حسين عطوان *: تغطية عجز موازنة 2016 من خلال تخفيض سعر صرف الدينار العراقي: التداعيات والآثار

أدى انخفاض اسعار النفط العالمية بالكثير من الاقتصاديين العراقيين إلى البحث عن مصادر تمويلية لتغطية عجز موازنة عام 2016، إذ يدور نقاش كثير بين فريقين من الاقتصاديين العراقيين يدعو أحدهما […]

أدى انخفاض اسعار النفط العالمية بالكثير من الاقتصاديين العراقيين إلى البحث عن مصادر تمويلية لتغطية عجز موازنة عام 2016، إذ يدور نقاش كثير بين فريقين من الاقتصاديين العراقيين يدعو أحدهما إلى تخفيض سعر صرف الدينار المباع لوزارة المالية من أجل زيادة الايرادات الدينارية لها مما يغطي نسبة معينة من عجز موازنة 2016، بينما يذهب الفريق الثاني إلى التحفظ على تخفيض سعر صرف الدينار في الوقت الحالي ليس لقدسية استقرار سعر صرف الدينار بل لحين تهيئة الظروف الموضوعية الملائمة لذلك.

تقتضي المناقشة العلمية لمسألة خفض سعر صرف الدينار العراقي (المباع لوزارة المالية مقابل شراء الدولار منها) مقترحاً لسد العجز في الموازنة العامة لسنة 2016 أو جزء منه إيضاح بعض المسائل ذات العلاقة وهي الآتي:

1- عندما بلغ سعر النفط عام 2015 في المتوسط ما يقارب الـ (50 $) للبرميل بلغت مبيعات وزارة المالية من الدولار للبنك المركزي العراقي (32.45 مليار دولار) وبسعر (1,166 دينار لكل دولار) وأصبح السعر في مطلع عام 2016 (1,180 دينار لكل دولار)، لذا فمن المتوقع انخفاض مبيعات وزارة المالية من الدولار إلى البنك المركزي العراقي خلال سنة 2016 إلى (25-30 مليار دولار) على أقل تقدير.

2- قُدِّر إجمالي الايرادات في موازنة 2016 (84.07 ترليون دينار) منها الايرادات النفطية محسوبة على أساس سعر برميل النفط (45$) وحجم إنتاج تصديري (3.6 م ب ي)، بينما قدرت النفقات بـ(113.5 ترليون دينار) وعجر يقدر بـ(29.43 ترليون دينار).

3- سعر النفط في الوقت الحالي يتراوح بين (20-25$) وهو آخذ بالتراجع.

4- إذا استمر سعر النفط على ما هو عليه خلال سنة 2016 سينشأ عجز (العجز الاضافي) يضاف إلى العجز المقدر (العجز المخطط) ناجم عن الفرق بين سعري النفط العالمي، الأول: السعر الحالي الذي يتراوح بين (20-25)، الثاني: السعر الذي بُنيت عليه موازنة 2016 (45$ للبرميل)، أي أن الفرق بين السعرين يتراوح بين (20-25$)، ويقدر العجز الاضافي بحوالي (20-26 مليار دولار) (حاصل ضرب الفرق بين سعري النفط اعلاه في حجم الانتاج 3.6 م ب ي في عدد ايام السنة).

بعد هذه النقاط ذات العلاقة والتي تُعدُّ الأساس الذي يُستَند عليه في مناقشة مقترح تخفيض سعر صرف الدينار العراقي لسد العجز في موازنة 2016، يمكن توضيح حالتي تغطية العجزين المخطط (و/أو) الاضافي.

الحالة الأولى: لسد العجز المخطط في موازنة 2016 من قبل البنك المركزي العراقي عن طريق تخفيض سعر صرف الدينار، وفي حال بلوغ مبيعات وزارة المالية من الدولار (30 مليار دولار) خلال السنة (بالاستناد إلى النقطة 1 آنفة الذكر)، فإن سعر الصرف الذي ينبغي على البنك المركزي العراقي أن يشتري به الدولار من وزارة المالية هو (2160 دينار/ دولار) أي بفرق عن سعر الـ (1,180) الحالي بمقدار (980 دينار) وبدوره يبيع البنك المركزي للمصارف بسعر (2,170 دينار/ دولار) ويصبح سعر صرف الدولار في السوق بما يقرب (2,200 دينار/دولار) فضلاً عن التوقعات التي ترفع السعر إلى أكثر من ذلك، وهذا ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات التي جُلّها مستوردة وبالتالي يشتعل فتيل التضخم ويصعب السيطرة عليه فالموجة الأولى من التضخم تليها موجات أخرى. وهذا الأمر يجري على كل السيناريوهات اللاحقة.

أما السعر الذي ينبغي على المركزي العراقي أن يشتري به الدولار من وزارة المالية والذي يضمن سد العجز المخطط في حال بلغت مبيعات المالية للمركزي 25 مليار دولار هو (2,355 دينار لكل دولار) أي بفرق عن سعر الـ (1,180) بمقدار (1,175 دينار) وبدوره يبيع البنك المركزي للمصارف بسعر (2,365 دينار/ دولار) ويصبح سعر صرف الدولار في السوق بما يقرب (2,390 دينار/دولار) أو أكثر من ذلك.

الحالة الثانية: لسد العجز الاضافي الناشئ عن فرق سعري النفط – كما هو موضح سابقاً – (النقطة 4 آنفة الذكر) فحسب، والذي يقدر بحوالي (31-38.5 ترليون دينار) (حُوّل إلى الدينار بسعر صرف 1,180 دينار/دولار)، وعلى فرض أن العجز الأصلي (المخطط) قد وُضِعَتْ له مصادر للتمويل في موازنة 2016، ينبغي على المركزي العراقي أن يشتري الدولار من وزارة المالية بسعر صرف يتراوح بين (2,213 – 2,472 دينار/دولار) في الحالة التي تكون فيها مبيعات وزارة المالية من الدولار للمركزي العراقي تقارب (30 مليار دولار)، أما في الحالة التي تكون فيها مبيعات وزارة المالية من الدولار للمركزي العراقي تقارب (25 مليار دولار)، فينبغي على المركزي العراقي شراء الدولار من وزارة المالية بسعر صرف يتراوح بين (2,420- 2,730 دينار/دولار).

وفي محاولة لطرح سيناريوهين لتخفيض سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار لسد جزء من العجز الاضافي الناشئ عن فرق سعري النفط الحالي وسعر الموازنة نعرض الآتي:

في الحالة التي تكون فيها مبيعات وزارة المالية 30 مليار دولار ويشتري البنك المركزي الدولار من وزارة المالية بسعر (1,300 دينار لكل دولار) فإنه يغطي ما يقارب (3.6 ترليون دينار) من العجز الاضافي الذي يتراوح بين (31-38.5 ترليون دينار) اي بنسبة تتراوح بين (9-12% من العجز الاضافي) وليس (9) ترليون كما يعتقد المستشار الدكتور عبد الحسين العنبكي (في تصريحه المنشور في شبكة الاقتصاديين العراقيين نقلا عن وكالة كل العراق (اين) 23/1/2016)، لأن توفير هذا القدر (9 ترليون) يتطلب من وزارة المالية حجم مبيعات من الدولار للبنك المركزي العراقي بمقدار (75 مليار دولار) ]حاصل قسمة 9 ترليون/الفرق بين 1,300-1,180 والبالغ (120 دينار)[. وهذا الامر غير ممكن إذ ان أعلى حجم لمبيعات وزارة المالية كان في عام (2013) وبلغ (62 مليار دولار) أي لم يصل إلى عتبة (75 مليار دولار) وهذا الامر غير متوقع الحدوث عام 2016 الذي يقارب فيه سعر برميل النفط الـ(25$) مقارنة بـ(2013) حيث متوسط سعر برميل النفط يقرب من حوالي (100$) أو أكثر.

أما في ظل حجم مبيعات من قبل وزارة المالية (25 مليار دولار) وشراء البنك المركزي للدولار بسعر (1,300) فإنه يغطي ما يقرب (3 ترليون من العجز الاضافي) أي بنسبة تتراوح بين (8-10%) تقريباً.

في الحالة التي تكون فيها مبيعات وزارة المالية 30 مليار دولار ويشتري البنك المركزي الدولار من وزارة المالية بسعر صرف (1,500 دينار لكل دولار) فإنه يغطي ما يقارب (9.6 ترليون دينار) من العجز الاضافي الذي يتراوح بين (31-38.5 ترليون دينار) أي بنسبة تتراوح بين(25-31% من العجز الاضافي). أما في ظل حجم مبيعات من قبل وزارة المالية (25 مليار دولار) وشراء البنك المركزي للدولار بسعر (1,500) فإنه يغطي ما يقرب (8 ترليون من العجز الاضافي) أي بنسبة تتراوح (21-26%) تقريباً.
في خضم ما تقدم فإن تخفيض سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار لا يُسَرّع من عملية استنزاف احتياطيات العملة الاجنبية لأنه لا يخلق إنفاقاً إضافياً ينعكس بصورة طلب إضافي على العملة الأجنبية ينبغي للبنك المركزي تغطيته من أجل استقرار سعر الصرف المفضي لاستقرار الأسعار. وعلى الرغم من أن تخفيض سعر صرف الدينار العراقي سيغطي نسبة ضئيلة جداً من العجز في الموازنة العامة وقد تكون هذه التغطية أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة، إلا أنَّ التخفيض في سعر الصرف سينعكس بصورةٍ مباشرةٍ في ارتفاع المستوى العام للأسعار، ذلك لأنَّ درجة انتقال آثار سعر الصرف إلى المستوى العام للأسعار تزيد كلما كانت مرونة الطلب المحلي على السلع والخدمات الأجنبية منخفضة ومرونة العرض الأجنبي مرتفعة، فضلاً عن ارتفاع حصة السلع والخدمات في سلة الاستهلاك الرئيسية (التي يعبر عنها بالـ CPI)، أي أن الانفتاح الاقتصادي للعراق كبير ويقاس الأخير من خلال نسبة حصة الاستيراد إلى النشاط الكلي أو إلى اجمالي السلع المستهلكة وهي درجة مرتفعة في الاقتصاد العراقي لا شك.

ويتضاعف الارتفاع في مستوى الأسعار عند دخول التوقعات Expectations حيز التحفيز للظاهرة التضخمية ويصعب مواجهة التضخم Anti-Inflation مع اشتعال فتيل العملية التضخمية وتداخل الاسباب في استمراره، خصوصاً وأنَّ الاقتصاد العراقي مستورد صافي للسلع والخدمات في ظل غياب شبه تام للإنتاج المحلي، والاغراق الذي تشهده أسواقه الداخلية بفعل غياب التعرفة الكمركية اللاجمة أو الكابحة التي تحد من الاستيراد وتحفز الانتاج ولو بنسبة قليلة. وبذلك فإن قدرة الاقتصاد العراقي الدخلية ومتانة بنيته الاقتصادية تعيقه بشكل كبير عن مواجهة التضخم. وأكثر المتأثرين والمتضررين من ارتفاع المستوى العام للأسعار هم أصحاب الدخل الثابت، وهم الشريحة الأكبر في المجتمع العراقي.

كل ما سبق لا يعني قدسية المحافظة على استقرار سعر صرف الدينار العراقي إلا انه ضرورة ماسّة على أقل تقدير لحين تهيئة الظروف والإجراءات اللازمة لغرض التخفيض ومن أهمها (تعرفة كمركية كابحة لبعض الاستيرادات – غير الضرورية- ، سياسة ضريبية فعالة، وضع اطار لضبط الانفاق العام للسياسة المالية يستجيب لظرف العراق المالي: وإلا ماذا يعني تنفيذ موازنة 2014 دون اقرارها وتشريعها، وموازنة 2015 بتخفيض نسبي في الانفاق يقل عن الانخفاض الحقيقي في الايراد العام؟ مما خفض احتياطيات العملة الاجنبية من ما يقرب 78 مليار دولار نهاية 2013 إلى ما يقرب من 54 مليار دولار نهاية 2015). كما أن سياسة استقرار سعر صرف الدينار العراقي هي سياسة استقرار كلي عبر المتغيرات وتعاملات التبادل في السوق وهي ليست سياسة نقدية انكماشية تناقض سياسة او مشروع (6) ترليون الذي يطرحه البنك المركزي العراقي، كما وصفها الدكتور العنبكي (في تصريحه المنشور في شبكة الاقتصاديين العراقيين نقلا عن وكالة كل العراق (اين)). والصحيح ان السياسة النقدية تقاس بمحصلتها النهائية دائما.
(*) باحث اقتصادي – البنك المركزي العرقي
حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. 31/1/2016

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"

أبحاث ومقالات أخرى للكاتب

Hussain Atwan image

حسين عطوان مهوس* بلال قاسم محمد**: تعقيب على مقال د. عامر العضاض الموسوم “تحليل ونقد السياسة النقدية في العراق”.

Hussain Atwan image

حسين عطوان مهوس *: تقلص فجوة سعر صرف الدينار بين سوقيه الرسمي والموازي في الماضي والحاضر: استقرارٌ أكبر بمبيعاتٍ أقل **

حسيــن عطــوان

حسيــن عطــوان *: سعر صرف الدينار العراقي ما بين تارجح أسعار النفط العالمية والضغط على الاحتياطيات الدولية.

Hussein atwan

حسين عطوان*: تعقيب على مقال الاستاذ حاتم جورج حاتم الموسوم “استقرار سعر الدينار العراقي مقابل الدولار” هل هو حقاً ضرورة تنموية.

حسين عطوان

عن حسين عطوان

باحث اقتصادي موظف في البنك المركزي العراقي انقر على الصورة للاطلاع على الاعمال الأخرى للكاتب