د إبراهيم الحيدري *: الدولة المدنيّة والدولة الدينيّة

تثير قضية فصل الدين عن الدولة اليوم جدلا ونقاشا واسعا. ففي الوقت الذي اصبحت فيه هذه القضية من المسلمات الأساسية في المجتمعات الديمقراطية الحديثة، تحولت في المجتمعات العربية والإسلامية الى […]

تثير قضية فصل الدين عن الدولة اليوم جدلا ونقاشا واسعا. ففي الوقت الذي اصبحت فيه هذه القضية من المسلمات الأساسية في المجتمعات الديمقراطية الحديثة، تحولت في المجتمعات العربية والإسلامية الى إشكالية مثيرة للصراع الاجتماعي والاحتراب الفكري والسياسي، وخاصة بعد صعود الأحزاب الإسلامية إلى السلطة في بعض الدول العربية.

 

ولذلك يصبح من الضروري توضيح سوء الفهم والالتباس بين هذه المفاهيم وطرحها للبحث والمناقشة الهادئة وذلك لحداثتها وأهميتها وحساسيتها وعدم استيعابها من قبل البعض وكذلك ما يحيط بها من أحكام مسبقة وتأويلات غير موضوعية. وإذا رجعنا الى أصول فكرة فصل الدين عن الدولة وخلفيتها التاريخية، نجد ان الأصل هو فصل الكنيسة عن الدولة. وهذا الفصل هو في الحقيقة وليد عصر النهضة وعصر التنوير ومرحلة الحداثة في أوروبا التي عرفت الفصل بين الزمني والروحي، أي الفصل بين الحياة الدنيوية والحياة الدينية، لأن لكل منهما فضاءه الخاص به. كانت الكنيسة الكاثوليكية في أرووبا دولة داخل دولة تحتكر المعنى الديني وتكفّر كل من يخالفها الرأي والعقيدة مثلما تحتكر المعنى الاجتماعي والسياسي والثقافي، إضافة الى احتكارها المعنى الأخلاقي. كما فرضت الكنيسة سيطرتها وأبوتها على جميع الناس بسبب ما فرضته عليهم من ضرائب مالية عالية وواجبات طقسية عديدة وما أدخلته الى الدين المسيحي في أصالته ونقاوته من بدع ومفاسد كصكوك الغفران وغيرها. من ذلك التاريخ رفع الشعار الذي ورد في الإنجيل المقدس: “أعطِ ما لقيصر لقيصر وأعطِ ما لله لله “. وقد أفرز الصراع مع الكنيسة خلال عصر التنوير في أوروبا حركة تحرر وانعتاق من سلطتها وأفكارها الكهنوتية، وتحقق لأول مرة في التاريخ، فصل الدين عن الدولة او ما يطلق عليه في أوروبا بمفهوم “العلمانية”. والعلمانية، مشتقة من كلمة العِلم أو العَالم. وهي مفهوم ليبرالي يشير الى فصل الدين عن الدولة والمجتمع الديني عن المجتمع المدني ، بمعنى ان لا تمارس الدولة أي سلطة دينية، وان لا تمارس الكنيسة أي سلطة سياسية ايضا. وتعريف العلمانية في عصر النهضة الاسلامي مشتق ايضا من المقولة الشهيرة التي صاغها محمد عبده:” لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين” وكذلك مقولة سعد زغلول الشهيرة أيضا: “الدين لله والوطن للجميع”.

ومن هنا يصبح لدينا نوعان من الدول، واحدة مدنية علمانية وأخرى دينية. والدولة المدنية الحديثة هي السائدة في العالم اليوم التي لا تتدخل في الشؤون الدينية ولا تسمح لرجال الدين بالتدخل في الشؤون السياسية ولا تطبق سوى القانون الوضعي. الدولة المدنية  الدولة المدنية هي دولة القانون والمجتمع المدني، وهي الدولة الحديثة التي تقوم على اساس مفهوم المواطنة. ففي ظل دولة القانون والمجتمع المدني لا يكون هناك تمييز او إقصاء لأي فرد. لأنها تقوم على مفهوم المواطنة واحترام حقوق الانسان وعلى التعدد والتنوع والاختلاف، فلا تفرق بين المواطنين ولا تسمح لأي سلطة بالتدخل في شؤونهم.

