د. سهام يوسف:
المقدمة:
إن النقود، في النظرية الاقتصادية الحديثة، لا تُختزل بوظائفها التقليدية بوصفها وسيطًا للتبادل، ووحدةً للحساب، ومخزنًا للقيمة؛ وهي الوظائف التي تبلورت في الأدبيات النقدية الكلاسيكية والحديثة، وجرى تطويرها في أعمال إرفنغ فيشر، وجون ماينارد كينز، وميلتون فريدمان. غير أن تطور الاقتصاد المؤسسي وسّع وظائف النقود لتؤدي دورًا إضافيًا ذا طبيعة معلوماتية، يتمثل في كونها أداة لقياس كثافة النشاط الاقتصادي، واتجاهات السيولة، وأنماط التفضيل النقدي، ومستويات الاكتناز، ودرجة اندماج الكتلة النقدية في القنوات الرسمية.
وبهذا المعنى، فإن كفاءة النظام النقدي لا تُقاس فقط باستقرار المستوى العام للأسعار أو حجم الاحتياطيات الأجنبية، بل أيضًا بمدى وضوح الكتلة النقدية أمام السلطة النقدية، أو ما يمكن تسميته بـ الرؤية النقدية، أي درجة انكشاف النقود مؤسسيًا من حيث مواقعها ومسارات تداولها داخل الاقتصاد.
وهنا يتكشّف العجز البنيوي في الاقتصادات الريعية ذات الهشاشة المؤسسية، حيث لا تنبع الأزمة النقدية بالضرورة من تآكل القوة الشرائية أو اختلال القيمة الاسمية للنقود، بل من حالة انقطاع وظيفي بين الكتلة النقدية وقنوات الوساطة المالية الرسمية. فكلما اتسع نطاق الاكتناز وتضخم حجم النقد خارج الجهاز المصرفي، ضعفت قنوات انتقال السياسة النقدية، واضطربت دالة ردّ الفعل النقدي، واتسعت رقعة الاقتصاد غير الرسمي، وما يرافق ذلك من تآكل في القاعدة الضريبية الفعلية، وارتفاع تكاليف الامتثال النظامي، وتزايد احتمالات التمويل غير المشروع.
وتمثل هذه الظاهرة حالة يمكن توصيفها تحليليًا بوصفها الانفصال النقدي المؤسسي، حيث تظل الكتلة النقدية قائمة شكلاً وقانونًا، لكنها تنفصل وظيفيًا عن آليات الضبط والرصد النظامي، بما يولّد تشوهات في الإشارات السعرية، ويضعف قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.
لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:
استبدال العملة أم حذف الأصفار؟ أولويات الإصلاح النقدي في العراق الدكتورة سهام يوسف

دكتوراه في الاقتصاد الدولي، المدرسة العليا للإحصاء والتخطيط، وارشو، بولندا. تقيم حالياً في المغرب


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية