أبحاث نظرية في الفكر والتاريخ الإقتصاديالرئيسية

د. مهدي البناي* جائحة الكورونا ونقد النظرية المالثوسية

يبدو أن الكآبات تستدعي بَعضها، وفي أيام الوباء هذه يتردد ذكر مؤسس علم الدراسات السكانية القس الانكليزي توماس مالثوس (1766 – 1834)، مؤلف (مقال عن السكان) ذلك الكتاب الذي نشره في شبابه زاعماً فيه عدم قدرة الأرض على مواكبة تداعيات الكثافة السكانية دائمة النمو، باثاً تشاؤماً قدرياً في افكار الاجتماعيين المتنبئين بالفقر والمجاعة والحروب، نتيجة تناقص الموارد؛ (زيادة السكان بشكل لامتناه من قدرة الأرض على انتاج الموارد). تلك الافكار التي أدت ان يوصم علم الاقتصاد بـ(العلم الكئيب).

 

تلك كانت نظريته القائمة على أساس فرضيتين:

 

الأولى: ان السكان يتزايدون وفق متوالية هندسية Exponential

الثانية: إن الموارد تميل للزيادة وفق متوالية عددية Linear (خطية)

 

تكون هاتان الفرضيتان اساساً لقانون (حتمي) كما رآه، وهو قانون تناقص الموارد Decreasing Resources الذي يؤدي إلى أزمة حتمية من الشقاء.

 

الحقيقة ان التأريخ لم يدعم هذه (النظرية المتشائمة)، على الاقل خلال القرنين الماضيين. نعم، ازداد عدد السكان من أقل من مليار عام 1800 إلى أكثر من ست مليارات، لكن يبدو ان السبب ليس المالثوسية. انما يعزى السبب إلى عاملين اساسيين هما التطور الطبي والعلاجي والوقائي واللقاحات الذين أديا إلى تخفيض عدد وفيات الاطفال، وزيادة متوسط العمر نتيجة التغذية الجيدة والعناية الطبية وارتفاع مستويات المعيشة.

 

كما يلاحظ تباطؤ حاد في معدلات الولادات خلال الخمسين سنة الماضية، خاصةً في البلدان الاكثر ثراءً التي يميل الافراد فيها إلى إنجاب عدد أقل من الاطفال على النقيض مما طرحه مالثوس. فعلى مدى النصف قرن الماضي انخفض معدل المواليد في الدول المتقدمة من 2.8 إلى 1.9، وانخفض في البلدان النامية من 6.2 إلى 2.9 وفي بعض دول أوربا يقل معدل المواليد كثيراً عن مستوى الإحلال، ولا يوجد في أوربا اي قلق من موضوع الزيادة السكانية بل العكس من ذلك، هم قلقون من تناقص قوة العمل في سن الشباب، ولعل هذا احدُ اسباب تراخي سياسات الهجرة في السنوات الاخيرة.

 

وإذا صحت فرضية التزايد الهندسي للسكان، فأعتقد ان التزايد المعرفي والتكنولوجي (المتوالي هندسياً أيضاً) هو الآخر سوف يوازي التزايد السكاني.

 

وبخصوص فرضية تناقص الموارد، فالوقائع التأريخية تكذب هذا الاساس ايضاً.

 

يفترض مالثوس ثبات عناصر الأرض وراس المال والعمالة، وعناصر أخرى ربما لم يحظَ هو بفرصة التعامل معها. في الواقع، أدى التطور التكنولوجي في الزراعة وتطور الاسمدة وابتكار التعديل الوراثي الجيني للنباتات إلى تضاؤل الأهمية النسبية للأرض، بعد أَن تَمت مُضاعفة إنتاج الدونم الواحد أَضعافاً مضاعفة، كما أدى استخدام التكنولوجيا والطاقة إلى ري مساحات شاسعة وبعيدة

 

حتى المجاعات التي حدثت في بعض البلدان لم تكن الطبيعة سبباً لها، بقدر ما كانت السياسات الاقتصادية والمغامرات الحكومية الطائشة، وفي بعض السنين رأينا فائضاً بالإنتاج الزراعي تم رميه في البحر للمحافظة على سعره.

 

تضعف نظرية مالثوس كثيرا بلحاظ تجاهله لدور الأسعار في التحكم في سرعة استهلاك الموارد، وتجاهلها لاكتشافات الطاقة، ونظم المواصلات التي ادت إلى سلاسل التوريد الطويلة long supply chain وأثرها على انتاج الغذاء واستهلاكه.

 

لا أفهم سبباً لاستدعاء هذه (الكآبة) الاقتصادية، لتفسير الوباء الحالي أو التنبؤ بمآلاته، فالتأريخ لا يدعم هذه النظرية، والحاضر لا يفعل كذلك.

 

فإذا كان هذا الوباء هو (تصحيحاً) تأريخياً (لتناقص) الموارد (الوهمي) فما هو تفسير تفشي الوباء في البلدان ذات النمو المحدود سكانياً؟ ايطاليا والمانيا لا يتجاوز نموها السكاني سنويا 1% وحتى الصين ذات معدل النمو 1.8%.

 

إن التفسير الامبريالي، كما ذهب إليه بعضهم، لا يعد كافياً. نعم، يمكن ان يكون استغلالاً رأسمالياً طبيعياً، جرت عليه عادة من يملك (الوفرة) في رأس المال، وفائضاً في القوة الاقتصادية والتكنولوجية.

 

إن الازمات الاقتصادية التي مرت خلال القرن الماضي وفي العقد الأول من القرن الحالي كانت صنيعة النظام الرأسمالي غير المستقر، ودامت بعضها لسنوات طويلة، وربما نشهد أزمة جديدة بفعل عامل الطبيعة هذا، ستؤدي ربما إلى تغير في مفهوم العولمة وإلى تحول مركزها، وربما سيعاد النظر في سلاسل التوريد الطويلة، وسيعاد التفكير بمفهوم القرية العالمية والتركيز مرةً أخرى على (القومية الاقتصادية).

 

لكن كل هذا لا يستدعي الكآبة. إن الاقتصاد الذي حَقق فائضاً في كل شيء يستطيع تخطي هذه الازمة ايضاً.

 

 

(*) رجل لأعمال وصناعي، رئيس مجلس إدارة الشركة المتقدمة للصناعات الغذائية AFICO، كربلاء.

 

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بإعادة النشر بشرط الإشارة إلى المصدر. 27 آذار 2020

لتحميل ملف بي دي أف انقر على ارابط التالي

مهدي البناي-في نقد المالثوسية-محررة

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: