان , لاسيما وإن عائد الشركات Remuneration ثابتاً لايرتبط بتغيرات الأسعار (تكلفة ثابتة) .
من كل ذلك تعد خطيئتي التوظيف الواسع وعقود الخدمة بمثابة القيود على جانبي الانفاق(زيادةً) والايرادات (انخفاضاً) وهذان القيدان القيا بأثرهما على قدرة صانعوا الموازنة ومشرعوها 2015 و 2016،فضلا عن اثارهما الاجتماعية والسياسية وسيستمر ذلك الى تاريخ مقبل طويل , والمشكلة أنه يصعب الفكاك منهما.
(*) أستاذ علم الاقتصاد في جامعة بغداد
حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. شبكة الاقتصاديين العراقيين 19 تشرين الثاني 2015

Comments (7)

  1. Avatar
    حسين حسب الله:

    سلمت أناملك أستاذي العزيز
    المشكلة أن من يصنع القرار الاقتصادي على مستوى السياسة المالية -وعلى مستوى السياسة النقدية مؤخرا- هم ليسوا من ذوي الاختصاص وكذا الخبرة، أما الاستشارة الاقتصادية الفاعلة فلا دور لها في ذلك، وإعداد الموازنة في السنوات الماضية – بعد 2003- أصبح يستند إلى أولويات ورؤى سياسية تحوي في طياتها الكثير من اعتبارات المحاصصة ونموذج تقسيم الكعكة أصبح لا بديل له في رصد الإيرادات وتوجيهها للانفاق.

  2. Avatar
    حامد رحيم:

    على اقل تقدير ..في القضايا المصيرية مثل عقود النفط ، يجب ان يكون للمختصين ( التقنوقراط) القول الفصل…كفى لتلك المطابخ السياسية المشوهه..

  3. farouk younis
    farouk younis:

    خطيئة التوسع فى قوة العمل
    هذه هى الخطيئة الاولى التى تناولها هذا المقال القيم
    والمتمثلة فى ( سياسة التوظيف الواسع غير المرتبط بالحاجة الفعلية او الامكانات الاقتصادية القائمة او المحتملة ) بين قوسين من المقال
    بعبارة اخرى كثرة عدد الموظفين فى مكان واحد دون الحاجة اليهم ( اى البطالة المقنعة ) ويقدر البعض نسبة الذين يمثلون البطالة المقنعة بحدود 40% من عدد العاملين فى القطاع العام والجهاز الحكومى
    ما سبب تفاقم هذه الظاهرة؟
    1- اتباع سياسة الاستيعاب حيث التزمت الدولة بتامين فرص عمل لجميع الخرجين فى الجامعات والمعاهد — الخ
    2- توسيع الملاكات على الرغم من وجود فائض من الافراد تلبية للوساطة والمحسوبية
    3- التعين بعقود لعدد كبير من الاميين والتقاعدين وانتشار ظاهرة ما يسمى ( بالضائبن )
    ادت البطالة المقنعة الى هدر كبير للموارد المالية والى تدنى مستوى انتاجية العاملين وضعف الكفاءة فى تشغيل العاملين ( مثلا العمل الواحد الذى من الممكن ان يوْديه موظف واحد يتم توزيعه على مجموعة من الموظفين بسبب التكدس وهكذا تضيع المسوْولية ويصبح كل موظف يعتمد على الاخر فى اداء العمل بل الادهى من ذلك فان الكثير من الموظفين ( الموظفات ) يشكون من الملل بسبب الجلوس طويلا دون عمل )
    ومن نتائج خطيئة التوسع فى قوة العمل العامة انخفاض ربحية موْسسات القطاع العام وانخفاض الروح المعنوية لدى العاملين
    السوْال من المسوْل ؟ الجواب انها مسوْولية الدولة طبعا والدليل ليس هناك بطالة مقنعة لدى القطاع الخاص
    المقترح
    تاسيس مركز يتبنى هذا المشروع الاقتصادى الحيوى تحت اسم ( مركز اعادة هيكلة القطاع العام والادارة الحكومية فى العراق)
    مهمة المركز اجراء مسح شامل وجرد العاملين فى القطاع العام والادارة الحكومية بهدف اعادة هيكلة القطاع الادارى الحكومى وازالة الحلقات الوظيفية التى لا مبرر لوجودها
    ويتم العمل بالتنسيق مع وزارتى المالية والتخطيط بحيث يتم تشكيل فرق العمل من كوادر الوزارتين وتحت اشراف المركز المقترح
    مع التقدير

  4. Avatar
    محمد سعيد العضب:

    دراسه قيمه شخصت علميا ما ينتاب اقتصاد العراق المعلول من تدهور وضياع مستديم ,والذي يرجع سببه الاول والاخير الي فقدان الاداره الحكيمه ,حينما ابتلي يرهط من ساسه ظل همهم الوحيد الاستحواذ علي ما طاب ولذ من خيرات البلد , بالتالي شاع الفساد واصبح توقيع العقود لمشروعات وهميه الهدف الاسمي والحصيله النهائيه للادراه , فليس المهم بناء المشروع ,بل التوقيع علي العقد لمشروعات لاتوجد فيها دراسات جدوي اقتصاديه وفنيه رصينه , بل مجرد افكار لاوهام رتبت باروقه مغلقه , وتم بضوءذلك دفع مقدمات العقد المبرم التي تترواح مابين 10-20% من قيمه العقد ( عقد دار الاوبرا مثال),كله من اجل تحصيل العموله المقرره و حسب مناهج وانسيايبه العمل الجديد الموروث من عهد بريمر .
    قد يقال ان هذه اقاويل من دون مستند او اتبات او طعن في مصداقيه النظام الجديد .. الجواب هل يمكن ان يعلمنا احدا الي اين ولت تخصيصات الموازنه لبناء البني ومشروعات الكهرباء والماء , المدراس ,والمستشفيات وغيرها وخلال العقد ونيف الاخير.

  5. Avatar
    مجيب حسن محمد:

    دكتور محمود ‘ بعد التحية / كما عهدناك ، لقد وضعت اصبعك على مشكلة السياسية المالية بشفيها الايرادات والنفقات ، فيما يتعلق ( بالتشغيل المفرط للقوى العاملة في القطاع العام) ، هذه المسألة دائما في البلدان الريعية ترتبط بالعلاقة بين( الصوت الانتخابي او الرضا عن الحاكم – والمنفعة المادية المتحققة للناخبين (علاقة زبائنية)، هذه المشكلة ستبقى قيد على الميزانية يتزايد كل عام، اذن ما العمل ؟ ولكي تتم اعادة هيكلة القطاع العام، دون ان نقول للفائضين (( اذهب انت وربك فقاتلا) ، اقترح الاتي :
    1- اخراج كل من تقل خدمته في القطاع العام عن 10 سنوات( وهي السنوات التي جرى فيها التعيين (بدون وجع راس وعلى اساس علاقة الزبائنية والفضائيين).
    2- تحديد نوع المعارف والمهارات والمؤهلات لهذه الفئة .
    3- تاسيس صندوق لتمويل المشروعات الصغرى والمتوسطة بالتعاون مع المصارف، مقرونا بخارطة استثمارية تبين فيها المشروعات المطلوبة موزعة قطاعيا ومكانيا. على ان يتم تمويل هذا الصندوق من تخصيصات المرتبات لهذه الفئة لمدة عامين مضافا اليه فائض السيولة المالية المتاحة لدى المصارف التجارية + نسلة من تخصيصات الخطة الاستثمارية،
    4- يتم توزيع التخصيصات المتاحة على شكل قروض بفوائد مخفضة وتعطى هذه المشروعات فترة سماح لتسديد اقساط القروض بعد خمسة سنوات.
    4- اعادة تاهيل هذه القوى الفائضة تبعا لمتطلبات المشروعات التي ترغب بالانخراط فيها كشرط لمنحها القروض.
    5- ان يتم وضع مخطط ودراسات تفصيلية لترجمة هذه الافكار والمقترحات على ارض الواقع (عمل سيناريوهات) ، قبل التطبيق الفعلي لضمان النجاح .

  6. Avatar
    مصعب اسامة:

    لا شك بان ما ذكر هو عين الصواب ،، ولكن ،، لا اعلم هل الاستاذ الدكتور محمود المحترم نسى المحاصصة البغيضة ام انه تناساها لكي لا يدخل في اليسياسة ،، ان بداية المقال تعتبر اقتصادية في الدول المتحضرة ذات النظم السياسية والاقتصادية السليمة اما في العراق فان البداية تعتبر سياسية كون الكاتب اعتبر السياسة المالية والاقتصادية تمثل وجهة نظر الناخبين وبما ان الناخبين في العراق ” اغلبهم ” لا يملكون الوعي الكافي للخوض في هذه المتهاهات ولكون الاحزاب السياسية ايضاً لا تهتم لهذه الامور وما يهمها المصالح الشخصية وتقاسم الكعكة العراقية ،، النتيجة النهائية اصبح العراق مفلساً ومكبل بالكثير من القيود السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي اشار الكاتب الى اثنين منها

  7. Avatar
    Hussein shreaf:

    تشخيص جدآ قيم ودقيق للمشاكل التي تعاني منها السياسة المالية في العراق. ونتأمل المزيد من تلك المقالات القيمة من استاذنا الفاضل.

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: