النفط والغاز والطاقة

فاضل علي عثمان: البنى الارتكازية لصناعة النفط في العراق

1- مقدمة

 يرتبط مصير عملية إعادة إعمار الإقتصاد العراقي عامةً والقطاع النفطي، خاصة اليوم، بمدى النجاح في صياغة المشروع السياسي الوطني العراقي على أساس الديمقراطية والتنمية والمصلحة الوطنية المشتركة، وبعيداً عن المصالح الإثنية والطائفية والقومية وإبعاد الصناعة النفطية عن التأثيرات والضغوط السياسية بغية استعادة الأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي للبلاد وإعادة أنشاء البنية التحتية المُدمّرة للعراق.

ولسنا الآن بصدد الدخول في مناقشة إستراتيجية العراق النفطية لما حوت من تفاصيل لمراحل تَقدّم العمل في بناء صناعة النفط والغاز العراقية، ولكن تلك الإستراتيجية تجنبت الدخول في منطلق التطبيق وعلاقتها بسياسة العراق النفطية، حيث تركت الموضوع للساسة العراقيين لوضع التفاصيل اللازمة للتنفيذ، وذكرت بصورة هامشية مبسطة من سيقوم بالتنفيذ.

في العراق، ولسنوات خلت، ومنذ إلغاء شركة النفط الوطنية ودمج نشاطاتها بوزارة النفط، فقد إختلطت مبادئ السياسة النفطية بمقومات الصناعة النفطية، ومن الأصل فلم تكن هناك سياسة نفطية واضحة بل عملت الدولة منذ تأميم النفط على زيادة وتيرة الإنتاج بدون وضع ركائز ثابتة لهذا القطاع لتجنب تذبذب الأهداف الرئيسية.

لا يمكن أن نضع إستراتيجية نفطية مالم تكن مستندةعلى قوانين وتعليمات، وحتى الآن لا يوجد قانون للنفط والغاز وتعليمات لتنفيذ أسس وأساليب العمل في القطاع النفطي، ولم تتطرق الإستراتيجية العامة للطاقة لإعادة تنظيم العمل في القطاع النفطي وفصل النشاطات التشغيلية كما كانت سابقاً عن الوزارة وبناء شركات تشغيل حديثة ووضع أساليب اقتصادية ومالية وفنية لإدارة القطاع.

كما أن العراق الآن لا يمتلك الآلية التي يمكن بها وضع الإستراتيجية التي تتبناها السلطة التنفيذية، ومن الواجب تشريعها لتكون ملزمة لكافة الأطراف التي لها علاقة بتطوير الإستراتيجية.

ليس هناك معنى أن نضع في دستور الدولة أن النفط والغاز ملك الشعب العراقي كما جاء في المواد 110، 112، 144، 115 من الدستور أن لم يتحول ذلك إلى قوة حقيقية لرفاهية الشعب وتقدمه.

إن وجود إستراتيجية وسياسة نفطية رشيدة هي غاية جميع العراقيين وعلى جميع الأطراف السياسية العراقية المساهمة في بناء، وإيجاد إجماع وطني حول القضية المركزية التي لها هدف واحد وهو المصلحة العليا للعراق أولاً، ولخدمة كافة أطراف الشعب العراقي.

منذ فترة طويلة من الوقت واقتصاديين العراق ينادون بوضع إستراتيجية لتنوع الاقتصاد العراقي، ودفعه بعيداً عن الإعتماد على مصدر واحد للدخل ، وتجنب الإقتصاد الوحيد الجانب الذي يعتمد كلياً على النفط، وتنشيط القطاعات الزراعية والصناعية وإنعاش السوق المحلية ووضع أسس ثابتة وسليمة لبناء القطاع الخاص والتحول إلى بناء عقود مشاركة مع الشركات الأجنبية لتنشيط القطاع الصناعي والزراعي بدلاً من التوجه إلى الخصخصة وتحسين الشفافية لنشاطات القطاع العام، ووضع أسس محاسبة صحيحة بدلاً من التوجه إلى مؤسسات النزاهة والروتين الإداري ودراسة قطاعات المجتمع وتقوية الطبقة المتوسطة من خلال تطوير الطبقات الفقيرة والمُعدمة بدون المساس بالطبقات الغنية التي يجب أن تُشجّع للدخول إلى المشاركة مع القطاع العام.

إن النظر إلى القطاع النفطي كبقرة حلوب، والهم الأكبر هو عدد البراميل المصدرة، وعدد الدولارات الواردة دون الدخول في بناء إستراتيجية وسياسة نفطية واضحة، وبدون الإهتمام ببناء مجتمع منتج بحيث أن سمات التخلف بدت واضحة، وأن التحجج المستمر بالحروب والدكتاتورية لا تعطي أسباب مقنعة لتقييم الوضع العام والخاص، وأن الإنتكاسة الكبيرة التي يعاني منها العراق، لا يمكن أن نضع مسؤوليتها على أشخاص معينين، ومن الواجب دراسة معمقة وصريحة لطبيعة المجتمع، والدوافع الانتكاسية التي يعاني منها وأسباب تجزئة المجتمع وإخفاقاته من التطلع إلى بناء نفسه وتطويرها.

ولهذا يمكن القول بأنه “اختلط الحابل بالنابل” فأصبح سياسيو العراق يناقشون صناعة النفط العراقية وأصبح ذوي الخبرة النفطية يتحدثون بالسياسة النفطية، وإنعدام وجود الخبراء الذي يجب أن يكون لديهم القول الفصل سواء بالصناعة النفطية أو السياسة النفطية أو مجتمعاً. وأصبحت الدراسات والبحوث الفردية مدخلاً لذلك، وانعدام نشاطات اللجان أو فرق العمل للمجيء برأي موحد، ومن المؤسف حقاً عند العودة إلى القوانين النفطية الموضوعة سابقاً مثل قانون رقم (80) لسنة (1960) والذي أعاد 99.5% من الأراضي العراقية لتكون تحت الإشراف المباشر للحكومة أو قوانين تأسيس شركة النفط الوطنية عامي 1964 و1967، أو قوانين تأميم النفط 1976 -1972، لوجدنا النضوج السياسي النفطي خلال تلك الفترة واخفاقاتها المستمرة منذ عام1980 .

لمواصلة القراءة يرجى تنزيل ملف بي دي أف. انقر هنا

*) مهندس وخبير نفطي عراقي يعمل في الصناعة النفطية العراقية منذ 50 عاماً

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: