د. سهام يوسف علي:
المقدمة:
ليس الاقتراض في حد ذاته دليلاً على الفشل الاقتصادي، كما أن الحصول على التمويل بشروط ميسّرة لا يُعدّ مؤشراً على نجاح السياسة المالية. فالقروض أداة من أدوات السياسة الاقتصادية تلجأ إليها الدول لمواجهة الأزمات وتمويل احتياجاتها، غير أن آثارها تتوقف على دوافع الاقتراض، وأوجه استخدام الأموال، وقدرة المؤسسات على تنفيذ الإصلاحات وتحويل التمويل إلى نتائج اقتصادية مستدامة. ومن هنا، لا ينبغي تقييم الاقتراض بحجم الأموال المتاحة أو بكلفة التمويل وحدهما، بل بمدى إسهامه في تعزيز الإنتاج، وتنويع الإيرادات، وتحسين الاستدامة المالية، والحد من الاعتماد المتكرر على الدين.
وفي العراق، عاد ملف الاقتراض من صندوق النقد الدولي إلى الواجهة بعد إعلان مديرة الصندوق، كريستالينا غورغييفا، في أكتوبر 2026، أن العراق طلب برنامجاً تمويلياً، مؤكدة استعداد الصندوق لدعمه بالتمويل والمشورة بشأن السياسات. وحتى تاريخ إعداد هذه الورقة، لم تُعلن تفاصيل نهائية عن حجم التمويل وشروط البرنامج المقترح.
ويأتي هذا التطور في ظل اختلالات مالية مزمنة، تتمثل في الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، وارتفاع النفقات التشغيلية ذات اللزوجة المالية، وضعف الإيرادات غير النفطية، ومحدودية القاعدة الإنتاجية خارج القطاع النفطي. وقد حذّر صندوق النقد الدولي، في تقرير مشاورات المادة الرابعة للعراق لعام 2025، من تصاعد المخاطر المالية نتيجة التوسع في الإنفاق العام وتراجع أسعار النفط، مشيراً إلى أن استمرار هذه الاتجاهات من دون إصلاحات جوهرية قد يؤدي إلى تفاقم العجز وارتفاع الدين العام (صندوق النقد الدولي، 2025أ).
إحدى المشكلات الأساسية في الاقتصاد العراقي ، تتمثل بعدم التوازن بين طبيعة الإيرادات وطبيعة النفقات. فالإيرادات النفطية تتأثر بأسعار النفط وكميات التصدير والظروف الجيوسياسية، في حين تتسم النفقات الجارية، ولا سيما الرواتب والتقاعد والتحويلات، بقدر كبير من اللزوجة. وعندما تتراجع الإيرادات، لا تستطيع الحكومة تقليص هذه النفقات بالسرعة نفسها، فتظهر فجوة التمويل وتتزايد الحاجة إلى الاقتراض.
وتكشف البيانات الأولية لموازنة العراق لعام 2027 عن إنفاق مخطط قياسي يبلغ 217.239 تريليون دينار، مع عجز تقديري يبلغ 43 تريليون دينار. ويتوقع أن يتجاوز عجز الموازنة سقف العجز المحدد في الموازنة التخطيطية والمقدر بـ3% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتكمن المشكلة في أن الحكومة قد تتمكن من تمويل عجز سنة معينة عن طريق الاقتراض، لكنها لا تستطيع ضمان استدامة هذا الخيار إذا كانت الالتزامات تتزايد بصورة أسرع من الإيرادات والقدرة الإنتاجية للاقتصاد. وبالتالي، فإن الاقتراض قد يعالج مشكلة السيولة مؤقتاً، لكنه لا يعالج وحده الاختلال الهيكلي بين الإيرادات والنفقات. وإذا لم تتغير أسباب العجز، فقد تتحول القروض إلى التزامات إضافية تزيد الأعباء المستقبلية بدلاً من تخفيفها.
لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:
الدكتورة سهام يوسف. العراق وصندوق النقد الدولي هل يكون التمويل بوابة للإصلاح أم تأجيلاً للأزمة؟

دكتوراه في الاقتصاد الدولي، المدرسة العليا للإحصاء والتخطيط، وارشو، بولندا. تقيم حالياً في المغرب


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية