أ.د. عبدالحسين العنبكي*: الاحتكار الإداري كالاحتكار الاقتصادي … كلاهما حرام

كثيراً ما يتبجح المسئولين التنفيذيين في الحكومات العراقية المتعاقبة من وزراء ووكلاء وزارة ومدراء عامون وحتى معاونيهم بأنهم يحملون الحقائب المتخمة بالبريد والكتب إلى بيوتهم ويبقون عاكفين على المراجعة والتوقيع […]

كثيراً ما يتبجح المسئولين التنفيذيين في الحكومات العراقية المتعاقبة من وزراء ووكلاء وزارة ومدراء عامون وحتى معاونيهم بأنهم يحملون الحقائب المتخمة بالبريد والكتب إلى بيوتهم ويبقون عاكفين على المراجعة والتوقيع الى ساعات متأخرة من الليل، ليأتوا في اليوم التالي الى عملهم صُفر الوجوه ذابلي العيون لأنها مثقلة بالسهاد، فتكون إنتاجيتهم أقل بالضرورة وتركيزهم اقل خلال العمل.

 

سمعت ذلك من افواههم مراراً، ولم أجامل منهم أحدا ً، قائلاً ان ذلك محض الترّدي الإداري ومحض سوء الإدارة ومحض الجهل الإداري، لان الإدارة، احبتي، هي فن تشغيل الاخرين واستحلاب اقصى طاقاتهم.  والقائد الميداني الناجح هو من يعمل أنظمة عمل ولوائح معيارية سهلة ومرنة تحفظ الحقوق وتسرع الإنتاجية المجتمعية، ويجتهد هو بمراقبتها وعدم التجاوز عليها ويضمن سير السياقات بموضوعية وعدالة، ويضع له مجسات وينتقي مؤشرات مناسبة، مرة روتينية ومرة أخرى عشوائية، ومرة دورية، ومرة مباغتة لمراقبة أداء من هم في معيّته المكلفين بها، ويفحص نوعية الأداء وسرعته وإخلاص الموظف ونزاهته في أدائها وعدم التحايل او التنازل عنها لمحسوبيات او لرشى وعمولات مدفوعة.  والقائد الميداني الناجح هو من مكنته الأدبيات الإدارية من التعاطي مع سوء او حسن الأداء من خلال المكافئة والعقوبة (العصا و الجزرة) او سمها الثواب والعقاب، وعليه ايضاً ان يستعملها بعدالة وصدق ووضوح ودون مجاملة لأحد ليكون قدوة للعاملين تحت إدارته .

 

أما الإدارة في العراق المتمثلة بفن الاستحواذ على كل الملفات وسحبها من المعنيين بها والمختصين بها واحتكارها لدى رئيس الدائرة او المؤسسة وفن السهر على الملفات في بيوت المسؤولين – وربما تساعدهم زوجاتهم واولادهم في اتخاذ القرارات بشأنها – وممارسة فن (الرياء الإداري) بتكديس الملفات على مكاتب المسؤولين الكبار واختناق رفوفهم بأكوام الورق، والتصرف بأسلوب الانشغال المصطنع والاستنفار المزيف والدوران في حلقات ورقية مغلقة، وتأخر مصالح البلد والاعمار والتنمية والاستثمار والخدمات والمنافع بحجة انها لابد ان تمر تحت يد القائد الميداني الإداري الأعلى في المؤسسة، فهي محض احتكار.

 

يتندر مسؤول آخر أيضا بأنه سحب عمل فلان وملفات فلان وجعل فلان لا يعمل سوى بقراءة الجرائد اليومية وشرب الشاي، وكأنك يا مسؤول كي ترضي نهمك الإداري والسلطوي وترضي الطاغية الذي في داخلك جردت الآخرين من كل صلاحياتهم واعمالهم، وهو بالتأكيد دكتاتورية إدارية مقيتة.

 

في علم الإدارة هنالك مفاهيم مبنية على أساس كيفية الوصول الى الحلول المثلى والانجاز الأمثل للأعمال، وأنصحكم إن رغبتم في التطور والتطوير ان تدرسوا البرمجة الخطية linear programming وبحوث العمليات operations research وإدارة الأعمال business administration، ولأجل ذلك تعلق مسؤولية الاعمال في رقبة مواقع إدارية بعينها حسب توصيفها الوظيفي، وبذلك تمنح الصلاحية لتساوي تحمل المسؤوليات المناطة بالموقع لإنجاز الاعمال الوظيفية الكفيلة بتقدم العمل والتنمية.  فيا أيها المسؤول الأعلى اذا جردت أصحاب المواقع من صلاحياتهم وسحبتها لك، يجب عليك ان تتحمل مسؤولياتهم ايضاً، فتصبح مسؤولاً عن تقديم الأداء الحسن مقابل أي صلاحية إدارية منتزعة من المسئول عنها وبخلافه تكون جريرتك مضاعفة – مرة لأنك سلبت أعمال الآخرين واختصاصهم ومرة لأنك لن تفلح في أدائها، ولم تقدم الأداء الحسن مقابل أي صلاحية إدارية منتزعة من المسئول عنها، وأنت من يتحمل الفشل والإخفاق.

 

ترى، هل أنت سوبرمان الزمان؟  وهل يومك ليس كيومنا؟  يومك يمتد إلى 100 ساعة مثلاً كي تنجز كل اعمال الاخرين.  بالتأكيد لا، لأنك انسان عادي، وبذلك فإن احتكارك للأعمال الإدارية سيظهر على شكل تقصير حتمي في أداء المؤسسة وتأخير في الإنجاز ورداءة في النوعية.  وهنا تصبح محتكراً وملعوناً لأنك منعت بلدك وشعبك من فرصة التقدم والرفاهية وقصرت عليهم في الخدمات والبنى التحتية وخلق فرص تنشيط الاقتصاد.  وانت هنا ملعون ليس على لساني انا العبد الفقير وإنما أنت ملعون على لسان سيد الخلق محمد صلوات الله عليه وآله، الذي يقول، (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون)، والجالب هو خلاف المحتكر الاقتصادي للسوق وللسلع التي ينتجها حيث يجلب ما ينتجه من سلع وخدمات الى السوق مباشرة لتخضع لقوى العرض والطلب، أي ان جهاز المنافسة هو الكفيل بتحديد سعرها واذا اردت ان تبيع اكثر وتربح اكثر عليك ان تطور الأداء وتدخل التقنيات والمعارف وتستعين بالخبرات والكفاءات لكي تقلل الكلف وتحسن نوعية المنتج لديك ليكون منافساً وتزيد أرباحك فيحصل التقدم في كل شيء، وبذلك تكون مرزوقاً لأنك لا تراهن على الاحتكار للتلاعب بالأسعار، فالسعر في سوق المنافسة (معطى)، بينما السعر في سوق الاحتكار أنت من تريد التحكم به والمراهنة عليه لا على الكفاءة في جنى الأرباح فأنت إذاً محتكر ملعون.

والمحتكر ملعون لأنه يراهن على حبس السلع والخدمات عن تغذية العرض الكلي ويرفع الأسعار لجني ربح احتكاري وهو اكبر بكثير من الربح الاقتصادي.  واذا كان المحتكر الاقتصادي ملعوناً، فالمحتكر الإداري هو الاخر ملعون لان نفس المقدمات تنطبق عليه، فهو لا يترك الاعمال الإدارية تسير بسلاسة من قبل المعنيين بها ويمنعها من الإنجاز السريع مقابل الحصول على (السمعة الاحتكارية) وهي مقابلة (للربح الاحتكاري) حيث يمنع الاخرين من الابداع ويقمع طاقاتهم وخبراتهم وتخصصهم ويركنهم جانبا لكي يبقى هو المميز، ويكون تميزه من خلال تغييب الآخرين المنافسين ودفعهم نحو الأسفل، وليس من خلال الاجتهاد والمثابرة الخلاقة فيتقدم عليهم، ويحصل على السمعة الاحتكارية.  هذه السمعة الاحتكارية له تكون سبباً في تأخر البلد وعدم استنهاض طاقاته الخلاقة، أي انه يدفع البلد ثمنا لنهمه الشخصي.  ومن يفعل ذلك فهو ملعون ملعون ملعون، وعلى لسان نبينا الكريم (ص)، فهو يمنع طاقات الاخرين من دخول (السوق الإدارية) ويحتكرها لنفسه لأنه اضعف من ان ينافس الاخرين، ولو كان حريصاً على بلده لجلب طاقات الآخرين إلى (سوق المنافسة الإدارية) وأتاح لهم الفرص المتكافئة، وعندها سيكون مضطرا إلى تطوير قدراته وتحسين إمكانياته المعرفية والمهنية لمجاراتهم في العمل ومنافستهم، ولذلك هو يمنعهم من الدخول الى حلبة السوق الإدارية، وهنا تحل عليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين.

* رئيس منظمة اقتصادنا للتنمية المستدامة

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين.  يسمح بإعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. 19 / 5 / 2016

http://iraqieconomists.net/ar/

لتنزيل نسخة بي دي أف سهلة الطباعة انقر على الرابط التالي

Abduhussain Al-Anbaki-Monopolizing Management is as Mopolizing the Economy-final editing

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"

أبحاث ومقالات أخرى للكاتب

عبد الحسين العنبكي

أ.د. عبد الحسين العنبكي*: المنجحات العشر مجددا .. منهج حكومي متكامل

Book cover Abdul Hussein Al-Anbaki

تقديم الكتاب الجديد للدكتور عبد الحسين العنبكي* الفجوات الثلاث -متلازمة التنمية الاقتصادية الضائعة

Abdul Hussain Al-Anbaki-image

أ. د. عبد الحسين العنبكي*: مواجهة العشوائيات في العراق: سيادة للقانون.. تمويل للدولة

عبد الحسين العنبكي

أ. د. عبد الحسين العنبكي*: جدلية سعر صرف الدينار العراقي

عبد الحسين العنبكي

أ. د. عبد الحسين العنبكي*: متلازمة تفكك السياسات الاقتصادية الكلية

لماذا لم تطبق التعرفة الكمركية – حوار وتقرير مع المسؤوليين والخبراء

أ.د. عبدالحسين العنبكي:* الاحتكار الإداري كالاحتكار الاقتصادي … كلاهما حرام (4)

Abdul Hussain Al-Anbaki-image

أ.د. عبدالحسين العنبكي:* الاحتكار الإداري كالاحتكار الاقتصادي … كلاهما حرام (3)

لماذا لم تطبق التعرفة الكمركية – حوار وتقرير مع المسؤوليين والخبراء

أ.د. عبدالحسين العنبكي:* الاحتكار الإداري كالاحتكار الاقتصادي … كلاهما حرام (2)

د. عبد الحسين العنبكي

عن د. عبد الحسين العنبكي

مستشار اقتصادي في هيئة المستشارين التابعة للأمانة العامة لمجلس الوزراء رئيس منظمة اقتصادنا http://goo.gl/fFaM5Z