والدولة المدنية لا تعني أبداً منع المواطنين من ان يكونوا مؤمنين ومتدينين ويمارسون شعائرهم وطقوسهم الدينية بحرية. فالدولة المدنية الحديثة هي جهاز إداري وسياسي وقانوني ينظم حياة الأفراد داخل المجتمع، أي ان دور الدولة ووظيفتها هما تنظيم وإدارة شؤون حياة المواطنين وتوزيع الحقوق والواجبات بالتساوي بينهم، من دون ان تفرض دينا او مذهبا او طائفة، لأنه إذا كان للدولة دين او مذهب معين تفرضه على افراد المجتمع، فسوف تلغي بالضرورة حقوق اصحاب الديانات والمذاهب الاخرى، وإذا فرضت ذلك فإنها تضطهد اصحاب الديانات الأخرى أو تهمشهم. ولهذا يصبح فصل الدين عن الدولة خطوة هامة لكي تضمن الدولة حرية العقيدة واحترام حقوق الانسان ويضمن المجتمع لأفراده احترام الأديان والمعتقدات والثقافات الفرعية. ومن أهم مهمات الدولة المدنية الحديثة هي الانتقال بالأفراد من رعايا الى مواطنين  وان يكون دور الدولة ووظيفتها هما تنظيم وإدارة مؤسسات الدولة والمجتمع بصورة محايدة وان لا تتبنى دينا أو مذهبا أو عقيدة معينة، وحتى تكون محايدة وخصوصا في مجتمع متعدد الأديان والثقافات، عليها ان تفصل الدين عن الدولة لتضمن احترام حقوق الانسان من خلال احترام دياناتهم وعقائدهم وان تعطي الحرية الكاملة لممارسة الشعائر والطقوس الدينية

.

الدولة الدينية

الدولة الدينية هي التي تضع السلطة والقوة بيد الله، بمعنى الحاكمية لله وحده، وهي النواة الأساسية التي يقوم عليها المشروع (الديني)، الإسلاموي، أي الدولة الدينية التي تفرض تطبيق الشريعة السماوية على الأرض وليس القانون الوضعي الذي يضعه العقل البشري.

إن فصل الدين عن الدولة يعني:- أولاً – عدم إخضاع الفعاليات السياسية والاقتصادية لاحتكار أي سلطة دينية مستقلة. ومعنى السلطة هنا هو احتكار فئة متميزة بذاتها تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة بشؤون الدولة وفعالياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ثانياً – لا يعني فصل الدين عن الدولة، فصل الدين عن المجتمع، وإنما عدم السماح لرجال الدين ووعاظه استغلال المبادئ والقيم الدينية النبيلة لإشباع حاجاتهم ومصالحهم الخاصة وتوظيفها في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي وغيره، انطلاقاً من حقيقة إنسانية عامة وشاملة هي ان ” الدين لله والوطن للجميع”،

وثالثاً ان يكون التشريع نابعاً من استقلالية مجلس التشريع القائم على الدستور. والدستور هو تشريع وضعي ينظم دولة المواطنة المدنية، بمعنى ان الجميع متساوون أمام القانون بصرف النظر عن الدين والمذهب واللون والجنس والأصل أو العرق، فكل الناس متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات

والسؤال الذي يتبادر للذهن هو: هل يعني فصل الدين عن الدولة تنحية الدين عن الحياة الاجتماعية؟ الجواب: بالطبع لا، لأن الدين، تاريخيا واجتماعيا وثقافيا هو من أهم المكونات الهامة للقيم والشعائر والطقوس التي تنظم شؤون الحياة الاجتماعية والدينية. إن فصل الدين عن الدولة والسياسة يعني احترام الدين ومثله العالية وقيمه الروحية، وهو يعني ايضا حماية الدين والعقيدة من العابثين بهما وعدم السماح باستغلال الدين والشعائر والطقوس وتسييسها من اجل إشباع المصالح الخاصة، وبصورة خاصة من السياسيين والتجار ووعاظ السلاطين الذين يستغلون الدين من اجل تحقيق اهداف ومصالح المستبدين والمتسلطين على رقاب الناس عن طريق رفع شعارات “دينية” لاستغلال عواطف الجمهور وتبرير اعمالهم المنافية للدين والأخلاق والقوانين المدنية. إن التحول الى دولة دينية تحتكر دينا واحدا أو مذهبا واحدا، في بلد متعدد الأديان والمذاهب والطوائف، يعني انها لا تعترف بالأديان والمذاهب الأخرى ولا تعطي حقوقهم كاملة ،وان إقحام الدين في السياسة، يهدف دوما الى تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية والى إقصاء الآخر المختلف عن الساحة التي هي ملك جميع المواطنين. الدين يعني قبل كل شيء علاقة روحية بين الإنسان وربه دون أي وساطة من أحد، فهو ليس نظاما سياسيا وإنما هو نظام اجتماعي / أخلاقي جاء لتنظيم حياة الإنسان الروحية. كما ان الإيمان والعقيدة والالتزام بهما أمر شخصي ولا يصح للدولة التدخل فيهما وإرغام المواطنين عليها، لأن مسؤولية الدولة تشريع قوانين مدنية عامة لإدارة المجتمع، أما القضايا والمسائل الفقهية والاحكام والمعاملات الشرعية فتترك لأهلها من علماء الدين والفقهاء به، ليتاح لكل مواطن الرجوع إليهم. وهو ما يساعد على بناء الدولة المدنية والتخلص من الصراعات الدينية والمذهبية والطائفية.

 

(*) استاذ جامعي سابق وباحث في علم الاجتماع

الاراء الواردة في جميع المواد المنشورة على موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير وانما عن رأي كاتبها وهو يتحمل المسؤولية العليمة والقانونية

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"

أبحاث ومقالات أخرى للكاتب

Book cover Iraqi Personality

كتاب الدكتور إبراهيم الحيدري*: الثابت والمتحوّل في الشخصيَّة العراقيَّة – دراسة للتغيّرات البِنيَويَّة التي حدثت في العِراق حتّى عام 2003

Ibrahim Al-Haidary image

حوار مع الدكتور إبراهيم الحيدري ماضوية الثقافة العربية وتشوّهات الشخصية العراقية

Ibrahim Foto

إبراهيم الحيدري *: الهيمنة الأبوية الذكورية في المجتمع والسلطة

Ibrahim Al-Haidari image

د. إبراهيم الحيدري:* أفكار أولية حول نمو الطبقة الوسطى وضمورها في العراق **

Ibrahim Al-Haidari image

الدكتور ابراهيم الحيدري *:الدولة الريعية الشمولية تجعل السلطة أكثر قوة وتماسكاً

Ibrahim Al-Haidari image

الدكتور إبراهيم الحيدري *: الأزمة المجتمعية وافرازاتها في العراق

Ibrahim Foto

د. إبراهيم الحيدري *: مجلس الاعمار ودوره الريادي في عملية التنمية في العراق

Ibrahim book cover

صدور الطبعة الثانية من كتاب تراجيديا كربلاء-سوسيولوجيا الخطاب الشيعي للدكتور ابراهيم الحيدري

د. ابراهيم الحيدري

عن د. ابراهيم الحيدري

أستاذ جامعي سابق. باحث وكاتب في علم الاجتماع وهو أحد الطلاب الأوائل لعالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور علي الوردي وكتب الكثير عن أفكاره واعماله