د. سهام يوسف:
البرنامج الاقتصادي الذي طُرح ضمن المنهاج الوزاري للسيد علي الزيدي، والذي يركز على تنويع الاقتصاد، والانضباط المالي، وإصلاح القطاع المصرفي، وتمكين القطاع الخاص، يعكس في ظاهره إدراكًا واضحًا لطبيعة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد العراقي. لكنه في الوقت نفسه يعيد إنتاج اللغة ذاتها التي باتت تتكرر في معظم البرامج الحكومية خلال السنوات الماضية، حتى أصبحت أقرب إلى “نموذج توصيف ثابت” أكثر من كونها خطة تنفيذية مرتبطة بظرف مؤسسي محدد.
فمن حيث المبدأ، لا خلاف على أن الاقتصاد العراقي يحتاج إلى تقليل الاعتماد على النفط، وإعادة هيكلة الإنفاق العام، وتوسيع قاعدة الإيرادات غير النفطية، وتطوير القطاع المصرفي، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي. لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في صحة هذه العناوين، بل في قدرتها على التحول إلى سياسات قابلة للتنفيذ داخل بيئة مؤسسية معقدة.
التحدي الأول أمام أي برنامج اقتصادي في العراق هو أن القرار الاقتصادي نفسه يخضع لتوازنات سياسية ومراكز نفوذ متعددة، ما يجعل الأولويات الاقتصادية كثيرًا ما تتراجع أمام ضرورات التسوية السياسية. وهذا يعني أن أي سياسة اقتصادية، مهما كانت دقيقة على الورق، تصبح عرضة لإعادة التفسير أو التعديل أو التعطيل أثناء التنفيذ، بحسب توازنات القوة داخل الدولة.
أما التحدي الثاني، فيتعلق بطبيعة المالية العامة في الاقتصاد العراقي، والتي تعاني من ما يُعرف اقتصاديًا بـ“لزوجة الإنفاق العام”، أي صعوبة تقليص النفقات الحكومية، خصوصًا الجارية منها كرواتب القطاع العام والدعم والتحويلات، بعد توسعها خلال فترات الوفرة النفطية. ومع مرور الوقت، تتحول هذه النفقات من التزامات مؤقتة إلى التزامات هيكلية دائمة، ما يؤدي إلى تآكل الحيز المالي وإضعاف مرونة الموازنة العامة في مواجهة الصدمات النفطية أو متطلبات الإصلاح.
وفي هذا السياق، لا يعود الحديث عن “الانضباط المالي” مسألة تقنية تتعلق بإدارة النفقات فقط، بل يصبح مرتبطًا ببنية اقتصادية–اجتماعية تعتمد بصورة واسعة على الدولة كمشغّل رئيسي وموزّع للموارد، الأمر الذي يجعل أي محاولة لإعادة هيكلة الإنفاق العام عملية شديدة الحساسية سياسيًا واجتماعيًا قبل أن تكون مالية..
لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:
البرنامج الاقتصادي للحكومة الجديدة… التحدي ليس في الأهداف بل في التنفيذ. الدكتورة سهام يوسف

دكتوراه في الاقتصاد الدولي، المدرسة العليا للإحصاء والتخطيط، وارشو، بولندا. تقيم حالياً في المغرب


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية